التسميات
إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أخرى. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات أخرى. إظهار كافة الرسائل
الأربعاء، 15 يوليو 2026
الحوار الوطني المرتقب... فرصة لا ينبغي أن تضيع/ عثمان جدو
بعد أن وقع ممثلو الأطراف المشاركة في الحوار الوطني مساء الثلاثاء 14/07/2026 في نواكشوط على الوثيقة المقدّمة من منسق الحوار موسى افال، والتي ذكر أنها تحتوي على محاور هامة، وأن البلد بفعلها سيدخل مرحلة جديدة ستكون تاريخية، مطالبا بالانتباه إلى ضرورة التهيئة للحوار ودراسة المحاور التي ستناقش، مردفا أنه على الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية دراسة هذه المحاور وتقديم ما تتطلبه من مقترحات مفيدة.
بعد هذا كله تقف بلادنا على المرحلة الهامة والعملية للحوار الوطني المرتقب، وهي مرحلة الدخول الفعلي في الحوار، ومع أنها ليست بحاجة إلى حوار جديد بقدر ما هي بحاجة إلى حوار مختلف عن سابقيه، فالتاريخ السياسي للبلاد عرف محطات عديدة من التشاور والتوافق، بعضها أسهم في تهدئة الأزمات وفتح آفاقا للإصلاح، وبعضها الآخر انتهى إلى مخرجات لم تجد طريقها إلى التنفيذ، فتراجعت الثقة في قدرة الحوارات نفسها على إحداث التغيير المنشود.
اليوم، يعود الحديث عن حوار وطني جديد في سياق داخلي وإقليمي يختلف كثيرًا عما سبق. فمنطقتنا تواجه تحديات أمنية متصاعدة، والاقتصاد العالمي بفعل الحرب حول مضيق هرمز يفرض ضغوطًا متزايدة، بينما ترتفع داخل البلاد تطلعات المواطنين إلى تحسين مستوى المعيشة، وتطوير الخدمات، وتعزيز العدالة، وترسيخ دولة المؤسسات.
ومن هنا، فإن نجاح الحوار لم يعد قضية سياسية تخص النخب وحدها، بل أصبح شأنًا وطنيًا يمس مستقبل الدولة والمجتمع.
إن ما يمنح الحوار المرتقب أهميته بالغة كالتي تحدث عنها المنسق موسى افال؛ ليس مجرد انعقاده، وإنما كونه يأتي في لحظة تتطلب إعادة بناء جسور الثقة بين مختلف الفاعلين السياسيين، فالثقة هي رأس المال الحقيقي لأي عملية إصلاح، ولا يمكن لأي توافق أن يصمد إذا ظل محكومًا بحسابات الشك المتبادل أو بمنطق تسجيل النقاط السياسية.
لقد أثبتت التجربة الموريتانية أن التوافق كان حاضرًا في كثير من المنعطفات الكبرى، وأن الحوار ظل وسيلة مفضلة لتجنب الانسداد السياسي، لكن التجربة نفسها تؤكد أيضًا أن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه لا يقل أهمية عن التوصل إلى الاتفاق ذاته، ولذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح الحوار المقبل لن يكون عدد المشاركين، ولا حجم الوثائق الصادرة عنه، وإنما قدرته على إنتاج التزامات واضحة، وآليات متابعة فعالة، وجدول زمني يمنح المواطنين الثقة بأن النتائج ستتحول إلى واقع معيش، وحقائق ملموسة.
ومن الطبيعي أن تختلف القوى السياسية حول تقييم الأولويات، لكن ذلك لا ينبغي أن يحول دون الاتفاق على القضايا الجامعة:
كتطوير المنظومة الانتخابية، وتعزيز الحكامة، ورفع كفاءة الإدارة، وترسيخ استقلال المؤسسات، وتحسين مناخ الاستثمار، والارتقاء بخدمات التعليم والصحة، إلى جانب معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
كما أن نجاح الحوار يقتضي توسيع دائرة المشاركة لتشمل، إلى جانب الأحزاب السياسية، الشباب والنساء والنقابات والفاعلين الاقتصاديين ومنظمات المجتمع المدني.
فكلما اتسعت دائرة المشاركين، ازدادت فرص الوصول إلى حلول تحظى بقبول أوسع وتكون أكثر قابلية للاستمرار.
إن الحوار ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لبناء توافقات وطنية مستقرة، والتوافق الحقيقي لا يعني أن يتخلى أي طرف عن قناعاته، وإنما أن يلتقي الجميع على قواسم مشتركة تجعل المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة، والظرفية الآنية.
ويبقى الأمل أن يشكل هذا الحوار بداية مرحلة جديدة من الحياة السياسية في بلادنا، عنوانها الثقة والمسؤولية والشراكة، فالأوطان تتقدم عندما تتحول الخلافات إلى أفكار، والمنافسة إلى برامج، والحوار إلى قرارات قابلة للتنفيذ، فالفرص السياسية لا تتكرر كثيرًا، وما ينتظره المواطن اليوم ليس مجرد اجتماع للنخب، بل بداية مسار إصلاحي ينعكس على حياته اليومية، ويعزز الاستقرار، ويفتح المجال أمام تنمية أكثر شمولًا وعدالة.
فإذا نجح الحوار في تحقيق ذلك، فسيكون قد سجل صفحة جديدة في تاريخ موريتانيا السياسي، أما إذا اقتصر على تبادل المواقف دون نتائج عملية، فستبقى الآمال معلقة، وسيظل الإصلاح مؤجلًا إلى موعد آخرقد لا يتاح له ما حظي به هذا الحوار من متابعة ورعاية واهتمام كبيرين من لدن فخامة رئيس الجمهورية، وفرقاء السياسة، وعامة الشعب.
الاثنين، 13 يوليو 2026
العفو الرئاسي... عندما تسمو الحكمة على الخلاف/ عثمان جدو
في اللحظات التي يشتد فيها الاستقطاب السياسي، تصبح القرارات القادرة على تخفيف التوتر ذات أهمية بالغة جدا، ومن هذا المنطلق، جاء العفو الرئاسي عن النائبتين البرلمانيتين المسيئتين لفخامة رئيس الجمهورية في العلن، مع كامل التوثيق والتلبس، جاء هذا العفو ليشكل محطة سياسية وقانونية أثارت نقاشًا واسعًا بين مرحب بالقرار حتى من المعارضة ومنتقد ومتحامل بدعوى الانتصار لهيبة القضاء مع أن القرار لا ينتقص منها مهما أريد إدخال ذلك في غير مدخله.
فلا شك أن احترام القضاء واستقلاله يمثلان ركيزة أساسية لدولة القانون، غير أن العفو الرئاسي هو أيضًا صلاحية دستورية وُجدت لتمنح أعلى سلطة في هرم الدولة ممثلة في فخامة رئيس الجمهورية الذي هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء مساحة للتحرك عندما تقتضي المصلحة العامة تغليب منطق التهدئة والمصالحة.
ومن ثم، فإن استخدام هذه الصلاحية لا يعني بالضرورة التقليل من شأن الأحكام القضائية، بل يعكس تقديرًا واضحا لاعتبارات سياسية ووطنية أوسع، ويقتضي التدخل كما حصل في الوقت واللحظة المناسبة، ويجب أن تقرأ الرسالة الأبرز التي يحملها هذا القرار بما تقتضيه بشكل سليم وموفق، وهو أن الحوار يظل أقل كلفة من القطيعة، والتسامح قد يكون في بعض الأحيان أبقى أثرًا من استمرار الخصومة، فالدول التي تنجح في تجاوز أزماتها ليست تلك التي تكثر فيها المواجهات، بل تلك التي تمتلك الشجاعة لفتح أبواب التفاهم كلما سنحت الفرصة.
ويبقى التحدي الحقيقي بعد العفو هو كيفية استثماره، فإذا تعاملت معه مختلف الأطراف باعتباره فرصة لإعادة بناء الثقة، وتهيئة مناخ أكثر هدوءًا، فإنه لا شك سيصبح خطوة مهمة نحو إنجاح الحوار الوطني المنتظر، والآخر الدائم، والانصراف إلى القضايا التي تشغل بال المواطن، مثل التنمية، وفرص العمل، وتحسين الخدمات في المجالات الخدمية كالصحة والتعليم والماء والكهرباء وغيرها، وكذا تعزيز الوحدة الوطنية.
وفي المحصلة فإن هذا العفو الرئاسي الذي وقعه فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني سيترك أثرا إيجابيا كبيرا، لأن مفهوم العفو بكل بساطة يمثل في كثير من الأنظمة الدستورية وسيلة لإعلاء قيم التسامح والمصالحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات أبعاد سياسية، ومن هذا المنطلق؛ يمكن أن تترتب عليه عدة آثار إيجابية لعل منها:
أولًا: أنه سيسهم في تهدئة المناخ السياسي وخفض مستوى الاحتقان بين الأغلبية والمعارضة، وهو ما يساعد على توفير بيئة أكثر ملاءمة للحوار والتوافق حول القضايا الوطنية.
ثانيًا: كونه يعكس توظيف الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية في اتجاه تعزيز الاستقرار الوطني، وإظهار روح التسامح، بما قد يفتح الباب أمام تجاوز الخلافات السياسية وتغليب المصلحة العامة.
ثالثًا: سيعزز هذا العفو الثقة بين مختلف الأطراف السياسية إذا اعتُبر بادرة حسن نية، الأمر الذي يمكن أن ينعكس إيجابًا على فرص نجاح أي حوار سياسي مرتقب.
رابعًا: يبعث هذا القرار برسالة واضحة مفادها أن الخلافات السياسية يمكن أن تُدار بالحوار والتفاهم، وأن السلطة قادرة على الجمع بين تطبيق القانون وإفساح المجال للمبادرات التي تخدم السلم الاجتماعي.
خامسًا: يمكن أن يسهم في توجيه اهتمام الساحة السياسية نحو القضايا التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي تهم المواطنين، بدل استمرار الجدل حول قضية قضائية أثارت انقسامًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرا.
وفي نهاية المطاف، فإن هذا العفو ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لفتح صفحة جديدة. ونجاحه لا يقاس بصدور المرسوم الرئاسي فقط، وإنما بقدرته على تحويل الخلاف إلى حوار، والتنافس السياسي إلى شراكة مستمرة في خدمة الوطن.
فالأوطان تتسع للجميع، والاستقرار الحقيقي يقوم على احترام القانون، والانفتاح على الحوار، وتقديم المصلحة الوطنية على غيرها، وجعلها فوق كل اعتبار.
لذا علينا أن ندرك أن تحقيق كل الآثار الإيجابية المنتظرة من هذا القرار يتوقف على تجاوب جميع الأطراف الفاعلة معه بروح المسؤولية، واستثماره كفرصة لتعزيز الحوار، واحترام المؤسسات، والعمل المشترك من أجل المصلحة الوطنية؛ التي يجب أن تظل أنشودة الجميع، دون استثناء.
الثلاثاء، 7 يوليو 2026
إلى أي مدى نجح مهرجان المعارضة بانواذيبو في تحقيق مقاصده؟/ عثمان جدو
أرادت المعارضة من خلال مهرجان انواذيبو أن تُوصل رسائلها السياسية، وتفرض ضغطًا معنويًا وإعلاميًا على السلطة، ومع صعوبة الجزم بنجاعة الأساليب التي انتهجها قادة المعارضة في خطاباتهم، أو تمام نجاح المهرجان في تحقيق أهدافه، وفرض خيارات المعارضة على النظام، فإن بعض المتتبعين يرى أن شيئا من التأثير لا بد قد حصل؛ ويمكن رصد مدى التأثير وفعاليته من عدمها من خلاله تتبع بعض العوامل لعل منها:
-كون هذا المهرجان جمع لأول مرة الأقطاب الرئيسية للمعارضة في انواذيبو حول نشاط سياسي مشترك، وهو ما يُعطي انطباعا -بعض الشيء- بوحدة الصف، وطبعا إن تبلورت هذه الجزئية ونمت فإن ذلك سيشكل إضافة تُحسب للمعارضة مع تحركاتها الأخيرة، وتكسبها بعض النقاط.
-القدرة على الحشد خاصة خارج العاصمة انواكشوط: فمن الصعب جدا حشد المواطنين الموريتانيين في غير المواسم الانتخابية التي تزيد الحماس، وحب الاجتماع، والاندفاع السياسي، ومع ذلك تحدثت بعض المنصات الإخبارية عن المهرجان من هذه الزاوية وقدمته على أساس أنه شهد حضورا جماهيريا ملحوظا.
- ركزت بعض خطابات هذا المهرجان على قضايا تهم سكان المدينة مثل المياه والكهرباء وغلاء المعيشة والصحة والتعليم، وهي ملفات تحظى باهتمام شعبي واسع، ويعتبر الكلام عنها انتصارا للمواطن حتى وإن غفل أو تغافل المتحدثون عن الوضع الدولي الصعب الذي يفرض قيوده الخاصة على جميع دول العالم.
– استغلال التهيئة للحوار: فتزامن حراك المعارضة وهذا المهرجان بالذات مع الحراك السياسي الوطني الممهد للحوار من شأنه إذا هو نجح في تمرير رسائله بقوة أن ينتزع قدرا كبيرا من المرونة المطلوبة تجاه بعض ملفات المعارضة التي ترفعها وتتبناها؛ لكن ذلك مرهون إلى حد كبير بنجاح التعبئة الجماهيرية ومدى تماسكها ودقة تنظيمها حتى تكون قوة سياسية يُعول عليها بثبات وموضوعية.
ومع كل ما تقدم فإن فرض خيارات المعارضة يتطلب أكثر من مهرجان جماهيري؛ حتى لو سلمنا جدلا أن هذا المهرجان كان حاشدا؛ فالأمر يحتاج أكثر من ذلك بكثير، ولا أقل من أن يحتاج إلى استمرار الحشد، ووحدة صف المعارضة، ووضوح المطالب، وقدرة المعارضة على كسب تأييد أوسع داخل المجتمع.
وفي الجانب الموازي تبدو السلطة غالبًا أكثر ميلًا إلى استيعاب الضغوط السياسية عبر الحوار والتفاوض بدل الاستجابة الفورية لضغط التجمعات الجماهيرية وحدها.
لذلك، فإن نجاح المهرجان قد يمنح المعارضة أوراقًا إضافية على طاولة الحوار، لكنه لا يعني بالضرورة أن النظام سيقبل بشروطها أو خياراتها كاملة، فهو كما يُقال في بحبوحة من الارتياح السياسي المؤسسي بسيطرته على المقاعد التشريعية وتمثيليات الناخبين، ويقدم نفسه كمانح مرن للحوار؛ يمدُّ يدًا عريضة إليه، ويرفع عنها كل يدٍ ثقيلة، والطمأنينة في ذلك تجري على لسان فخامة الرئيس في كل اجتماع عُقد على مائدة التهيئة للانطلاقة الفعلية للحوار الوطني الشامل، الذي يقدم من النظام على أنه لا يستثني موضوعا ولا يصادر رأيا.
ثم إن من أبرز النواقص أو المآخذ على المهرجان:
-أنه غلب على الخطابات المتداولة فيه الطابع النقدي النظري، بينما كانت التفاصيل المتعلقة بالحلول والبدائل العملية محدودة، وهذه عادة قديمة متجددة؛ لم تثبت نجاعتها في الماضي ولا يعول كثيرا على نتائجها في المستقبل، بل أبعد من ذلك حملت بعض الفقرات جملا وعبارات متشنجة وقد تكون حمالة للتهم والتخوين دون بينة أو إثبات، ومعروف أن ذلك مما يُضعف الحجج، ويُميِّع الدلائل، وينفي البراهين.
-لم يُعلن على لسان أي من قادة المعارضة عن برنامج واضح للمتابعة، أو جدول زمني مضبوط لتحويل مطالب المهرجان إلى تحركات سياسية، أو برلمانية محددة ومستمرة.
-اقتصر النشاط على مهرجان جماهيري، بينما يحتاج الأثر السياسي إلى عمل ميداني متواصل مع السكان بعد انتهاء المهرجان.
-ادعت المعارضة أنها واجهت، وفق بيانها، قيودًا على بعض الأنشطة الدعائية والاستقبالات المصاحبة للمهرجان، وهو ما قالت إنه أثر على التعبئة وزيادة الحشد.
بعبارة مختصرة: هذا المهرجان قد يزيد من الوزن التفاوضي للمعارضة، لكنه وحده لا يكفي لفرض أجندتها، ما لم يُترجم إلى حراك سياسي مستمر وتوافق داخلي واسع حول مطالبها.
وبالرغم عما حمل مهرجان المعارضة من انتقادات للحكومة فإن الحكومة تستند إلى التأكيد على البرامج الاجتماعية، مثل توسيع برامج الدعم للفئات الهشة، معتبرة أنها تخفف من آثار ارتفاع الأسعار؛ وكان أخر ذلك عهدا بالمواطن برنامج *عون* الذي مازالت آخر خطواته في بعض المناطق مستمرة، وكذا التأمين الصحي الشامل للمشمولين في السجل الاجتماعي، ومع ذلك يثار كثير من اللقط أخيرا حول طريقة التعامل مع المؤَمَّنِينَ من الموظفين ووكلاء الدولة الذين أصبحوا يعبرون عن معاناتهم الكبيرة مع مطاردة استفادتهم من خدمات التأمين بمشقة بادية عكس ما كان عليه حالهم قبل 2026.
كذلك تخلص الحكومة دائما إلى الحديث عن الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والطاقة والمياه والطرق، بوصفها أساسًا لتحسين الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل.
وتشير في كل البيانات والمقابلات إلى استقرار الاقتصاد الكلي مقارنة ببعض دول المنطقة، مع المحافظة على التوازنات المالية وجذب الاستثمارات.
وتؤكد الحكومة على المضي في الحوار السياسي، وترى أن فتح باب الحوار مع مختلف القوى السياسية يتناقض مع اتهامات المعارضة لها بالتضييق والإقصاء.
تتجه الحكومة أيضا في جل خرجات أعضائها إلى إبراز الإنجازات القطاعية في مجالات التعليم والصحة والكهرباء والمياه، باعتبارها دليلًا على استمرار العمل التنموي.
وفي مقابل ذلك كله ترى المعارضة أن هذه الإجراءات والإنجازات المتحدث عنها لم تنعكس بما يكفي على حياة المواطنين، وأن المشكلات الأساسية مثل غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، والبطالة، وضعف القدرة الشرائية، لا تزال قائمة، ولذلك دعت إلى تحركات جماهيرية للضغط من أجل تغيير السياسات الاقتصادية.
وبالتالي وكخلاصة أخيرة، فإن نجاح الحكومة في تفنيد دعاوى المعارضة يتوقف على معيارين:
إذا كان المعيار هو عرض الإنجازات والمشاريع، فلدى الحكومة حصيلة تستند إليها وتنشرها من حين لأخر بلغة الأرقام.
أما إذا كان المعيار هو إقناع المواطنين بأن أوضاعهم المعيشية تحسنت بشكل ملموس، فسيبقى ذلك محل نقاش سياسي وشعبي، وهو ما تحاول المعارضة استثماره في مهرجاناتها وتحركاتها، وتحتاج الهيئات الإعلامية الحكومية إلى مضاعفة الجهود من أجل إظهاره على حقيقته التي لا تقبل الطعن أو التنقيص.
وبين هذين الاتجاهين المتباينين؛ يظل السؤال مفتوحا ومطروحا؛ إلى أي مدى يمكن للمعارضة أن تنجح من خلال مهرجاناتها في تحقيق اهدافها وملامسة مقاصدها؟
الاثنين، 22 يونيو 2026
حول السجال الذي دار تحت قبة البرلمان بين وزير الداخلية ومُسائِليه من النواب/ عثمان جدو
تميزت جلسة مساءلة وزير الداخلية بحضور برلماني كبير، يعكس أهمية اللحظة ومحورية الحديث، وهو مشهد عَكْسَ حالِ كثير من الجلسات التي تفتقد إلى النصاب المعطل او المسهل للتمرير أو التشريع، ولقد تميزت هذه الجلسة بقوة السجال بين النواب ووزير الداخلية حول آلية تقييد المواطنين عموما وفي منطقة الضفة خصوصا باعتبار التقييد نموذجًا للتحديات التي تواجهها الدولة عند التوفيق بين متطلبات تأمين السجل المدني وضرورة تسهيل حصول المواطنين على الوثائق الأساسية.
إن من الملاحظ تركيز عدد من النواب على شكاوى بعض السكان من صعوبة استكمال إجراءات التقييد، وإظهار معاناتهم في القرى والمناطق النائية مع الوثائق الثبوتية المطلوبة.
ولقد أبدى هؤلاء النواب تخوفهم من حرمان بعض المواطنين من حقوقهم المدنية بسبب التعقيدات الإدارية أو نقص بعض الوثائق، وطالبوا بمزيد من المرونة في التعامل مع الحالات الخاصة والقديمة التي يفرضها الأمر الواقع.
ومن جهته، أكد معالي وزير الداخلية أن التقييد المدني يجب أن يستند إلى معايير قانونية واضحة تحفظ مصداقية السجل الوطني، وبين أن التساهل غير المنضبط مع عملية تقيد المواطنين قد يفتح الباب واسعا أمام التزوير أو الازدواجية في الهويات بعيدا عن الأطر القانونية المشروعة.
ولقد أكد معاليه على أن الدولة تعمل على تقريب خدمات الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة من المواطنين، وأن اللجان الفنية والإدارية تدرس الملفات وفق القوانين المعمول بها مع مراعاة الحالات الإنسانية والاجتماعية.
بعد هذا النقاش المستفيض تحت قبة البرلمان اتضحت جملة من الدلالات السياسية والإدارية
حيث كشف هذا النقاش الهام جدا عن ثلاثة أبعاد مهمة تجلت في:
البعد الحقوقي: ويتجلى في ضمان حق كل مواطن في الحصول على أوراقه الثبوتية شريطة الاستظهار بكل ما يلزم من الناحية القانونية والإجرائية والتنظيمية.
البعد الأمني: ويظهر من خلال حماية السجل السكاني من الأخطاء والتلاعب، فلقد كان في سالف الزمن بعض الأجانب يسخرون من الوثائق الوطنية؛ ويرددون بأن الحصول عليها أسهل بكثير من الحصول على الغذاء والماء والدواء، أما اليوم فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أن مستوى الأمان الذي وصلت إليه الوثائق الوطنية من أهم المكاسب السيادية منذ نشأة الدولة المدنية بصبغتها الوطنية، ومعروف أن كل البرامج الحكومية التنموية أصبحت تعتمد في تنفيذها على برنامج السجل الاجتماعي الذي يعد ركيزة أساسية لدى مندوبية تآزر في تطبيق برامجها الاجتماعية، ولولا ضبط الوثائق وتأمينها أصلا من خلال الجاهزية العالية التي أصبحت تتمتع بها الوكالة الوطنية لسجل السكان لما كان لهذه البرامج التي أصبحت محل إشادة يتفق عليها الجميع ذكر ولا حس ولا خبر.
البعد التنموي: لا خلاف في أهمية التقييد المحكم والمنظم والمحمي من التلاعب والفوضى في التنمية المستدامة؛ فالتقييد المدني السليم شرط أساسي للاستفادة من التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وبرامج الدعم الحكومية.
إن المقاربة الأمنية التي انتهجها الدولة وباشر تنفيذها بكل اقتدار معالي وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين خلال السنوات الأخيرة، قامت على عدة محاور رئيسية:
حيث اعتمدت بكل وضوح على تعزيز الأمن الوقائي والاستباقي من خلال رفع جاهزية الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات قبل وقوعها، خاصة في ظل محيط إقليمي مضطرب وتحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة، وعُمل على عصرنة المنظومة الأمنية عبر تحديث التجهيزات والوسائل الفنية واللوجستية، وتوسيع التغطية الأمنية وإنشاء مراكز جديدة، وتأهيل الموارد البشرية باكتتاب دفعات جديدة من الشرطة والأجهزة التابعة للقطاع، وتحسين التكوين والقدرات المهنية والعملياتية للعناصر الأمنية، وكذا تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية وتبادل المعلومات والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحوادث الأمنية المختلفة لسد الثغرات المحتملة، وضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية باعتبارها من أبرز التحديات الأمنية المطروحة على البلاد، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود وتعزيز حضور الدولة في مختلف المناطق لحماية المواطنين وممتلكاتهم.
أشفع ذلك كله بتقريب الإدارة من المواطن، وترسيخ دولة القانون باعتبار الأمن مرتبطًا بفعالية الإدارة المحلية وحضور الدولة في جميع أنحاء البلاد، وربط الأمن بالتنمية والاستقرار الاجتماعي، حيث يتأكد باستمرار أن الأمن شرط أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجذب الاستثمار.
لا يمكن أن نقلب صفحة الحديث عما دار تحت قبة البرلمان بين معالي وزير الداخلية الذي يُعد العمود الفقري للنظام القائم وبعض النواب المشاكسين حول الهوية الوطنية دون ذكر القيمة السيادية، المضافة، العالية جدا للوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة؛ والتي أزيل عنها كل ستار خدَّاع أو لبس متعمد، ففي عهد وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين انكشفت كل مفاتيح الأهمية في جوانبها الاستراتيجية والإدارية والأمنية ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط التالية:
1. تعزيز أمن الهوية الوطنية: حيث أتاحت الوكالة بناء سجل بيومتري متكامل يعتمد على البيانات الشخصية والبصمات والخصائص البيومترية، مما يحد من التزوير وانتحال الهوية ويعزز موثوقية الوثائق الرسمية.
2. تطوير الخدمات الرقمية: إذ شهدت الوكالة توسعًا في استخدام الأنظمة الرقمية وتطبيق *هويتي* المميز جدا، مما سهل على المواطنين تقديم الطلبات ومتابعتها وتقليل الوقت والجهد وتكاليف التنقل.
3. تقريب الإدارة من المواطنين: فقد تم توسيع شبكة مراكز الاستقبال وإصدار الوثائق في مختلف الولايات والمقاطعات، بما يساهم في تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية وتقليص المركزية.
4. دعم المقاربة الأمنية للدولة: حيث أصبحت قاعدة البيانات الوطنية أداة أساسية لضبط الحدود، ومراقبة تدفقات الهجرة، والتعرف على الهويات، ومكافحة الجريمة المنظمة والتزوير. وقد اعتبرت السلطات أن السجل الوطني للوثائق المؤمنة يمثل ركيزة محورية في المنظومة الأمنية الحديثة.
5. تنظيم وضعية الأجانب والمقيمين: من المعروف والمؤكد أن هذه الوكالة ساهمت بفعالية في إنشاء آليات لتسجيل الأجانب وإصدار وثائق الإقامة والتأشيرات البيومترية، بما يعزز ضبط حركة الأشخاص واحترام الأطر القانونية للإقامة.
6. تحسين جودة الوثائق الرسمية: إذ أتاح النظام المندمج الجديد إنتاج وثائق مؤمنة عالية الجودة تشمل بطاقات التعريف وجوازات السفر ووثائق الحالة المدنية ورخص السياقة وغيرها، وفق معايير تقنية أكثر تطورًا.
7. تعزيز صورة موريتانيا إقليميًا: ذلك أن تجربة موريتانيا في مجال السجل السكاني والوثائق المؤمنة أصبحت محل اهتمام دول مجاورة، وهو ما تجسد في زيارات رسمية للاطلاع على التجربة الموريتانية والاستفادة منها.
وخلاصة القول أن الخلاف الذي دار بين النواب والوزير في هذه الجلسة البرلمانية الاستثنائية لا يتمحورفي جوهره على أهمية التقييد المدني، فالجميع يتفق على ضرورته، وإنما يدور حول كيفية تحقيق التوازن بين الصرامة القانونية المطلوبة لحماية الهوية الوطنية وبين المرونة الإدارية اللازمة لضمان عدم إقصاء المواطنين، خصوصًا في مناطق الضفة التي تمتلك خصوصيات تاريخية واجتماعية تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة.
وتبقى هناك ملاحظة واردة مفادها أن الانتماء للدولة محدد باشتراطات قانونية ولا يعني ابدا ان الانتماء الأسري كفيل بالتطابق الهوياتي؛ فمثلا يمكن لأبناء العمومة الذين يوحدهم الاسم العائلي أن تفرقهم الحدود، وهذا حاصل في البلاد جنوبا سواء على مستوى الضفة أو باقي الحدود مع مجمل دول الجوار بما في ذلك محور الشمال.
الأحد، 14 يونيو 2026
ما الفائدة المنتظرة من برنامج عون وأمثاله؟ / عثمان جدو
منذ توليه السلطة سنة 2019، جعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني البعد الاجتماعي محورًا أساسيًا في برنامجه، وأطلق أو وسّع عدة برامج استهدفت الفئات الهشة ومحدودة الدخل.
ومن أهمها: مندوبية *تآزر*
تُعد المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (تآزر) أبرز أداة اجتماعية في عهد فخامة الرئيس غزواني، وقد وصفها هو نفسه بأنها "العنوان الاجتماعي الأبرز في برنامج -تعهداتي- فمن خلال تآزر نُفذت برامج للتحويلات النقدية على كثير من المواطنين الذين كانوا يعانون الهشاشة والتهميش، ومن خلالها تنوع دعم الأسر الفقيرة، وتوسعت دائرة التأمين الصحي، وزاد عدد المستفيدين من السكن الاجتماعي، وتمت رعاية وتمكين بعض الشباب من الأنشطة المدرة للدخل، ولبسط الحديث قليلا عن هذه البرامج يمكن القول إن من أهمها وأكثرها ملامسة لاحتياجات المواطن:
برنامج التكافل للتحويلات النقدية
وتكمن أهمية هذا البرنامج في كونه يوفر مساعدات مالية دورية لعشرات الآلاف من الأسر الفقيرة بهدف دعم قدرتها الشرائية، ومساعدتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، وبالرغم من كثرة اللقط المثار حول قيمة ومقدار المبالغ الموزعة فإنها تبقى متنفسا يحتل قيمة مادية ومعنوية كبيرة في نفوس المستفيدين منه والذين لا يملكون دخلا أصلا، وفي الغالب يعجزون عن مزاولة الأعمال التي تتطلب جهدا أو تركيزا ما؛ لم تعد أبدانهم ولا أذهانهم تعينهم على مزاولته.
التأمين الصحي للفئات الهشة
عندما أطلق فخامة الرئيس برنامجًا للتأمين الصحي المجاني أو المدعوم لصالح الأسر الفقيرة، واستفادت منه أكثر من 100 ألف أسرة، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ موريتانيا الاجتماعي والصحي؛ كثر القائلين من المعارضين أن النظام الصحي هش وأن هذا التأمين المذكور لا يعدو كونه ظاهرة صوتية سرعان ما يتلاشى صداها!!، ومع مرور الوقت ظهرت الحكمة الكبيرة في هذه الخطوة والفائدة العجيبة التي جعلت اليوم أكبر مستفيد من الرعاية الصحية هم هؤلاء المشمولين في هذا التأمين الصحي المجاني؛ حتى أن حالهم الآن وانسيابية رعايتهم عند *اكنام* أفضل بكثير من الموظفين الذين يعانون ذهابا وجيئة من أجل استيفاء الإجراءات اللازمة للاستفادة من خدمات الرعاية الصحية، وبالتالي فإن هذا التأمين المجاني أصبح فتحا صحيا ظاهرا يتمتع بنداه العجزة وأصحاب الأمراض المزمنة؛ وهنا تكمن فائدته وقيمته الحقيقية.
برنامج "داري" للسكن الاجتماعي
كان الهدف الأساسي لبرنامج داري للسكن الاجتماعي هو توفير قطع أرضية وخدمات سكنية للأسر الأكثر هشاشة، خصوصًا في الأحياء العشوائية ومناطق الهشاشة؛ لكن مزية كبيرة حصلت منه أيضا عندما وهب فخامة الرئيس المنازل المجمعة فيه لدعم صندوق سكن المدرسين، وهي الخطوة التي يمكن أن يُقال أن نداها وفائدتها لابد وصلت جميع افراد المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وذلك لأن أي أسرة ليس من أفرادها المباشرين مدرس فإنه حتما سيكون من أفرادها المحيطين أو على الأقل من الذين يتولون رعاية أبنائهم وتدريسهم وتهذيبهم، وبالتالي يسرهم ما يسرهم، ويفرحون لما ينفس عنهم كربة ما؛ وما موضوع السكن إلا كربة لمن عجز عنه، وراحة ومأوى وطمأنية لمن قدر عليه.
برنامج التموين
وهذا البرنامج يستهدف دعم الأمن الغذائي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين عبر توفير المواد الأساسية للفئات المحتاجة وهنا تظهر القيمة الكبيرة لإسهامات مفوضية الأمن الغذائي كركيزة أساسية في البرنامج الاجتماعي لصاحب الفخامة، ويظهر ذلك أكثر من خلال برنامج *عون* الذي أطلقه فخامة الرئيس وسنصل إلى الحديث عنه في الجزء الموالي من هذا المقال.
برامج دعم الأنشطة المدرة للدخل
تشترك قطاعات عدة في إنجاز وتوفير تمويلات وقروضً صغيرة ومساعدات للمشاريع الأسرية والشبابية بهدف الانتقال من الدعم المباشر إلى التمكين الاقتصادي؛ وكل ذلك من أجل أن تلامس الجهود المبذولة يد المستحق الذي ينفعه ويسعفه القليل، ويرضى باليسير الذي قد يُصيره ترشيد ما آل إليه من دعم ومساندة إلى حال الأمير بالقناعة والاكتفاء عن الآخرين.
برنامج *تعمير – مدن التآزر*
وهذا البرنامج هو الآخر أُطلق لتطوير المناطق الهشة من خلال تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وبالتالي يلاحظ المتتبع بعد بسط اليسير من الكلام عن هذه البرامج أنها تُكمل بعضها البعض وصولا إلى دعم قدرات المواطنين الأكثر حاجة والمناطق الأحوج إلى التدخل، وبالتالي الانتقال من التدخلات المحدودة إلى بناء شبكة أوسع للحماية الاجتماعية.
بالإضافة إلى ما حققته البرامج المذكورة آنفا سواء عن طريق تآزر أو عن طريق مفوضية الأمن الغذائي أو غيرها من القطاعات فإن برنامج *عون* بمكوناته التي تباشر تنفيذها تآزر ومفوضية الأمن الغذائي كل في دائرة اختصاصه، والذي أطلقه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مباشرة يُعد من أكبر برامج الدعم الاجتماعي في موريتانيا على الإطلاق، إذ يستهدف أكثر من 352 ألف أسرة تضم ما يزيد على مليوني مواطن من المسجلين في السجل الاجتماعي، من خلال تحويلات نقدية مباشرة وسلات غذائية مضاعفة الكمية في بعض محتوياتها وهي موجهة بالأساس للأسر الأكثر هشاشة.
وهذا لا شك حدث مهم يُنتظر من ورائه حصول قيمة كبيرة وكبيرة جدا، وذلك لكونه برنامجًا واسع النطاق للحماية الاجتماعية يستهدف بالأخص الأسر الأقل دخلًا والفئات الهشة في مختلف ولايات البلاد، مما يجعله أكبر برامج الدعم الاجتماعي من حيث عدد المستفيدين والانتشار الجغرافي.
ومن أبرز الآثار والفوائد المنتظرة منه:
1- التخفيف من أعباء المعيشة عبر التحويلات النقدية المباشرة للأسر المحتاجة، مما يساعدها على مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة.
2- تعزيز الأمن الغذائي من خلال توزيع السلات الغذائية على الأسر المستفيدة، بما يضمن توفير الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة؛ خاصة في ظل هذه الأزمة العالمية الحالية التي تزيد من حدتها تداعيات الحرب حول مضيق هرمز وغيرها من الحروب التي تؤثر على مسار الغذاء ووسائل نقله عبر العالم.
3- رفع القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في المناطق الفقيرة والريفية التي تتأثر أكثر بالتقلبات الاقتصادية في ظل ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية العالمية والمحلية.
4- الحد من الفقر والإقصاء الاجتماعي عبر توجيه الدعم مباشرة إلى المستحقين وتحسين ظروفهم المعيشية، وتعزيز الثقة في السياسات الاجتماعية للدولة إذا تم تنفيذ البرنامج بشفافية وعدالة ووصل الدعم إلى مستحقيه في الوقت المناسب.
5- تعزيز الشفافية والفعالية عبر الاعتماد على الوسائل الرقمية والرسائل النصية في توجيه المستفيدين وتسهيل حصولهم على الدعم، ولقد تابعنا ضغطة زر واحدة قام بها فخامة رئيس الجمهورية من خلالها تصل الرسائل مباشرة إلى المستفيدين ثم تتدفق إليهم تحويلاتهم المالية المقررة لهم.
لكل هذه الاعتبارات والنتائج فإن القيمة الحقيقية المنتظرة من *عون* لا تكمن فقط في المساعدات الآنية، بل في ترسيخ شبكة حماية اجتماعية تخفف الفقر وتعزز الاستقرار الاجتماعي وتدعم كرامة المواطنين الأكثر احتياجًا.
وبالتالي فإن برنامج *عون* من الناحية السياسية والاجتماعية يعكس توجه الدولة نحو جعل العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر في صدارة السياسات العمومية، ويُجسد حرص السلطات على التخفيف من الأعباء المعيشية عن المواطنين الأكثر هشاشة.
لذلك فهو ليس مجرد مساعدة ظرفية، بل خطوة مهمة نحو توسيع شبكة الأمان الاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية للفئات الضعيفة في المجتمع الموريتاني.
الأربعاء، 10 يونيو 2026
لقاء فخامة الرئيس بأطياف المعارضة: الفرصة الثمينة/ عثمان جدو
يكتسي لقاء فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بقادة أطياف المعارضة أهمية سياسية كبيرة، سواء من زاوية إدارة الشأن الداخلي أو من زاوية تعزيز الاستقرار الوطني.
وقد جاءت هذه اللقاءات في سياق التشاور حول القضايا الوطنية؛ الاقتصادية والاجتماعية والحوار السياسي المرتقب خصوصا، ويُعد هذا اللقاء في حد ذاته خطوة إيجابية تعزز ثقافة الحوار وتؤكد أن الاختلاف السياسي لا يمنع التشاور حول مصالح الوطن، وبما أنه يتنزل في سياق نقاش قضايا حساسة مثل غلاء المعيشة وأزمة الطاقة والحوار الوطني، فقد أخذ بعدا هاما وأهمية خاصة.
ومن المهم جدا ألا يظل هذا اللقاء مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل الآراء، بل من الضروري جدا أن يُتبع بمسار عملي لكي يشكل بداية مرحلة جديدة من التهدئة والتوافق الوطني، ومن المهم جدا أن يتحول إلى آلية دائمة بين السلطة والمعارضة وسيحسب لا محالة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فضل سنها كسنة حسنة وبادرة طيبة، فهي الممهد الأساسي لإطلاق حوار وطني شامل يناقش القضايا الكبرى مثل الحكامة، والاقتصاد، والوحدة الوطنية، والإصلاحات السياسية؛ فذلك هو السبيل السالك للتوافق على أولويات اجتماعية واقتصادية تخفف من أعباء المعيشة وتُحسن الخدمات الأساسية، وتُقوي بناء الثقة بين الفرقاء السياسيين من خلال تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه واحترام التعددية السياسية، شريطة إشراك مختلف القوى الوطنية من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني حتى لا يظل الحوار محصورًا في دائرة النخب السياسية وحدها.
ولقد بعث هذا الحدث بمضامين ودلالات لعل من أهمها:
تكريس نهج الحوار والتشاور: إذ يعكس اللقاء حرص فخامة الرئيس على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى السياسية، بما فيها المعارضة، وهو ما يساهم في تخفيف الاحتقان السياسي وبناء الثقة بين الفرقاء الوطنيين.
تهيئة المناخ للحوار الوطني: فاللقاء يأتي ضمن مسار التحضير لحوار وطني شامل حول القضايا الكبرى للبلاد، مثل الإصلاحات السياسية والانتخابية والتنموية، وهو ما يمنح المعارضة فرصة للمشاركة في رسم التوجهات الوطنية.
تعزيز الوحدة الوطنية: ففي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، يبعث اجتماع السلطة والمعارضة برسالة مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى تتطلب التوافق والتعاون بدل الصراع والاستقطاب.
الاستماع إلى مطالب المواطنين: إذ أن المعارضة تمثل جزءًا معتبرا من الرأي العام، ولذلك فإن اللقاء يتيح لها نقل انشغالات المواطنين المتعلقة بغلاء المعيشة والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية إلى أعلى مستوى في الدولة وهو فخامة رئيس الجمهورية.
تعزيز صورة موريتانيا الديمقراطية: فهذه اللقاءات المنتظمة بين الرئيس والمعارضة تعطي انطباعًا إيجابيًا عن تطور الممارسة الديمقراطية في البلاد، وتُرسخ مبدأ أن الاختلاف السياسي لا يمنع الحوار والتعاون من أجل المصلحة العامة.
إن المواطن الموريتاني البسيط يُعلق آمالا كبيرة على مثل هذه اللقاءات مع أعلى هرم السلطة ويتشوف من خلالها إلى خفض أعباء المعيشة والحد من ارتفاع الأسعار، خاصة أسعار المواد الغذائية والمحروقات، وخلق فرص عمل للشباب والحد من البطالة التي تشكل هاجساً كبيراً للأسر، وتحسين الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والمياه والكهرباء، وتعزيز التهدئة السياسية وتجنب التوترات والصراعات التي قد تؤثر على الاستقرار والتنمية.
بالإضافة إلى إطلاق حوار وطني جاد يفضي إلى توافقات حول القضايا الكبرى ويعزز الوحدة الوطنية، ويُرسي دعائم مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام حتى تصل ثمار التنمية إلى المواطنين بصورة أفضل، وتتعزز معه العدالة الاجتماعية وتُدعم الفئات الأكثر هشاشة وتُرسخ برامج الحماية الاجتماعية.
إن هذا اللقاء الذي سنه فخامة الرئيس؛ وحسنًا فعل، يُعد خطوة مهمة نحو ترسيخ التهدئة السياسية وبناء التوافقات الوطنية، خاصة إذا تُرجمت مخرجاته إلى إجراءات عملية تُؤدي إلى حوار جاد تنتج عنه الحلول المناسبة لكل القضايا الوطنية، وتتحقق معه تطلعات المواطنين بترجمة كل القرارات ترجمة عملية تُصاحبها إجراءات ملموسة يجد المواطن البسيط أثرها في حياته اليومية.
الأحد، 7 يونيو 2026
من أجل أن نحمي فلذات أكبادنا من الفساد الأخلاقي الذي بات يتهددهم/ عثمان جدو
الحفاظ على الأبناء من الانحرافات الأخلاقية يُعتبر أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر في عصر الانفتاح الإعلامي والتقني.
فمع انتشار المحتويات غير المناسبة وسهولة الوصول إليها، أصبحت مسؤولية التربية أكثر تعقيدًا، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الحكمة والمتابعة والتوجيه السليم، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية فالتربية على مراقبة الله تعالى، وتعويد الأبناء على الصدق والأمانة والعفة واحترام الآخرين، كل ذلك يشكل حصنًا داخليًا يحميهم من الوقوع في السلوكيات المنحرفة، مع تعزيز الحوار داخل الأسرة حتى يشعر الأبناء بأن آباءهم وأمهاتهم مصدر ثقة وأمان، فيتحدثون معهم عن مشكلاتهم وتساؤلاتهم بدل البحث عن الإجابات في مصادر قد تكون مضللة.
ولا شك أن الرقابة الحكيمة على استخدام التكنولوجيا كالهاتف والإنترنت التي تعتبر من أهم منافذ التأثير على الشباب اليوم، حيث أصبح الهاتف الذكي جزءًا أساسيًا من حياة الشباب، فهو وسيلة للتواصل والتعلم والترفيه.
غير أن سوء استخدامه، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتويات الخليعة وغير اللائقة، جعله من أبرز التحديات التي تواجه الأسر والمجتمعات في تربية الفتيات والمراهقين.
ولذلك يجب توجيه الأبناء إلى الاستخدام النافع، مع متابعة ما يشاهدونه دون تجسس أو قسوة. فمن خلال الهاتف يمكن للمراهق أن يصل بسهولة إلى مواد تخالف القيم الدينية والأخلاقية، مما يؤثر سلبًا على سلوكه وتفكيره ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
كما أن الإدمان على هذه المحتويات قد يؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالواجبات الأسرية والتربوية.
وتزداد خطورة هذا الأمر بالنسبة للفتيات بسبب ما قد يترتب على الاستخدام غير الآمن للهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي من ابتزاز إلكتروني أو استغلال عاطفي أو تشويه للسمعة، ومع الأسف أصبحنا نشاهد ونسمع من حين لآخر عن قضايا مثل التفسخ وعرض كثير من الخصوصيات المحرجة، بل والمتاجرة بها على مجموعات الواتس آب وغيرها وهي مخاطر قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.
وبالتالي لا بد من تعزيز الرقابة الأسرية الواعية، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتوجيه الأبناء إلى الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، مع فتح قنوات الحوار بين الآباء والأبناء، وتفعيل دور المدرسة ووسائل الإعلام في التوعية بمخاطر المحتويات الهدامة.
ثم إن اختيار الصحبة الصالحة له تأثير كبير في تشكيل شخصية المراهق، لذا ينبغي تشجيع الأبناء على مصاحبة أصحاب الأخلاق الحسنة والابتعاد عن رفقاء السوء فهم من أخطر العوامل التي تؤثر سلبًا في تربية الأبناء وتنشئتهم، لأن الصديق كثيرًا ما يكون قدوة لصديقه في السلوك والتصرفات.
فإذا رافق الشاب أو المراهق أصدقاء سيئي الأخلاق، فقد يكتسب منهم عادات وسلوكيات منحرفة كالكذب، والإهمال، والعقوق، والتدخين، وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من الممارسات الضارة.
وتكمن خطورة قرناء السوء في أنهم قد يبعدون الفرد عن القيم الدينية والأخلاقية التي غرستها الأسرة والمدرسة فيه، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي وضعف شخصيته وانحراف سلوكه. وقد حذر الإسلام من رفقة السوء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
لذلك ينبغي للآباء والمربين متابعة الأبناء وتوجيههم إلى اختيار الصحبة الصالحة التي تعينهم على الخير والاجتهاد وحسن الخلق.
مما يجب ويضمن الأمان تعزيز الثقة والحوار داخل الأسرة حتى يلجأ الأبناء إلى والديهم عند مواجهة أي تأثير سلبي من أصدقائهم، وهنا تتعزز الرقابة الأسرية التي يعتبر غيابها خطرا كبيرا، فالأسرة هي المؤسسة الأولى في تربية الأبناء وتوجيههم، وهي الحصن الذي يحميهم من الانحراف ويغرس فيهم القيم والأخلاق الحميدة.
وفي مرحلة المراهقة على وجه الخصوص، يحتاج الأبناء إلى عناية ومتابعة مستمرة بسبب ما يمرون به من تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية.
لذلك فإن غياب الرقابة الأسرية يمثل خطرًا حقيقيًا يهدد المراهقين ويجعلهم أكثر عرضة للمشكلات والانحرافات، وقد يقع المراهق فريسة لرفقاء السوء أو للأفكار الهدامة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما قد ينجرف نحو بعض السلوكيات السلبية مثل الإدمان، أو العنف، أو الإهمال الدراسي، وفقدان الشعور بالمسؤولية، وتراجع الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية، كما يؤدي هذا الغياب إلى اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء.
ومن المفيد جدا ملء أوقات الفراغ بما ينفع من خلال تشجيع الأبناء على القراءة، والرياضة، والأنشطة الثقافية والتطوعية، لأن الفراغ من أبرز أسباب الانحراف.
ولا تخفى على ذي بال أهمية القدوة الحسنة فالأبناء يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، لذلك فإن التزام الوالدين بالقيم والأخلاق الحميدة ينعكس إيجابًا على سلوك أبنائهم، فحماية الأبناء من الفساد الأخلاقي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمجتمع كله.
وكلما اجتمعت التربية الصالحة، والرقابة الواعية، والقدوة الحسنة، ازدادت قدرة أبنائنا على مواجهة التحديات والتمسك بقيمهم وأخلاقهم.
ولا يمكن أن نغفل عن دور الحكومة في حماية المراهقين من السلوك المنحرف؛ فالحكومة تسهم في حماية المراهقين من السلوك المنحرف من خلال سنّ القوانين والتشريعات التي تجرّم مختلف أشكال الانحراف والجريمة، وتحمي القُصّر من الاستغلال والعنف والمخدرات.
كما تعمل على تطوير المنظومة التعليمية وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية داخل المدارس، بما يعزز وعي الشباب ويحصنهم من الأفكار والسلوكيات الضارة.
وتؤدي المؤسسات الحكومية دورًا مهمًا في توفير الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية التي تستثمر أوقات فراغ المراهقين فيما ينفعهم، وتُنمّي مواهبهم وقدراتهم.
كما تدعم برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، وتطلق حملات إعلامية للتوعية بمخاطر المخدرات والعنف والانحراف الأخلاقي.
ومن جهة أخرى، تعمل الأجهزة الأمنية على مكافحة شبكات الجريمة والمخدرات وحماية الأحياء والمؤسسات التعليمية من كل ما يهدد أمن الشباب واستقرارهم، مع تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لتحقيق حماية شاملة للمراهقين، وتباشر إنفاذ القوانين ومن ذلك إتلاف المواد الممنوعة حال ضبطها وهي إجراء بات يشاهد مرار وتكرارا في الأيام والأسابيع الماضية.
وفي الختام فإن الخطر ألأكبر الذي يتهدد فلذات أكبادنا هو خطر المخدرات وحبوب الهلوسة فهي تؤثرتأثيرًا مباشرًا على صحة الشباب والمراهقين، إذ تضعف الجهاز العصبي وتؤدي إلى اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة، مثل القلق والاكتئاب وفقدان التركيز والهلوسة.
كما أنها تسبب الإدمان الذي يجعل المتعاطي أسيرًا لها، غير قادر على الاستغناء عنها مهما كانت العواقب.
ولا تقتصر أضرارها على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد إلى الجانب التعليمي والاجتماعي، حيث تؤدي إلى تراجع المستوى الدراسي، والانقطاع عن التعليم، وضعف الإنتاجية، والانجراف نحو رفاق السوء والسلوكيات المنحرفة.
كما ترتبط في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتفكك الأسري.
وتزداد خطورة هذه الآفة عندما تستهدف فئة المراهقين الذين يمرون بمرحلة عمرية حساسة، فيكونون أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الاجتماعية والدعاية المضللة.
ولذلك تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الأمنية في التوعية بخطورة المخدرات، وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية، ومراقبة الأبناء وتوفير بيئة سليمة تساعدهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم.
أخيرا بات من الضروري فتح مراكز تأهيل بالمفهوم العلمي الحديث قادرة على مواجهة مخلفات هذه الظاهرة وتنقية المراهقين والضحايا عموما حتى تتجلى إمكانية رجوعهم في كنف المجتمع كأشخاص منتجين لا ضحايا منبوذين.
توشيح الرئيس: الدلالة والمعنى/ عثمان جدو
يعتبر وسام الثريا أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في خدمة اللغة الفرنسية وتعزيز التعاون الثقافي والسياسي داخل الفضاء الفرنكوفوني. وقد أُنشئ هذا الوسام سنة 1976.
ويُمنح لرؤساء دول وبرلمانيين ودبلوماسيين ومثقفين تركوا بصمة في دعم الفرنكوفونية وقيم الحوار والتعاون بين الشعوب الناطقة بالفرنسية. ومن بين الشخصيات التي حصلت عليه سابقًا الحبيب بورقيبة، وليوبولد سيدار سنغور، وجاك شيراك، فهذه إذن شخصيات قليلة ومميزة في عالم السياسية الأفريقي والدولي.
وفي بلادنا تداولت عدة مصادر مؤخرًا أن فخام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سيُمنح هذا الوسام خلال حفل رسمي في نواكشوط تقديرًا لدوره في تعزيز حضور موريتانيا داخل الفضاء الفرنكوفوني وهو ما حصل بالفعل مساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.
ومعلوم أن وسام الثريا ليس جائزة مالية أو أدبية، بل هو وسام شرفي فرنكوفوني رفيع المستوى يرمز إلى التقدير والاعتراف بالإسهام في خدمة الفرنكوفونية والتعاون الدولي.
وما حصول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على الوسام المذكور إلا تألق دبلوماسي جديد ينضاف إلى سلسلة النجاحات الدبلوماسية التي كان آخرها زيارة الدولة المثمرة التي كانت فرنسا مسرحا لها.
ولا شك أن هذا التوشيح يحمل عدة دلالات سياسية ودبلوماسية وثقافية، لأن هذا الوسام يُعد من أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في تعزيز التعاون والحوار داخل الفضاء الفرنكوفوني.
ومن دلالاته الجلية:
أولًا: يشكل اعتراف دولي بمكانة موريتانيا؛ حيث يُنظر إلى منح الوسام للرئيس الغزواني باعتباره اعترافًا بالدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه موريتانيا على الساحة الإقليمية والدولية، خاصة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت حضورًا دبلوماسيًا أكثر فاعلية للبلاد.
ثانيًا: تقدير لنهج التهدئة والاستقرار؛ فيربط كثير من المراقبين هذا التكريم بالصورة التي نجح الغزواني في ترسيخها عن موريتانيا باعتبارها دولة مستقرة في منطقة الساحل المضطربة، إضافة إلى تبنيه خطاب الحوار والانفتاح السياسي مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالعكس تماما.
ثالثًا: تعزيز الحضور الموريتاني داخل الفضاء الفرنكوفوني، فالوسام صادر عن مؤسسة فرنكوفونية برلمانية، وهو ما يعكس تقديرًا للدور الذي تؤديه موريتانيا داخل المؤسسات الفرنكوفونية، ولعلاقاتها المتنامية مع الدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا وأوروبا.
رابعًا: نجاح للدبلوماسية الموريتانية؛ إذ أن منح هذا الوسام لا يُقرأ فقط كتقدير لشخص الرئيس، بل أيضًا كإشارة إلى نجاح الدبلوماسية الموريتانية الرسمية والبرلمانية في تحسين صورة البلاد وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية.
خامسًا: رمزية الانضمام إلى قائمة شخصيات دولية بارزة فوسام الثريا سبق أن مُنح لقادة وشخصيات عالمية بارزة كما تقدم مثل الحبيب بورقيبة وليوبولد سيدار سنغور وجاك شيراك، ما يمنح التكريم بعدًا رمزيًا يتجاوز الإطار البروتوكولي العادي.
وفي المجمل، يمكن القول إن دلالة هذا الوسام تتمثل في كونه رسالة تقدير دولية لموريتانيا ولرئيسها، وإشارة إلى المكانة التي باتت البلاد تحظى بها داخل الفضاء الفرنكوفوني والإفريقي، وإشادة بالدور الدبلوماسي والسياسي الذي تؤديه خلال المرحلة الحالية، ومن شأن هذا التميز الدبلوماسي أن ينعكس بالإيجاب المؤثر على ترشيحات موريتانيا للمناصب الدولية مما يعين مرشحينا على الظفر بالمناصب التي تقدموا لها كالمرشحة كم ببا مثلا المرشحة لقيادة منظمة لفرنكوفونية؛ وغيرها من المرشحين سيكون لا محالة هذا الحدث بالنسبة لهم يشكل دفعا حقيقيا نحو الظفر والنجاح.
الجمعة، 22 مايو 2026
العشر الأُول من ذي الحجة أيام الدنيا البهية/ عثمان جدو
العشر الأُوَل من ذي الحجة هي بحقٍّ أيّامُ الدنيا البهيّة، ومواسمُ النفحات الربانية، اختصّها الله تعالى بالفضل العظيم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام، ففيها تتنزّل الرحمات، وتتضاعف الحسنات، وتصفو القلوب بالطاعة والذكر والإنابة، وهي من أعظم أيام السنة، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها على سائر الأيام فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني عشر ذي الحجة الأولى من الشهر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إن أفضل ما يتقرب به الإنسان فيها هو الإكثار من الطاعات والقربات، ومن أهم ذلك:
المحافظة على الصلوات المكتوبات، فأداء الصلوات في وقتها لا يسبقه عمل في الأهمية، وكذا الإكثار من النوافل وقيام الليل، فكل ذلك من أعظم وأجل القربات إلى الله.
ثم إن الصيام في هذه الأيام من الأهمية بمكان خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد قال النبي إنه يكفّر ذنوب سنتين: الماضية والباقية، وتواترت على ذلك الأحاديث الصحيحة وبالتالي يعد فرصة عظيمة تتجلى في صوم يوم واحد يكفر الله به ذنوب سنتين، مع أنه يجب أن ننتبه إلى أن الكبائر لا بد لها من توبة خاصة؛ تكون بالإقلاع عنها، والندم عليها، والنية وهي العزم على ألا يعود إليها، وإن كانت ترتبط بحق لآدمي رده إليه.
فكثير من الناس يجترحون المعاصي ويأكلون المال العام ويتعدون على حقوق العباد ثم يترصدون صيام عرفة؛ دون توبة أو إقلاع عن كبريات المعاصي وفي استمرار على ظلم الناس واحتقارهم، وهذا لعمري رقة في الدين وفقد للبوصلة الإيمانية، فالصلاة المكتوبة أعظم من الصيام، وصيام رمضان أفضل من صيام عرفة، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فدل ذلك على أن المقصود بالتكفير هم الذنوب الصغائر وأما الكبائر فلا بد لها من برنامج خاص.
ثم إن قراءة القرآن والصدقة والإحسان كلها مطلوبة ومرغب فيها في هذه الأيام؛ فهي موسم عظيم لمضاعفة الأجر، والقرآن من أفضل الأعمال ومساعدة الفقراء، وإطعام المحتاجين، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس كل ذلك يجب الإكثار منه واغتنام فرصة هذه الأيام بتعهده والمداومة عليه.
ولئن كانت كل هذه القربات من صلاة وصيام وصدقة وإحسان وقراءة للقرآن هي معترك التنافس لكسب الحسنات ورفعة الدرجات فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإكثار من الذكر في هذه الأيام ودوام التكبير؛ فالإكثار من قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وكذلك التهليل والتسبيح والاستغفار، كلها أمور رغَّب فيها صلى الله عليه وسلم وحث على الإكثار منها، وبين في مواقف أخرى أن الذكر خير الأعمال عند الله وأزكاها وأنه خير من إنفاق الذهب والفضة وخير من لقاء العدو وضرب اعناقهم وبذل النفوس في سبيل الله بملاقاتهم، ولذلك اعتبر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذكر هو أكثر وسائل النجاة من عذاب الله، ومن الملاحظ أن الذكر كله لا يتطلب جهدا عضليا كبيرا، ولا يمكن أن يصعب على الإنسان بفعل التقدم في السن أو المرض ونحوه، كما لا تشغل عنه الشواغل؛ ولذلك أمكن الإكثار منه كل وقت وحين.
وجدير بالتذكير أن هذه الأيام من مواسم إجابة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ومن أجمل ما يفعله المسلم فيها أن يجمع بين العبادة وحسن الخلق، لأن الدين ليس طقوسًا فقط، بل معاملة ورحمة وإصلاح للنفس والمجتمع، وفي هذه الأيام كما تقدم تجتمع أعظم العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، لذلك كانت موسماً فريداً لا يشبهه موسم.
ومن أجمل ما يميزها: يوم عرفة، خير يوم طلعت عليه الشمس، تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار، ويوم النحر، أعظم أيام السنة عند الله، وخير ما يفعل فيه إهراق الدم تقربا إلى الله.
فشعيرة الأضحية تُحيي معاني الطاعة والتضحية والتكافل، ويجب أن تسلم من العيوب التي تمنع الإجزاء وحتى العيوب التي تنقص قيمتها.
إن هذه الأيام بحقٍ أيامٌ تُذكّر المسلم بأن العمر فرص، وأن أبواب الخير تُفتح لعباده ليتزودوا بالتقوى والإيمان، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، وعمّر ساعاته فيها بالذكر والاستغفار والدعاء.
فهي ليست مجرد أيامٍ تمرّ، بل هي مواسمُ نورٍ ورحمة، وأيّامُ الدنيا البهيّة التي تتجدّد فيها الأرواح، وتقترب فيها القلوب من الله تعالى.
الخميس، 14 مايو 2026
ما دلالة تسمية السيدة الأولى سفيرة للنيات الحسنة؟/ عثمان جدو
تتميّز السيدة الأولى مريم بنت الداه عن كثير من سابقاتها بعدّة جوانب جعلت حضورها مختلفًا في المشهد العام، سواء من حيث الأسلوب أو طبيعة الأدوار التي تضطلع بها، فحضورها الهادئ بعيدًا عن الاستعراض؛ حيث تتجنب الظهور الإعلامي المفرط أو الدخول في السجالات السياسيةمنح صورتها طابعًا من الوقار والتحفظ، مقارنة ببعض التجارب السابقة التي كان حضورها أكثر صخبًا أو ارتباطًا بالتجاذبات السياسية.
ثم إن تركيزها على العمل الإنساني والاجتماعي خاصة ما يتعلق بدعم الفئات الهشة، والعمل الخيري، وقضايا المرأة والطفولة والصحة، ساهم في إعطاء صورة اجتماعية لدور السيدة الأولى بدل الصورة البروتوكولية التقليدية التي كانت عالقة في أذهاننا.
ولقد انسجم حضور السيدة الأولى مريم منت الداه مع النهج السياسي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائم على التهدئة والانفتاح، فبدت بعيدة عن الاستقطاب السياسي، ولم تُعرف بدعم تيار سياسي أو قبلي بشكل علني، وهو ما عزز صورتها كشخصية جامعة.
ويرى كثيرون أن اهتمامها بالقيم التربوية والاجتماعية، ودعم المبادرات ذات الطابع الثقافي والتعليمي، منح دورها بعدًا أكثر ارتباطًا ببناء المجتمع، وليس فقط بالمناسبات الرسمية.
ولقد شكَّل ابتعاد السيدة الأولى عن النفوذ السياسي المباشر نقطة بارزة ميزت تجربتها لحد الآن فلم تُتهم بمحاولة التأثير المباشر في التعيينات أو القرار السياسي، وهو أمر كان يُثار أحيانًا حول أدوار بعض السيدات الأول سابقًا في دول المنطقة، بل وحتى في النقاشات المحلية.
ثم إن حضورها الدولي المتزايد جعلها تحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو، وهو ما يعكس سعي موريتانيا إلى تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الاجتماعية والثقافية عبر السيدة الأولى، فتسمية مريم منت الداه سفيرةً للنوايا الحسنة لدى هذه المنظمة يحمل دلالة سياسية وثقافية وإنسانية مهمة، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل أعمق تتعلق بصورة موريتانيا ومكانتها داخل العالم الإسلامي والإفريقي.
أولًا: دلالة الثقة الدولية في موريتانيا: فاختيار شخصية موريتانية لهذا المنصب يعكس مستوى الثقة التي أصبحت بلادنا تحظى بها في المؤسسات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الحضور الدبلوماسي المتزايد للبلاد خلال السنوات الأخيرة، كما يُفهم منه أن موريتانيا باتت تُقدَّم كنموذج للاستقرار والانفتاح والاعتدال في منطقة الساحل.
ثانيًا: الاعتراف بالدور الاجتماعي والإنساني للسيدة الأولى
هذا التعيين أو هذه التسمية تمثل اعترافًا بالأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت باسم السيدة الأولى، خصوصًا في مجالات دعم الفئات الهشة، وتمكين المرأة، والعناية بالأطفال، والعمل الخيري، فمناصب -سفراء النياتالحسنة- تُمنح غالبًا لشخصيات يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التأثير الإيجابي ونشر قيم التضامن والتنمية.
ثالثًا: تعزيز القوة الناعمة لموريتانيا: فمن الناحية السياسية، يساهم هذا التعيين في تقوية *القوة الناعمة* لموريتانيا، أي حضورها عبر الثقافة والتعليم والعمل الإنساني بدل الاقتصار على الأدوات السياسية التقليدية، فالإيسيسكومنظمة ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي، والارتباط بها يمنح موريتانيا واجهة ثقافية وحضارية مهمة.
رابعًا: إبراز مكانة المرأة الموريتانية: يحمل هذا القرار كذلك بعدًا رمزيًا يتعلق بتعزيز صورة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل البلد في المحافل الدولية، وهو ما يُقرأ باعتباره تشجيعًا لحضور النساء في مجالات العمل الدبلوماسي والإنساني والثقافي.
خامسًا: خدمة قضايا التعليم والثقافة والتنمية: وبما أن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة تُعنى بالتربية والثقافة والعلوم، فإن هذا الدور قد يفتح المجال أمام مبادرات وشراكات جديدة تخدم التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، خاصة في القضايا المرتبطة بالطفولة وتمكين الشباب والنساء.
وفي الأخير فإن تقييم أي سيدة أولى مرتبطً تماما بطبيعة المرحلة السياسية، وحجم الصلاحيات غير المعلنة، ومدى تأثيرها الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذلك فإن صورة مريم بنت الداه لدى الرأي العام تشكلت أساسًا من رمزيتها الاجتماعية المتمثلة في محيط أسري عُرفِ بالفضل ومكارم الأخلاق والعز والشرف، وما هدوء حضورها الطاغي إلا ثمرة تليدة لذلك تميزها أكثر من ارتباطها بالفعل السياسي المباشر.
ختاما إن تعيين مريم منت الداه سفيرةً للنيات الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ليس مجرد تكريم شخصي، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية وثقافية متعددة، تعكس تحسن صورة موريتانيا خارجيًا، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الناعمة والعمل الاجتماعي في تعزيز مكانة الدول والشعوب.
PartagerFacebookTwitterWhatsAppEmail
إلى متى التدثر بالشرائحية وما مُبرر تدويلها؟
تابعت كغيري من المهتمين بالشأن الوطني ما تناقلته المواقع الوطنية من مضامين لكلمة مصورة صادرة عن المناضل العمالي الساموري ولد بي، والتي قال فيها ما يمكن تفهمه نسبيا وأكثر ما صدر منه لا يمكن أبدا تبريره ولا استساغته تحت أي ظرف أو في أي سياق.
لقد ذهب هذا الرجل المسن الذي خبر التمثيليات العمالية، والتشابكات الاجتماعية، والتداخلات العائلية وروابطها؛ التي تُولد وُدًا دائما تذوب أمامه جميع الدعوات اللونية التحريضية إلى قول يُنكر عليه، ورضي بأن يصدر عنه أن مجتمعا بعينه كمكون لحراطين يمكن تهميشه بالطريقة الذي ذكر أو استهدافه بما يستميح من فرضيات مخيال تولدت منه فكرة أقرب إلى ما كان يقع في العصور الوسطى، فهذا المكون الذي ذكرت أيها الوالد لا يمكن سحقه ولا التصدق عليه بحقوقة، فله من الوجود والقوة والتأثير ما لا يمكن أبدا أن تنسفه الأنظمة المتعاقبة إن سعت وعملت على ذلك، ولو افترضنا جدلا أن ذلك ممكن الوقوع فلمصلحة من؟ ومعروف أن الأنظمة التي تعاقبت على هذه البلاد لم تكن لها أية مصلحة في استمرار الظلم والتهميش والاحتقار لهذه المكونة الاجتماعية الهامة جدا، وهذا ما وعاه النظام القائم وعمل على تقليص الفجوة الناتجة عن أخطاء الماضي وتراكمات العقود الماضية.
لم تكن كلمة ولد بي هي الوحيدة في هذا الاتجاه، بل لها رديفات حيث ذهب في ذات المنوال ولد بربص شأنهما في ذلك شأن بيرام الذي كان يُغذي هذه النزعة الشرائحية دومًا، ومُخطئ من ظن يوم أن هؤلاء يتحركون فقط لإنصاف المظلومين من أبناء هذا المكون المجيد المسالم النزيه؛ الذي يستحق على هذا النظام وعلى كل من سبقه من الأنظمة وعلى المجتمع بأكمله كل ما يليق بأبناء الشعب البررة المسالمين من الإكرام والتبجيل، فسلمية لحراطين ظلت وستظل مضرب المثل الأول ولن تُفسدها أو تغير من مسارها الراسخ دعوات هؤلاء لأنها ببساطة دعوات إن لم تحمل الفتنة في طياتها فهي تذكي شرارة الانقسام والتنافر ولا تأتي أبدا بإصلاح ولا إنصاف.
يمكن أن نتفق أن الدعوات الشرائحية قد يكون لها ما يبررها، إذا كان هناك إقصاء شامل ظاهر ومتعمد، فذلك من شأنه إشعار فئة ما بالإقصاء والتهميش، لكن ذلك مرآته الأساسية انعدام أو ضآلة الوجود في مجالات التعليم والإدارة والاقتصاد، وليس معنى ذلك ضرورة أن يكون فلان أو علان رئيس حكومة أو رئيس دولة، أو هو خازن المال أو المتحكم في اتجاه الأعمال!!، ومن نافلة القول تمثيل كل الشرائح في بلادنا في كل المناصب القيادية وإن تفاوت ذلك تبعا لإكراهات السياسة وتوازن تبعات النفوذ.
صحيح أن بعض المكونات في بلادنا عانت من الإقصاء والتهميش المطلق في الماضي ولذلك أسباب منها النظرة التمييزية والهاجس العفن المعشعش في مخيال بعض من تولوا تسيير البلاد في فترات محدودة أو من كانوا ظلا لهم، لكن اليوم هناك رواسب وتبعات تزاوجت في كثير من الحالات مع ضعف مستويات التعليم لتفرز أسباب جديدة لإقصاء غير ممنهج ولا هو بالمؤدلج سياسيا وإنما نتاج حتمي لظاهرة لما يقضى على كامل أسبابها، وهذا ما سعى ويسعى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى معالجة آثاره ومنح المواطنين ما أمكن من حقوقهم بصورة تشعرهم بأن حقهم كمواطنين هو ما يخولهم ذلك وليس ألوانهم ولا اعراقهم، وبذلك استفاد خلق كبير من تعميم الضمان الصحي عن طريق السجل الاجتماعي لما يزيد على مئة ألف أسرة؛ سوادها الأعظم كان من هذه المهمشة في الماضي والتي تعيش فترة محاولة العناية والإنصاف وتغيير العقلية تُجاهها وتجاه غيرها من الشرائح التي ينظر إليها مرضى العقول ومشوهي العقائد بما لا يليق شرعا ولا يستمر قانونا ولا يسلم إنسانية.
ثم إن المعالجات التي يضيق حصرها والتي تذيب الفوارق بين المواطنين من شأنها أن تقضي على رواسب التفاوت والظلم والغبن الضارب في القدم؛ لكن ذلك لا يتحقق في ظرف ومني وجير وإنما ببطء تسير البيضة.
وكلنا يدرك أن كل البرامج الاجتماعية التي وجه إليها فخامة الرئيس أو رعاها بنفسه تحمل في طياتها معالجة لهذه الرواسب؛ فحتى توزيع المبالغ المالية مؤخرا على المدرسين بخصوص السكن وإن كانت تلبية لرغبة موظفين فإنها تنصف خلقا كثيرا من هؤلاء المتاجر بهم من أبناء هذا المكون المجيد، وما اعتماد برنامج جسور وكذا التمييز الإيجابي لولوج أبناء المهمشين المسجلين في السجل الاجتماعي إلى مدارس الامتياز برعاية فخامة الرئيس وتوجيهه إلا معالجة راسخة مستديمة لأسباب التأخر في بعض أبناء لحراطين الذي زاد من حدته ضعف التحصيل العلمي لمناطق انتشار الفقر والحاجة.
إن ما نشاهده اليوم من تحويلٍ للانتماء الشرائحي إلى أداة للصراع السياسي أو للتعبئة الاجتماعية يحمل مخاطر كبيرة على تماسك المجتمع الموريتاني فالمبالغة في الخطاب الشرائحي قد تؤدي إلى نشر الكراهية وتعميق الانقسامات وإضعاف روح المواطنة الجامعة.
كما أن تأسيس المطالب على أساس الشرائح بدل الكفاءة والمواطنة قد يُهدد مشروع الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز وهذا ما ننشده وندعو فخامة الرئيس إلى زيادة وتيرته، ولقد قطعت بلادنا أشواطا معتبرة في ذلك، تُعد مكسبا ينبغي أن يصان لا أن يُبدد أو يعود القهقرى.
وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُغذَّى فيها النزعات الفئوية والطائفية تصبح أكثر عرضة للتوترات والصراعات، بينما تنجح الدول التي تجعل المواطنة والعدالة الاجتماعية أساسًا للعلاقة بين أفرادها، لذلك فإن معالجة المظالم الحقيقية لا ينبغي أن تتم عبر تأجيج الانقسامات، بل من خلال إصلاحات وطنية شاملة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع، فموريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع يعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي، لكنه يرفض تحويل هذا التنوع إلى سبب للتفرقة والصراع، فالمطلوب ليس إنكار وجود مشاكل اجتماعية، بل معالجتها ضمن إطار الوحدة الوطنية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين.
ومما لا شك فيه أيضا أن دعوة الساموري ولد بي إلى الحماية الدولية قد تمثل خطرا على البلاد من عدة زوايا:
أولًا: المساس بالسيادة الوطنية من خلال تقديم البلاد للآخرين على أساس أنها غير قادرة على معالجة مشكلاتها الداخلية بنفسها.
ثانيًا: فتح الباب للتدويل الذي يؤدي إلى تدويل الأزمات الوطنية، وهو أمر قد تستغله بعض القوى الأجنبية للضغط السياسي أو الاقتصادي، أو للتأثير في القرار الوطني.
ثالثًا: تهديد السلم الأهلي فالخطابات التي تقوم على الشعور بالمظلومية الجماعية أو التمييز قد تؤدي - إذا لم تُعالج بالحوار - إلى زيادة الاحتقان بين مكونات المجتمع، وفي مجتمع متنوع مثل موريتانيا، فإن أي خطاب تصعيدي قد يُفسَّر على أنه دعوة للاستقطاب العرقي أو الاجتماعي، وهو ما يهدد التماسك الوطني.
رابعًا: إضعاف الثقة في المؤسسات فالدعوة إلى الحماية الدولية تحمل ضمنيًا رسالة مفادها أن القضاء الوطني أو النظام السياسي عاجز عن تحقيق العدالة أو حماية الحقوق، وهذا قد يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، بدل الدفع نحو إصلاحها من الداخل.
ومع أن المدافعين عن مثل هذه الدعوات أو الرافعين لها يُبررون ذلك بأنها تأتي نتيجة الشعور بالتهميش وغياب الإنصاف، وأن اللجوء إلى المجتمع الدولي يَستخدمونه كوسيلة ضغط من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان وتحقيق المساواة.
وبين هذا وذاك يبقى الحفاظ على وحدة موريتانيا واستقرارها مسؤولية جماعية، تقتضي معالجة الأزمات بالحوار الوطني والإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن خطابات التصعيد أو الاستقواء بالخارج، فالدول القوية تُبنى بالتوافق الداخلي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، لا بتدويل الخلافات الداخلية، التي أثبتت الوقائع في كثير من الدول الإفريقية أنها أتت بنتائج عكسية.
الخميس، 30 أبريل 2026
من ميثاق لحراطين إلى ميثاق المواطنة/ عثمان جدو
لا شك أن مسألة العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات الحديثة، وخاصة في الدول التي عانت من تراكمات تاريخية أثّرت على تماسكها الاجتماعي، وفي موريتانيا، برزت عدة مبادرات ووثائق تسعى إلى معالجة هذه الإشكالات، من أبرزها ميثاق لحراطين ثم ميثاق المواطنة المتكافئة، وبين هذين الميثاقين تتضح أوجه اختلاف واتفاق تعكس طبيعة التحديات المطروحة وآفاق الحلول الممكنة.
يُعتبر ميثاق لحراطين وثيقة مطلبية تعبّر عن فئة اجتماعية عانت من التهميش والإقصاء عبر فترات طويلة، حيث يُركّز هذا الميثاق على ضرورة الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرّض لها لحراطين، والعمل على إنصافهم من خلال تمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وضمان حضورهم العادل في مختلف مؤسسات الدولة، كما يدعو إلى محاربة بقايا العبودية وكل أشكال التمييز المرتبطة بها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة.
فميثاق لحراطين برز في موريتانيا كصرخة وعيٍ جماعي ومبادرة نضالية تهدف إلى إنصاف فئة عانت طويلًا من آثار العبودية والتهميش، وسعت إلى استعادة حقوقها المشروعة في الكرامة والمواطنة الكاملة، واتسم الواقع الاجتماعي الذي جاء فيه ميلاد الميثاق بعدم تكافؤ الفرص، حيث ظلت فئة لحراطين تواجه تحديات متعددة، من أبرزها ضعف الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية، واستمرار بعض مظاهر التمييز الذي كانت تعكسه المظاهر الإدارية والتعيينات الأسبوعية، والحظوة في الصفقات العمومية، وبعض الامتيازات الأخرى التي كانت مرآة عاكسة لكل أشكال التمييز المخلة والمعيقة لتقدم ونماء الدولة.
ولقد عبّر هذا الميثاق عن تطلعات هذه الفئة نحو التغيير، من خلال مجموعة من المبادئ والمطالب التي تؤكد على ضرورة القضاء على كل أشكال العبودية ومخلفاتها، وتطبيق القوانين الرادعة بشكل فعلي.
كما دعا الميثاق إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير التعليم الجيد وفرص العمل اللائقة، بما يضمن تمكين أبناء لحراطين من المساهمة الفاعلة في بناء الوطن.
ولم يغفل كذلك عن أهمية التمثيل السياسي، حيث شدد على ضرورة إشراك هذه الفئة في مراكز صنع القرار، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الموريتاني، الذي ينبغي أن يكون تنوعه مصدر قوة لا معول هدم بفعل سياسات التمييز القبيحة التي انتهجتها الأنظمة السابقة.
ومن جهة أخرى، شكّل هذا الميثاق خطوة مهمة في مسار النضال الحقوقي، إذ أسهم في رفع مستوى الوعي الوطني والدولي بقضية لحراطين، ودفع نحو فتح نقاشات جادة حول سبل تحقيق الإنصاف والمساواة، كما ساعد في تعزيز روح التضامن بين مختلف مكونات المجتمع، على أساس أن العدالة لا تتجزأ، وأن تقدم أي مجتمع رهين بإنصاف جميع أبنائه دون استثناء.
ومما لا شك فيه أن هذه المضامين التي تأسس عليها ميثاق لحراطين من أجل رفع التهميش التاريخي عن أحفاد العبيد السابقين والمطالبة بعدالة اجتماعية حقيقية تنصفهم ضد التمييز والإقصاء والحرمان ومحاربة بقايا العبودية والإشراك في التمثيل داخل مؤسسات الدولة؛ كل هذه المطالب وجدت صدى من الاهتمام ومحاولة المعالجة؛ خاصة في السنوات الأخيرة، حيث حاول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذهاب أبعد من التقيد بمعالجة قضايا فئة محدودة إلى محاولة إحداث مصالحة وطنية مع جميع فئات المجتمع تجسد ذلك في خطاباته في مدائن التراث وفي لقاءاته مع المواطنين خلال زياراته التي تتواصل فيها القمة مع القاعدة، كزيارة النعمة وزيارة كيهيدي، وبالتالي قُطعت أشواطا كبيرة في معالجة المشكل الذي كان قائما قبل انبثاق هذا الميثاق المنادي بهذه الحقوق التي تحقق كثير منها بهدوء مما يستدعي إعادة النظر في بقائه على نفس الوتيرة، وفي ذات المنوال، وداخل نفس الدائرة.
وفي المقابل، يأتي ميثاق المواطنة المتكافئة برؤية أوسع وأكثر شمولًا، إذ لا يقتصر على فئة بعينها، بل يُخاطب جميع مكونات المجتمع الموريتاني، ويهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، ونبذ كل أشكال التمييز، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال بناء دولة قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين، فهو يسعى إلى معالجة الاختلالات بشكل عام، دون التركيز على فئة محددة.
والمواطنة المتكافئة يمكن اعتبارها من الركائز الأساسية لبناء دولة عادلة ومستقرة، إذ تقوم على مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز، فميثاق المواطنة المتكافئة يقوم على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها المساواة أمام القانون، ورفض جميع أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي، فالمواطن، بموجب هذا الميثاق، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيره، مثل الحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية.
ومن خلال مضامينه يدعو ميثاق المواطنة إلى تعزيز الوحدة الوطنية باحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، واعتباره مصدر غنى لا سببًا للفرقة، ويؤكد كذلك على أهمية العدالة الاجتماعية، عبر توزيع عادل للثروات والفرص، بما يضمن تقليص الفوارق بين فئات المجتمع.
ومن جهة أخرى، لا يقتصر هذا الميثاق على الحقوق فقط، بل يشدد على الواجبات، مثل احترام القوانين، والمساهمة في تنمية الوطن، والحفاظ على السلم الأهلي، فالمواطنة الحقيقية تقوم على التوازن بين ما يطلبه الفرد من حقوق وما يقدمه لوطنه من واجبات.
وفي السياق العملي، يتطلب تطبيق ميثاق المواطنة إرادة سياسية صادقة؛ وهذه توفرت بوادرها في ظل قيادة الرئيس الحالي السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دعا مرارا وتكرارا إلى تجاوز أخطاء الماضي، واعتبار قيمة المواطن من خلال ما يقدمه لوطنه، ودعم ذلك بإصلاحات قانونية تمثلت في تجريم كل ما يعيد الذاكرة إلى ممارسات التمييز السابقة، وأنشأ محاكم لذات الغرض، ورصدت العقوبات الرادعة لذلك، وسخَّر مؤسسات تضمن المساواة الفعلية، سواء من خلال تمكين المواطن من حقوقه والدفاع عنها، من خلال إصلاح المنظومة القضائية أو من خلال محو الفوارق بالتآزر والرعاية الصحية الشاملة للفئات ذات الأولوية، ومد جسور الامتياز في التعليم إلى أبناء المشمولين في السجل الاجتماعي من ضحايا تاريخ التهميش ليلتحق ابناءهم بأبناء أصحاب الحظوة والتمكين في أرقى تجارب التعليم عندنا، كل ذلك إلى جانب تنشيط دور المجتمع المدني ليكون فعالا في نشر ثقافة المواطنة والتسامح.
ورغم هذا الاختلاف في النطاق، فإن هذين الميثاقين يلتقيان في عدة نقاط جوهرية، أبرزها الدعوة إلى العدالة والإنصاف، ورفض الإقصاء والتهميش، والسعي إلى إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يُظهر أن العلاقة بينها ليست علاقة تعارض، بل هي علاقة تكامل وتدرّج؛ إذ إن تحقيق العدالة لفئة لحراطين كما هو الحال لبقية الفئات الأخرى يُعدّ خطوة ضرورية في سبيل بناء مجتمع تسوده المواطنة المتكافئة، ومن ثمّ، فإن نجاح أي مشروع وطني في موريتانيا يظل رهينًا بقدرته على الجمع بين معالجة القضايا الخاصة وتحقيق المصلحة العامة، في إطار من الوحدة والعدالة والمساواة، وهذا ما وعاه فخامة رئيس الجمهورية وشدد على إنزاله على أرض الواقع من خلال البرامج التي تباشرها حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي وكل مؤسسات الدولة التي يُناط بها هم الوطن والمواطن من قريب أو من بعيد.
لكي ننهض بقطاعنا الخاص ونُعزز سيادتنا الغذائية/ عثمان جدو
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها موريتانيا، يبرز النهوض بالقطاع الخاص كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة، فالقطاع الخاص ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الحديثة، إذ يساهم في خلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتعزيز الابتكار، غير أن النهوض به يتطلب جملة من الإصلاحات والإجراءات التي تهيئ بيئة مناسبة لنموه وازدهاره.
إن أُولى خطوات تطوير القطاع الخاص تتمثل في تحسين بيئة الأعمال، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، والحد من البيروقراطية، وتقليص الوقت والتكاليف لإنشاء الشركات عبر رقمنة الخدمات، وفرض الشفافية في الصفقات العمومية، واستقرار القوانين: فالمستثمر يحتاج وضوحًا وثباتًا في القوانين الضريبية، والاستثمارية بصفة عامة، وكذا تعزيز الشفافية لمحاربة الفساد، وسواء كان المستثمر محليًا أو أجنبيًا، فإنه يحتاج إلى مناخ قانوني مستقر وواضح يضمن حقوقه ويُشجعه على توسيع دائرة نشاطه.
كما يُعدّ التمويل من أبرز التحديات التي تعيق نمو المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مما يستدعي توفير آليات تمويل مُيسّرة؛ كصناديق التمويل والاقتراض الإنتاجي، وتشجيع البنوك على دعم المشاريع الإنتاجية بدل الاقتصار على الأنشطة التجارية، ويمكن كذلك تطوير صيغ تمويل بديلة تتماشى مع خصوصيات مجتمعنا كالتمويل الإسلامي لملاءمته مع واقعنا المحلي.
ولا يقلّ تطوير البنية التحتية أهمية عن غيره، كتوفر الكهرباء بشكل دائم ومستقر وقليل التكلفة، فالكهرباء بالذات في بلادنا مرتفعة التكلفة، ومن أساسيات تطوير البنية التحتية المعينة على الاستثمار؛ تحسين شبكات النقل من موانئ وطرق، وتوسيع خدمات الانترنت وما يتعلق بها من ضرورات الرقمنة، فهذه الأمور كلها عوامل تسهم في تقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الشركات، وتضمن جودة المخرجات.
ومن جهة أخرى، يظهر الاستثمار في العنصر البشري كأساس ثابت لكل نهضة اقتصادية، ولن يتأتى ذلك إلا بإصلاح منظومة التعليم والتكوين المهني لتتلاءم مع متطلبات سوق العمل، وكذا تشجيع روح المبادرة لدى الشباب، وربط المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد بالقطاع الخاص، بالإضافة إلى التركيز على القطاعات الواعدة في البلاد، مثل الزراعة والصيد والمعادن والسياحة، والعمل على تطويرها عبر التصنيع والتحويل بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، مما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة تمتص بطالة الشباب، وتُحرِّك عجلة التنمية.
إن تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في رسم السياسات، من شأنه أن يخلق انسجامًا أكبر ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وخلاصة القول في هذا الباب؛ إن النهوض بالقطاع الخاص في موريتانيا يمثل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولن يتحقق ذلك إلا مع إرادة سياسية قوية، وإصلاحات شاملة تضمن بيئة أعمال مُحفِّزة، وتمويلًا كافيًا، وبنية تحتية متطورة، وموارد بشرية مؤهلة، فمتى ما توفرت هذه الشروط، أصبح القطاع الخاص قادرًا على القيام بدوره الكامل كمحرك رئيسي للنمو والازدهار.
وعلى ذكر القطاعات الواعدة في بلادنا تبرز أهمية الزراعة أكثر من غيرها لامتلاك بلادنا كل المقومات الطبيعية، والإرادة السياسية الداعمة؛ ملدن القيادة الوطنية ممثلة في طموح فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن خلال سعي حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى تنزيل ذلك على أرض الواقع، كل ذلك من أجل إحداث نهضة كبرى في مجال الزراعة، وتحقيق السيادة الغذائية، وإحداث قطيعة تامة مع حالة الاعتماد على منتوج غيرنا من دول الجوار.
ومعلوم أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، جعلت كل دول العالم تسعى جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة، باعتباره ركيزة أساسية للاستقلال والسيادة، وموريتانيا ليست بدعا عن ذلك، بل هي من بين الدول التي خطت مؤخرا خطوات معتبرة في هذا الاتجاه، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية وبرامجها التنموية الطموحة.
فلقد شهد القطاع الزراعي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، نتيجة اعتماد سياسات تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في الزراعة، فعملت الدولة على استصلاح مساحات زراعية واسعة، خاصة في الضفة، ووفرت البذور المحسنة، وعززت استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة عموما، وزراعة الخضروات خصوصا.
كما ساهمت الجهود الحكومية في دعم المزارعين من خلال التمويل والتأطير الفني، إضافة إلى إطلاق مشاريع كبرى تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الأساسية مثل الأرز والخضروات، ولم يعد القطاع الزراعي في بلادنا نشاطًا تقليديًا فحسب، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على الخارج.
ومن جهة أخرى، فإن تحقيق السيادة الغذائية لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضًا تحسين سلاسل التوزيع والتخزين، والحد من الهدر، وتعزيز الصناعات الغذائية المحلية، وفي هذا السياق، بدأت موريتانيا تخطو خطوات مهمة نحو بناء منظومة غذائية متكاملة.
ويمكن القول إن موريتانيا باتت بالفعل قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي، غير أن هذا الهدف يظل رهينًا بمواصلة الإصلاحات، وتعزيز الاستثمار، ومواجهة التحديات المناخية، فبإرادة قوية وتخطيط سليم، يمكن للبلاد أن تحقق سيادتها الغذائية وتؤمّن مستقبلها الاقتصادي بكل ثقة وأمان.
الخميس، 26 مارس 2026
كم من مسيء أودت به إساءته (مقال)
قال الباري جل وعلا: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلَّا بِأَهْلِه) فاطر الآية 43.
فكل مكر سيء، وكل تدبير خبيث، ولا شيء أخبث ولا أنتن من الولوغ في الأعراض؛ استجابة لنداء الأمعاء، وتوفيرا لما يشبع الغرائز البهيمية، كل ذلك يدفع بصاحبه إلى محاولة الإضرار بغيره؛ حتى وإن امتطى جسور الكذب المنسوجة من مخياله الآثم، الكاذب، الأشر، لكن ذلك يرتد سريعا على صاحبه، ثم تُطوق عنقه دائرة السوء، فيلفظ، ويستقبح منه الكلام، وتتضوع من انفاسه نتانة الحقد والكراهية، ثم يعود أدراجه بأقل من خفي حنين، وقد انقلب عليه المجن الذي كان يظنه منبع أمانه؛ فإذا به رافد خِذلانه، وخسرانه.
إن من الحكم الخالدة، المأثورة، تلك المقولة الشهيرة التي خلدتها الأيام (أحْسِن إلى المحسن بإحسانه أما المسيءُفستكفيه إساءته) ما أصدق هذا الكلام، وما أدله على ما صدر في هذه الأيام ممن يتسمون عدوًا؛ بأولاد لبلاد، الذين ظهروا على حقيقتهم في مسلاخ ذئاب غدارة، مخادعة، مناورة على الباطل، ولأجله! تهيم في البلاد، ولا تصدق عليها أبوةٌ منها أو أمومة.
لقد عُرِف فخامة رئيس الجمهورية بنقيض ما ذهب إليه هؤلاء؛ فالكل يكاد يتفق على سمو أخلاقه وهدوءه، وتهدئته؛ التي صارت منها الساحة السياسية مضرب مثل في ذلك، ولقد كان أعداء الرئيس يأخذون عليه أكثر من أي شيء آخر محاولته إرضاء الجميع، أو بمعنى آخر عدم السعي مطلقا في إغضاب أيٍ كان؛ نحن في هذا الكلام بالذات لا نفترض، ولا نُخمن، بل ننقل مآخذ من أطراف تموقعت في زاوية العِداء لفخامة الرئيس، ومع ذلك كانت موجدتهم التي يجدون عليه هذه، وهي بطبيعة الحال محمدة رفق، والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما فُقد من شيء إلا شانه؛ ومِصداق ذلك في الأثر، ويعضده أخر يُفضي إلى بل يقضي أن من وَلِيَأمر من أمور المسلمين فرفق بهم؛ فهو موعود بالرفق من دعوة سيد المرسلين، الصادق المصدوق، الأمين المؤتمن، ونقيضه من كان مُتعجرفا يستمرئ المشقة في أسلوبه على رعيته.
من الملاخظ أن الطيف السياسي والاجتماعي الوطني؛ عبركل منهما، وبشبه إجماع عن إنكاره، لمعاني، ومضامين،ومفردات هذا النعيق؛ الذي اغتر به أصحابه دون غيرهم؛ فدفعوا به جزما منهم بفتكه، فإذا به ينقلب عليهم بالخيبة والخسران.
ولنا أن نتساءل عن الدافع الحقيقي لهؤلاء الذين يعتلجون مع الفضيلة متى ما أطلت برأس شامخ، ثم يُزاحمونها بذنب عفن خبيث!.
ما مصدر تمويلهم؟ ما هو التيار المحرك لهم؟ ماهي استفادتهم من هذه الإساءة، ومعانقة البذاءة؟ لمصلحة من يستخدمون هذه الوقاحة وقذارة اللسان؛ المنبئة بما طُوي عليه ذلك الإنسان؟.
الجمعة، 20 مارس 2026
الجندي الفخر (مقال)
لا شك أن الجندي هو اللبنة الأساسية والشريان الحي والقلب النابض لقوات الأمن والدفاع، يبيت سهران الدجى كي ينام غيره من المواطنين ملء جفونه؛ ثم يؤدي ما أوكل إليه من مهام في خدمة الوطن والذب عن حوزته الترابية بمنتهى المسؤولية بفاعلية وشجاعة واعتزاز بالولاء والانتماء.
إن الاستعداد النفسي للجندي المؤمن بوطنه؛ يجعله يضحي بنفسه في سبيل الدفاع عنه، فهو ينتشي فخرا بالزي العسكري الذي يمثل هيبة الوطن، لكنه يدرك تماما أن القضية لا تُختزل في أثواب وقشب، بل هي دلالة رمزية معنوية تتجاوز طبيعة ولون القماش إلى الشعور العميق بالمسؤولية الكاملة، والاستعداد الدائم، واللا مشروط ليقدم نفسه فداء للوطن، ويبعث بذلك الأمان في نفوس المواطنين.
ومهما كانت الظروف صعبة، ومليئة بالمشاق، ومهما كانت مواطن الخدمة بعيدة عن الأهل والأحباب؛ فإن ذلك يقابله الجندي الفخر المعتز بانتمائه لوطنه بكل ثبات وبعقيدة عسكرية متماسكة، مؤمنة بسمو الوطن على ما سواه، وضرورة حمايته وهي مبادئ ومسلمات لا تلين ولا تنكسر.
أتذكر في سنوات الانتداب للتدريس على الحدود مع دولة مالي في مقاطعة ولد ينج تحديدا أني شاهدت المعاني الحقيقية للجندي الفخر وكان ذلك يظهر جليا عندما تغمر السيول المدينة حينها يتدخل الجيش الوطني لإغاثتهم والحال هذه عندما يندلع حريق في المراعي أو المساكن، وكان أحد أشهر القادة العسكريين الذين عرفوا بذلك في هذه المنطقة العقيد اتويركي رحمه الله تعالى؛ فقد كان هو وعناصره يجسدون قرب العسكري من المدني لحظة حاجته إليه، مما ولد حالة من التقارب والتآلف بعد أن كان بعض المواطنين في تلك المنطقة كما هو حال المناطق النائية لا يعتقدون أصلا أن هناك حبال مودة يمكن أن تمتد بينهم وبين من يلبس زيا عسكريا سميكا ويسير بحذاء خشن.
إن العالم اليوم من حولنا أصبح يعيش تحولات تستدعي من القائمين على شؤون الدفاع والأمن إعادة النظر في طبيعة تكوين وتهيئة العناصر؛ رفعا للجاهزية، ووقوفا على المستجدات العسكرية؛ التي أصبحت فيها الطائرات المسيرة أداة لصنع الفارق، ومن المهم جدا مصاحبة الأبعاد التكافلية والتربوية.
ومما يثلج الصدر أننا أصبحنا نشاهد قراء للقرآن مهرة يلبسون الزي العسكري وينتمون لمؤسساته، ويزيدنا فخرا واعتزازا أن نشاهد وبحضرة فخامة رئيس الجمهورية من يؤم المصلين ويؤديها كما يلزم، ولا شيء أهم من أداء الصلاة على هيئة حسنة، وقراءة القرآن بإتقان.
ومما هو مؤكد أن بلادنا تولي أهمية قصوى للمؤسسة العسكرية، كيانا وأفرادا، وتبذل في سبيل اضطلاعها بأدوارها على أكمل وجه كل ما يلزم، سواء على مستويات توفير العتاد وتحسين الظروف مهنية ومعيشية أو غير ذلك، لكن الزيادة في ذلك ورفع الوتيرة كلها أمور تدفع بالنتائج المرجوة نحو إيجابية أكثر.
الخميس، 19 فبراير 2026
الرسائل الرئاسية (2/2)/ عثمان جدو -مقال
في هذا المقال الذي يمثل الجزء الثاني والأخير تحت هذا العنوان؛ سنتعرض للرسائل الواردة في بقية محطات زيارة فخامة الرئيس لكوركل، وكذا الرسائل الواردة في كلمته بانواكشوط أثناء إطلاقه برنامج عملية رمضان.
لقد أدرك فخامة الرئيس أن أكثر المواطنين في هذه المناطق المزورة مازالوا يعانون التهميش، وصعوبة الحصول على الحد الأدنى من العيش الكريم، مما يُظهر الفوارق المعيشية بشكل مقيت، ويجذر فوارق أخرى مذمومة ذات نزعة اجتماعية تولد البغض والكراهية؛ وهذا ما أكد فخامته على الجد والاجتهاد في محاربته واستئصاله، وتعهد بأن تظل موارد الدولة سيارة لتدعيم السياسات الاجتماعية؛ وبين أن ذلك لا يستقيم دون تطوير جهد الفرد، وإبراز إرادته الجادة من أجل تحقيق غد أفضل، وعلى هذا الأساس فإن كل مواطن مُلزم ببذل ما في وسعه للخروج من واقع الفقر المدقع والاعتماد على غيره، ومهما وفَّرت الدولة من ظروف هي واجبة عليها أصلا من أجل خلق الازدهار الجماعي؛ فإن ذلك مدعاة لإحياء روح المبادرة لا طمسها وانكماشها.
لقدد مرر فخامة الرئيس رسالة مهمة وعميقة الدلالة حينما قال: من هنا أطلقنا أهم مشروع وطني ألا وهو المدرسة الجمهورية؛ من امبود، على مدرج مثلث الألم الذي تحول إلى مثلث الأمل، ومسرح التفاؤل، فبالعلم تتقدم الأوطان، وينسجم الأفراد، وتنصهر الجماعات.
لقد أكد فخامة الرئيس أن تحقيق السيادة الغذائية هو المكمل الحقيقي لمعنى السيادة الوطنية، ومالم يتحقق ذلك وينعم المواطن بما تجود به الأرض في بلاده داخل حدوده؛ ستظل السيادة ناقصة أو مفقودة، وهذا ما أظهرته أزمة كورونا للعالم بأسره، وتضررت منه بلادنا كثيرا، وإدراكا من الدولة لحجم المسؤوليات في هذا الصدد؛ ستظل توفر الدعامة التامة والسند الحقيقي الذي يسهم في معالجة وإزاحة كل معيقات التنمية المحلية، فلا يمكن أن تظل المساحات الشاسعة غير مستغلة؛ بفعل اعتماد الأهالي على الاستغلال التقليدي البدائي الذي يحد من الإنتاجية المثالية، ويعيق جذب الاستثمار الفعال، الذي يضمن إقامة سلاسل إنتاج ذات نتائج مجدية.
ومع هذا كله بذلت الدولة جهودا كبيرة لترقية قطاع الزراعة تحديدا اسفرت عن تغطية 90% من حاجيات البلاد من الأرز، واستغلال 12 هكتار لمحاصيل الخضروات بإنتاج نحو 225 ألف طن، وتوسيع الزراعة المطرية إلى 280 ألف هكتار مع إنتاج 180 ألف طن من المحاصيل التقليدية، وتعمل الدولة حالا على استصلاح مساحات زراعية جديدة لتمكين الجادين من المواطنين من عرى الاستثمار، ويتطلب هذا كما يزف فخامة الرئيس شق قنوات مائية كبرى؛ بدأ الشروع الفعلي في بعض مكونات البرامج المتعلقة بها.
ويؤكد فخامة الرئيس أنه استبق ذلك كله بإلزام الوزراء بإجراء مشاورات موسعة مع السكان بوصفهم المستهدف الأول والمهم عند الدولة، وكذا الفاعلين والخبراء المباشرين للإنجاز؛ لإحداث تحول جذري في نظامنا العقاري والإنتاج لضمان سيادة غذائية متكاملة، وكل هذا يفرض اعتماد مقاربة شمولية جديدة، قائمة على الشراكة، والشفافية لاستغلال الموارد الزراعية وفق أمثل السبل، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص عمل مستدامة، مع الحفاظ على التوازنات الاجتماعية المحمودة، وبناء نموذج عقاري عصري بالحوار والالتزام التشاركي.
وكتب فخامة الرئيس رسالة إنصاف عادلة حينما قال بثبات تام لن ننزع شبرا من أرض أي مواطن، وسنطلق ثورة زراعية لضمان السيادة الغذائية، ولا يمكن أبدا أن تصادر أراض لمواطنين كانوا يستغلونها، واستغلها أجدادهم.
أكد فخامة الرئيس على أهمية الحوار وأن ما يدرك به وبالنقاش لا يدرك بغيرهما، وأعلنها مدوية أن الدولة ستكون بالمرصاد لكل من يستغل الأجواء الإيجابية استغلالا سيئا، وثمَّن الروح الوطنية الإيجابية العالية التي تحلت بها مختلف الأطراف السياسية موالاة ومعارضة.
وشدد الرئيس على أن الحوار ومطارحة الأفكار رغم أهميته لا يعتبر الشروع فيه ضامن وفاق ومصدر إجماع، ومع ذلك يبقى مهما لصياغة السياسات العمومية الناجعة، مما يعزز الرؤية الواضحة لفخامته في إرساء جو التهدئة، والحوار البناء، والتوافق الإيجابي، ومما لا شك فيه أن بلادنا لها القدرة التامة على اللحاق بركب البلدان النامية، رغم التحديات، ولذلك اعتمدت الدولة رؤية قائمة على التحول الاقتصادي والاجتماعي.
يوكد الرئيس أن زيارة كوركل والحوض الشرقي أظهرتا اتساع نطاق البرامج التنموية المنجزة وتلك التي مازالت قيد التنفيذ وعن مدى الاستجابة لحاجات المواطنين؛ وأكدتا أن الوضعية الاقتصادية جيدة، ومعدلات النمو في منحنى تصاعدي، وتراجعت مؤشرات العجز والتضخم بالتوازي مع تقدمنا الواضح في بناء بنية تحتية داعمة للنمو.
ويُسجل حصول نتائج ملموسة في القطاع الزراعي، موازاة مع المضي قدما نحو إرساء تحولات استراتيجية عميقة في قطاعات المعادن، والصناعة، والتنمية الحيوانية بما يعزز من تنويع اقتصادنا الوطني، ويدعم الاستقرار الاقتصادي المستدام، وسنتمكن بإذن الله تعالى في فترة وجيرة من توفير خدمات الصحة، والمياه، والتعليم في جميع مناطق الوطن، مع تركيز خاص على المناطق الأكثر احتياجا لضمان تحقيق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية المنصفة، ويمكن القول أن ما أُنجز من البنى التحتية التعليمية والصحية خلال عهدنا يقارب ما تم إنجازه منذ الاستقلال وحتى اليوم، ونحن على يقين تام على أن القادم سيكون أشمل وأفضل بإذن الله تعالى.
ونؤكد في الأخير أن كل ما ينفذ من برامج الصحة والتعليم والتشغيل يهدف بالمقام الأول إلى تمكين الشباب بكافة فئاتهم، وكما قلنا سابقا هذه المأمورية مأمورية الشباب وبالشباب ونؤكد على ذلك.
ينضاف إلى ما سبق تلك الرسائل المختصرة في شكلها، العميقة، والثرية في مضمونها؛ والتي بعث بها فخامة رئيس الجمهورية خلال إشرافه على إطلاق عملية رمصان في انواكشوط، إذ تؤكد هذه الرسائل أن المواطن الضعيف البسيط الذي لا بواكي له هو المستهدف الأول؛ وعليه يجب أن يُمكن من الموجه إليه مجانا، ويستفيد مما هو رمزي الأسعار، وأن لا يزاحمه على ذلك كبار التجار ولا صغارهم ولا ينتزعه من أمامه أغنياء المجتمع، ولا وكلاؤهم أو أتباعهم.
الثلاثاء، 17 فبراير 2026
إنصافا لمعالي وزيرة التربية/ عثمان جدو -مقال
من الإنصاف أن يكون الإنسان عادلا مع نفسه؛ فلا يجني عليها بتجنيه على غيره، ادعاء وافتراء، فالقول الذي يفتقر إلى دليل ملموس هو مجرد تحامل مبعثه الأساسي نفعي، ومنطلقه الاستفزاز؛ تكسبا لإسكات نداء الأمعاء، ولو برواسب القذارة، لأن صاحبه ببساطة شديدة يهين نفسه دون أن يدري، ويرمي بها جهلا أو عمدا في وحل الاحتقار، وطبعا ستكون براقش هي التي جنت على نفسها.
إن التعدي على اعراض الناس والقدح فيهم؛ استماحة لأعطياتهم الخفية أو استدرارا لمنح خصومهم، ولو كانت قذى قدح؛ لا يهوي إليه من علت همته أبدا.
لقد حصل وأن طالعت على فضاء الفيس بوك المليء بالغوغائيين، والأفاكين، والابتزازيين النفعيين تحاملا كبيرا على معالي وزيرة التربية، وقبلها معالي وزير العدل، وغيرهم، وبفعل معرفتي وانشغالي بحقل التربية كان هذا التحامل الظالم ملفتا لي، ولم استطع غض الطرف عنه، ولا تصاون السمع عن صداه الذي يتضوع عفونة ونتانة.
لقد أقدم الآخذ من عرض الوزيرة قبل أخذه من أدائها زورا وبهتانا؛ على اجترار ميوله؛ فاتهمها بعدم الكفاءة مبدئيا!، وهي التي أظهرت كفاءة عالية منذ إدارتها للمعهد التربوي الوطني، وهنا عرفناها، وبعد ذلك عرفها الحقل التربوي، وهذا هو دافع شهادتنا ومنطلقها الأساسي، لقد نجحت الوزيرة في رفع ميزانية المعهد التربوي كثيرا من خلال مضاعفة مخصصات صندوق النشر المدرسي، وأطلقت منصة كتبي كبديل أكثر جدوائية عن الأكشاك الرقمية؛ وتعد منصة كتبي الآن مكسبا تربويا هاما، يمكن الأهالي من الولوج الآمن إلى الكتب والدعامات التربوية، تصفحا وتنزيلا، أو سحبا على الورق وهم في منازلهم في أي وقت، ومع هذا كانت فترة إدارتها للمعهد التربوي قصيرة جدا؛ قرابة سبعة أشهر فقط.
أما بخصوص تسييرها لقطاع التربية والذي اتهمها فيه هذا المدون المغترب زورا وبهتانا بضعف الأداء، وفوضوية التسيير، والفساد الإداري والمالي، وغير ذلك، فكل هذه العناوين تبقى مجرد ادعاء على خواء، مالم يستظهر صاحبها بدليل ناصع وحجة ملموسة.
ودفعا لهذه التهم الجزافية نطرح الأسئلة والاستفسارات التالية؛ والتي نريد من هذا الشخص الذي تحامل كما عُهد على معالي الوزيرة أن يفندها بالوقائع والإثباتات المدعمة بالأرقام أو البراهين الساطعة إن استطاع إيجادها؛
1- في أي زمن جُرِّد كبار المسؤولين على خلفية صفقة فاسدة أو لم تستوف المنصوص عليه؟ (ولكم أن تستعينوا في الجواب بصفقة الطاولات التي تعرفونها جيدا)
2- متى اختفت ظاهرة إرسال المدرسين (envoyer) التي كانت رائجة ومعلومة الأسعار والخطوات، وكانت تنتعش طيلة السنة الدراسية؟.
3- متى أصبحت تحويلات المدرسين مرهونة بالمسار القانوني المحدد وفي الزمن المخصص لها تحديدا؛ بحيث أصبحت معيارية لا تعترض عليها نقابة مُمارسة ولا مدرس معزول؟.
4- في أي عهد أصبح مديرو الثانويات والإعداديات والأساتذة عموما يتقدمون لإدارات شاغرة مُعلن عنها، ثم يتنافسون وفق المعايير الواضحة التي لا تقبل التلاعب، وتكون النتائج محل إرضاء جامع؟.
5- ألم يصبح كل المدرسين يخشون الغياب، ويلزمون أماكن عملهم؛ لمعرفتهم التامة بصرامة وحياد الإجراء؟.
6- ألم نُعايش فترات كان فيها مدرسون فوق القانون؛ إذا حضروا لا يدرسون كما هو مطلوب، وإذا غابوا لا يعاقبون كما هو مُسطر؛ بفعل قوة النفوذ، ووفرة الحماية، كل ذلك أصبح جزءا من الماضي؛ بفعل صرامة هذه الوزيرة تحديدا ودون مجاملة.
7- في أي فترة حصل المدرسون على مبالغ مالية كبيرة تعويضا لهم عن السكن والذي كان مطلبا ملحا لا يحلم أكثرهم بأن يكون أكثر من قطعة أرضية في منطقة نائية؟.
8- في أي سنة رأت البطاقة المهنية النور؛ وهي التي كانت مطلبا نقابيا مُدرجا بأهمية، وما هو التوقيع الرسمي المثبت عليها والذي يمنحها قوة الاعتبار؟.
9- متى تضاعفت العلاوات التحفيزية خاصة الطبشور؛ حتى صار الميدان مغريا لكثيرين رجعوا إليه وحملوا الطبشور، ومنهم من نعرفه باسمه وكامل وسمه في المعهد التربوي مثلا وفي غيره من المؤسسات التي كان الكل يبذل ما بوسعه كي يلتحق بها؟.
10- ألم تتقلص الطلبات النقابية حتى بات البعض لا يتذكر مما كان مُلحا منها غير تفعيل نظام الأسلاك كمطلب بارز، مع بعض المطالب الخفيفة التي يمكن تسويتها في الأفق المنظور.
إن المتتبع المنصف للمنظومة التربوية حتما سيقر لمعالي الوزيرة بجودة الأداء وفعالية التسيير ويطلب لها مزيدا من الثبات على ذات المسار والتوفيق في قادم الأيام.
أخيرا أتذكر من باب الإنصاف أن الفيس بوك وغيره من الوسائط التي صارت مأوى للغوغائيين والابتزازيين؛ أنها أيضا لم تعدم المدونين الإيجابيين الذين أناروا الدرب، وساعدوا الضعيف والملهوف، ومنهم من وقف بالمرصاد للكذب والتلفيق وإفساد الأجيال، وأُذكر من يُنصِّب نفسه محامٍ عن الحق أن لا يلبس ثوب الشيطان فينبذ كل من يخالفه، فالحجة تقابل بالحجة، والبرهان لا يرده إلا البرهان، ومن تسلح بذلك لن يضيق ذرعا بتعليق عابر على تلفيق دائم، أما الحظر لكل مخالف فهو دليل ضعف لا برهان قوة، ولا هو بمتلازمة سيادة.
الرسائل الرئاسية (1/2) عثمان جدو - مقال
في مستهل خطابه من عروس النهر كيهيدي؛ خلال زيارته المشهودة لولاية كوركول بعث فخامة رئيس الجمهورية برسائل رئاسية قيِّمة تتسم بالدقة والمكاشفة وبحمل صبغة المراسيم مما يعزز من أهميتها ولزوم تطبيقها وتنفيذها، وأول هذه الرسائل اعتزاز فخامة الرئيس بتاريخ كوركول العريق، وإشعاعها الخالد، وهي لعمري جرعة إنصاف تفتح شهية الذاكرة الجمعية نحو الاعتزاز بالانتماء الوطني الجامع.
ولقد دعَّم فخامة الرئيس هذا الإنصاف بتحسره على عدم إتقانه لأي من لغاتنا الوطنية؛ والتي كان يرجو أن يكون خطابه هذا موجه بإحداها على الأقل، وطبعا كان سيكون لذلك وقعه الخاص، ونشوته المميزة، وهذه النتيجة بالذات هي التي دفعت بفخامته إلى اعتماد مقاربة تصحيحية داخل جسم المنظومة التربوية والإدارية؛ تجسدت في إدخال تدريس لغاتنا الوطنية على مستوى المسار الدراسي القاعدي، وكذا على مستوى مدارس التكوين وهيئات التأطير.
ولقد أكد فخامته أن زيارته لولاية كوركول هي الأكثر وما ذلك بالحدث الاعتباطي، بل هو مصالحة معلنة بين القمة والقاعدة ورسالة احتضان لكل أبناء ومناطق الوطن، تعزيزا للحمة الاجتماعية، وقطيعة مع أساليب الإقصاء والتهميش التي كانت سمة ماضية.
من هذه الولاية الجميلة بتنوع سكانها، وجود طبيعتها، وخصوبة أرضها أطلق فخامة رئيس الجمهورية أهم مشروع تعهد به للمواطنين ألا وهو مشروع الإصلاح الكبير المتمثل في المدرسة الجمهورية؛ تلك المدرسة الجامعة التي تؤوي كل أبناء الوطن الواحد في مشهد جامع دون تمييز، على نفس الطاولة، وبذات الزي يتلقون نفس البرنامج؛ مما يزيد الانسجام والتآلف منذ نعومة الأظافر، وطبعا ستكون النتائج؛ لحمة وطنية قوية، ومخرجات متصالحة مع الذات والوطن، ومن هذه الولاية أطلق فخامة رئيس الجمهورية نداء جول الذي يعزز اللحمة الوطنية بين الكبار والراشدين، ويحارب النزعات العنصرية والدعوات القبلية، خاصة في أثوابها غير التكافلية.
في مهرجان كيهيدي؛ ومن خلال حشده المشهود، ظهرت موريتانيا بتنوعها في صورة مصغرة جامعة؛ تجسد مشهد الوطن الواحد، وهذا ما يبعث على العمل من أجل تماسك الشعب الواحد، وتوثيق عرى تضامنه، ولن يتأتى ذلك دون بناء وطن جامع يوفر العيش الكريم لكل أبنائه، ويسلك بهم مسلك النمو والازدهار، في ظل ديمقراطية شاملة، وعدالة منصفة، مفتاحها الوحيد هو المواطنة، وضامنها المعلن؛ الحرية والمساواة.
إن من الرسائل المهمة التي أكد عليها فخامة رئيس الجمهورية؛ أنه لم يأت بدوافع ولدتها أزمات، أو أخرى قذفت بها استحقاقات، وإنما أتي بدافع الاتصال المباشر، والإصغاء عن قرب لآراء وتطلعات المواطنين، ومما يعزز صدقية هذا المنحى أن بلادنا تنعم ولله الحمد بالأمن والاستقرار، مما يستوجب صيانة هذه النعمة الكبيرة، والمحافظة عليها بيقظة المواطن الغيور على مصلحة بلاده المستعد دوما للذب عنها، وإقامة مصالحها بالعمل الجاد والبناء؛ في ظل وجود مؤسسات فعالة تضمن ذلك، وتعمل بأمان وانتظام.
ولقد تضمنت هذه الرسائل الرئاسية اعترافا ظاهرا أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان، والحصن المنيع في وجه كل التحديات، وهي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي العتبة الصلبة والمدرج الفعال لتحقيق التنمية والازدهار؛ فالجوامع الوطنية أقوى وأثرى وأعمق من روافد الخلاف الذي غالبا ما يكون في طبيعة الرأي لا في حقيقة الهدف، وهذا ما يجعل أنشودة الوحدة والاستقرار هي ترنيمة الجميع؛ قمة وقاعدة، ويُرفع شعار تأشيرة نوال الحقوق عن طريق المواطنة الصادقة فقط، بعيدا عن المحاصصة بالألوان أو الألقاب الطينية الضيقة.
من خلال مكاشفة فخامة الرئيس للمواطنين في مدينة كيهيدي أبان عن عمل الدولة على تعزيز التضامن والعدل والإخاء، ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وإصلاح العدالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مفهوم المدرسة الجمهورية وتطوير الخدمات الأساسية، وكذا التنمية الإنتاجية، وترقية القطاع الخاص، وتدعيم البنية التحتية؛ مما مكن البلاد من تحقيق نمو اقتصادي مهم جدا تراوح بين 4,5 إلى 6% خلال السنوات الست الماضية.
إن الدولة الموريتانية لم ولن تتنكر للدور الريادي الذي لعبته ولاية كوركول في نهضة البلاد الاقتصادية، وعلى هذا الأساس عملت على تعزيز هذا الدور من خلال بناء السدود واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، وتوفير الماء، والكهرباء والتعليم والصحة.
ولقد ذكَّر فخامة الرئيس الحاضرين ومن بعدهم الأمة أنه اعتمد نهج التشاور مع الجميع، وأجرى لقاءات مع مختلف الأطراف، وأطلق مسارا تحضيريا يوشك على الاكتمال من أجل عقد حوار شامل لبناء إجماع وطني حول القضايا الكبرى، والجوامع الوطنية؛
ونوه فخامته إلى أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة من ذي قبل لتحمل المسؤوليات بكل شجاعة تجاه التاريخ، والتحلي بالإرادة والعزيمة من أجل بناء مستقبل مشترك، مُشرِّف ومزدهر، ولن يكون ذلك دون تجاوز العقليات البائدة وبناء المستقبل على أسس المساواة والتكافؤ على جميع الصعد، وفي هذا الصدد لم يدخر فخامة الرئيس الجهد المطلوب؛ تعزيزا لرباط المواطنة، وتقوية للحمة الوطنية، من خلال تغيير العقليات أولا، ومحاربة الأحكام المسبقة والصور النمطية ثانيا، وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بعد ذلك، وكسر حواجز الطبقية تتويجا لكل ذلك.
ومما لا شك فيه أن باب الإنجاز فُتح على مستويات عدة، تعزيزا للجهد التراكمي للأجيال، ولكون التاريخ الوطني مليء بالصفحات المشرقة، وبأخرى نقيض ذلك؛ فإنه من المحتم أن تظهر قوة الشعوب بوصفها المنقذ القادر على تجاوز اللحظات العصيبة، والفيصل الضامن للاستمرار على درب البناء والتقدم، لكن بوصلة ذلك كله في الاعتراف بالتاريخ دون خجل وفك أسر اللحظات المؤلمة؛ كي لا تبقى عقبة كأداء في وجه التقدم والنماء.
ومن الرسائل المسجلة في زيارة كوركول دعوة الرئيس أبناء الوطن في المهجر إلى المساهمة في بناء البلاد وإشادته بدورهم في تمثيل الوطن، فيما اعتُبِر رسالة طمأنة وتقدير، مع التحذير من الانزلاق الذي قد يقع فيه البعض فيمتهن خطاب التفرقة والكراهية، مما يؤزم ويفرق ولا يجمع، ولم يُفوِّت الرئيس دعوة المواطنين إلى الإقبال على مراكز الحالة المدنية لتسوية وضعياتهم، والحصول على أوراقهم التي تعد جزءا ثابتا من حقوقهم.
لقد بين فخامة الرئيس أن الدولة وفرت فرصا كبيرة جدا في مجال التكوين المهني لمن لم يتمكنوا من مواصلة المشوار الدراسي النظامي الطبيعي، أو آثروا حبا وكرامة الانخراط المبكر في مجال التكوين المهني، فرفعت لهم الطاقة الاستيعابية من 4 آلاف إلى 20 ألفا مع وعد رئاسي بصبغة مرسوم أنها ستصل 23 مع نهاية العام الحالي بإذن الله تعالى.
ملاحظة: في هذا المقال الذي شكل الجزء الأول من هذه المعالجة تحت هذا العنوان اقتصرنا على الرسائل الواردة من مقاطعة كيهيدي (الخطاب الرسمي ولقاء الأطر فقط) ولنا عودة بإذن الله تعالى مع بقية الرسائل الواردة في لقاءات بقية المقاطعات، والتي يجب على المواطن والحكومة على حد السواء التعامل معها على أساس أنها مراسيم ملزمة التطبيق؛ فأوامر الرئيس وتوجيهاته الرسمية تكتسي تلك الصبغة القانونية، وهذا ما يجب على الجميع وعيه واستيعابه، والعمل بمقتضاه.
السبت، 10 يناير 2026
المكتسبات الاجتماعية قيمة يجب أن تصان (مقال)
لإن كان العمل الاجتماعي بشكل عام تُناط به العناية بالمحتاجين داخل المجتمع؛ سواء كان احتياجهم متولداأصلا عما يُصنفون به لاحقا أصحاب هِمم أو هو مُستجد وناتج عن احتياج عرضي مادي يمكن زواله بالمتابعة والمساعدة عن طريق برامج التكافل الاجتماعي؛ فإن بلادنا قطعت في هذا المضمار أشواطا كبيرة حريٌ بنا أن نصونها ونؤسس عليها فنبني لها معنىً يدعم الاستمرارية وتحقيق الغايات المنشودة، ويمكن القول بكل بساطة أن التلكؤ في ذلك أو إقلاب ظهر المجن له ينسف كل ما تحقق من نسمات اجتماعية إيجابية تحتاج التقوية والتدعيم والاستمرارية.
لقد تميزت المأمورية الأولى لفخامة رئيس الجمهورية السيدمحمد ولد الشيخ الغزواني وما تبعها حتى الآن من المأمورية الثانية؛ خاصة في المجال الاجتماعي بمحطات هامة جدا يمكن التوقف عندها قليلا وسريعا للاستئناس على الأقل، ومن ذلك تأمين مائة ألف أسرة متعففة تنحدر في مجملها من أوساط هشة تجعلها هذه البرامج الاجتماعية جماعة ذات أولوية، وهي سابقة وطنية؛ إذ لم يكن مؤمنا قبل ذلك إلامن حظي بالانضمام للوظيفة العمومية وخضع للاقتطاع القبلي من راتبه وكان تأمينه يُبقِي نسبة يجب عليه تعويضها، أما المائة ألف أسرة المذكورة وما أضيف لها عن طريق السجل الاجتماعي فتأمينهم تام مائة بالمائة؛ ودون دفع أوقية واحدة كإسهام متأخر عكس المؤمنين من الموظفين،وطبعا تحصيل حاصل القول بأن كل هذه الأسر المؤمنة تضم مجموعة من الأفراد المحتاجين جدا لهذه الخدمات الصحية وما يوازيها من أعطيات مالية؛ وإن لم تكن تزاحم القيمة الصحية لهذه التغطية المجانية.
ولا يقل عما تقدم أهمية ما حصل ويحصل بخصوص التكفل بمرضى التصفية؛ مع بعض المآخذ الإجرائية التي تظهر من حين لآخر سواء عند تعطل جهاز ما أو التباطؤ في خدمة معينة، لكن المتابعة من خلال المصالح الموجودة في كبريات المستشفيات الوطنية والتي تتبع مباشرة لقطاع الشؤون الاجتماعية لن تُعدم فائدتها، بل الأكيد أنها تقف سندا وعونا لهذا الصنف من المرضى المحتاجين ومن على شاكلتهم من المعوزين، دون أن ننسى إسهامات الخيرين من منظمات ونشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي؛ منهم من أصبح إسهامهم مشهود بل محل إشادة كبرى من الجميع، وبغض عن خلفياتهم السياسية وأديلوجياتهم الفكرية وغير ذلك فإنهم أفادوا المرضى سريعا دون أن يكون لهم ريع من ذلك،بل منهم من يربط المريض مباشرة بالمتبرعين عن طريق رقم المعني في صورة ترسم لوحة من النزاهة وخدمة الوطن؛ فالوطن يسع الجميع، ولهؤلاء نقدم أعز تحية ونقول لهم سيروا على ذات الدرب بارك الله جهودكم ونفعكم بها دنيا وأخرى.
ومن المواضيع الاجتماعية التي يُحبَّبُ التوقف عندها تلك الخدمات المقدمة لأطفال التوحد عن طريق مركز رائد جدا في المجال ساهم كثيرا في الحد من آثار وتبعات ومضاعفات هذه الظاهرة، ونظرا لأهمية هذه الخدمات ينبغي أن تتسع حتى تشمل فئات لا يمكن أن تصل إلى ذلك بمجهودها الذاتي المتواضع دون رعاية وتغطية وتحمل للأعباء الكلية من الدولة وهي تستطيع.
وبخصوص صندوق التأمين الصحي الذي كان وما زال يضطلع بدور اجتماعي محوري لما يوفره من ضمان صحي استفاد منه الموظفون والمشمولون في برنامج تآزر بشكل لافت؛ لكن خطبا مُستجدا أطل برأسه مع إطلالة هذا العام الجديد قد يُعقد طبيعة ما تعوده هؤلاء على نقيض قول المتنبي: لكل امرئ من دهره ما تعودا.. فتغيير طبيعة الرعاية الصحية من قبلية لا تحتاج معها دفع القسط الأكبر الذي يتحمله الصندوق إلى رعاية بعدية بتعويض متأخر عن العلاج أو اقتناء الدواء فيه إجحاف كبير بطيف بشري عريض لا يقوى سواده الأعظم على شراء علبة دواء أو سداد مستحقات الفحوص في لحظة الحاجة إليها، وهنا نُنبه إلى ذلك لأجل إعادة النظر وترك الحال على حاله فذاك الأصل المبارك إن لم يجد منغص؛ فالاستمرار على الرأفة أولى من تكبد مستجد المشقة.
وكل ما قيل بخصوص صندوق التأمين الصحي (كنام) يجر ذيله على أخيه الأصغر صندوق التضامن الصحي (كناس)؛ إنْ على مستوى الإشادة به وبتدخلاتها والمجال الذي سيسد منه ثغرات عجز المواطنين أو حتى على مستوى المآخذ من أجل تحسين الجودة والانتشار والرأفة والتخفيف على المواطنين.
وقبل أن نختم هذه السطور بملاحظة حول موضوع المحروقات المثار أخيرا نتوقف قليلا مع صندوق سكن المدرسين فهو مكسب اجتماعي هو الآخر وتجب صيانته ككل المكاسب التي قدم ذكرها؛ وهنا نُشيد إشادة عالية رفيعة بتضمين المتوفين -رحمهم الله- إلى جانب المتقاعدين للاستفادة من التعويض المرصود عن السكن، وهي قرارات في منتهى الأهمية لكن النقص لا يخلو منه عمل بشري مهما تراءى للناظر متكاملا؛ فصندوق سكن المدرسين يجب أن يشمل كل المدرسين خاصة من ينشطون تحت ظل وزارة التربية من خلال إداراتها المركزية أو أذرعها الجهوية وفروعها الإدارية، ومن الحيف وقد نسميه حيفا بريئا أن يحصل تفاوت كالحاصل بين القيمة المقدمة للميدانيين على حساب من تمت ترقيتهم لتسيير الملفات الكبرى والحساسة للمنظومة التربوية، ما معنى أن نُعيِّن شخصا مديرا مركزيا أو مستشارا نتلمس منه تقديم الأفكار ورعاية المشاريع الكبرى للتربية أو متابعة الملفات الحساسة التي يتحرك بموجبها جمع كبير من المدرسين في الميدان ثم نجعل له تخصيصا للسكن بنصف قيمة الآخرين؟. إذا كان التقدم الوظيفي بهذا المنطق منقصة فلم يسند إلى من حازوا كفاءة جيدة بعد خدمة ميدانية طويلة؛ فالترقية بطبيعتها لا يجب أن ترتبط ببعض النوادر التي تشوه التقييم؛ فالنادر لا يقضى به، والأصل أن الترقية تزكيةٌ لجهدٍ مشهود وعملٍ محمود.
علينا أن نراجع المعايير، ونتجرد في رغباتنا في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا الذاتية فقط، فالعموم أنفع من التخصيص، والزمن حكم شاهد، والأيام تسير بناومستجداتها تدفعنا إلى أن نتشارك الحقوق كما الواجبات مع غيرنا.
وختاما مع ملاحظة وجيزة بخصوص ما أثير عن المحروقات؛ولأن حديثنا هذا بدأناه أصلا عن عموميات ومكاسب اجتماعية وبها أيضا نختم، فيجب ألا يختفي ذلك الدعم الحكومي الذي كان له انعكاس اجتماعي إيجابي بطريقة ما وفي ظرف ما، فترك المواطن البسيط؛ أعني الموظف العمومي ومنهم دونه تحت رحمة سعة جيبه! إن ارتفعت أسعار الوقود بعد انخفاض قد يفضي به إلى سقوط لا يستطيع منه النهوض، فعلينا أن نرحمه بحسن تدبير يضمن له عدم المواجهة بعد الارتفاع؛ ويمكنه من الاستفادة من الوقود إبان الانخفاض سواء حصل ذلك في الصيف أو الشتاء أو زمن الرخاء والانتجاع.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


















