الأحد، 7 يونيو 2026
من أجل أن نحمي فلذات أكبادنا من الفساد الأخلاقي الذي بات يتهددهم/ عثمان جدو
الحفاظ على الأبناء من الانحرافات الأخلاقية يُعتبر أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر في عصر الانفتاح الإعلامي والتقني.
فمع انتشار المحتويات غير المناسبة وسهولة الوصول إليها، أصبحت مسؤولية التربية أكثر تعقيدًا، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الحكمة والمتابعة والتوجيه السليم، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية فالتربية على مراقبة الله تعالى، وتعويد الأبناء على الصدق والأمانة والعفة واحترام الآخرين، كل ذلك يشكل حصنًا داخليًا يحميهم من الوقوع في السلوكيات المنحرفة، مع تعزيز الحوار داخل الأسرة حتى يشعر الأبناء بأن آباءهم وأمهاتهم مصدر ثقة وأمان، فيتحدثون معهم عن مشكلاتهم وتساؤلاتهم بدل البحث عن الإجابات في مصادر قد تكون مضللة.
ولا شك أن الرقابة الحكيمة على استخدام التكنولوجيا كالهاتف والإنترنت التي تعتبر من أهم منافذ التأثير على الشباب اليوم، حيث أصبح الهاتف الذكي جزءًا أساسيًا من حياة الشباب، فهو وسيلة للتواصل والتعلم والترفيه.
غير أن سوء استخدامه، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتويات الخليعة وغير اللائقة، جعله من أبرز التحديات التي تواجه الأسر والمجتمعات في تربية الفتيات والمراهقين.
ولذلك يجب توجيه الأبناء إلى الاستخدام النافع، مع متابعة ما يشاهدونه دون تجسس أو قسوة. فمن خلال الهاتف يمكن للمراهق أن يصل بسهولة إلى مواد تخالف القيم الدينية والأخلاقية، مما يؤثر سلبًا على سلوكه وتفكيره ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
كما أن الإدمان على هذه المحتويات قد يؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالواجبات الأسرية والتربوية.
وتزداد خطورة هذا الأمر بالنسبة للفتيات بسبب ما قد يترتب على الاستخدام غير الآمن للهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي من ابتزاز إلكتروني أو استغلال عاطفي أو تشويه للسمعة، ومع الأسف أصبحنا نشاهد ونسمع من حين لآخر عن قضايا مثل التفسخ وعرض كثير من الخصوصيات المحرجة، بل والمتاجرة بها على مجموعات الواتس آب وغيرها وهي مخاطر قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.
وبالتالي لا بد من تعزيز الرقابة الأسرية الواعية، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتوجيه الأبناء إلى الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، مع فتح قنوات الحوار بين الآباء والأبناء، وتفعيل دور المدرسة ووسائل الإعلام في التوعية بمخاطر المحتويات الهدامة.
ثم إن اختيار الصحبة الصالحة له تأثير كبير في تشكيل شخصية المراهق، لذا ينبغي تشجيع الأبناء على مصاحبة أصحاب الأخلاق الحسنة والابتعاد عن رفقاء السوء فهم من أخطر العوامل التي تؤثر سلبًا في تربية الأبناء وتنشئتهم، لأن الصديق كثيرًا ما يكون قدوة لصديقه في السلوك والتصرفات.
فإذا رافق الشاب أو المراهق أصدقاء سيئي الأخلاق، فقد يكتسب منهم عادات وسلوكيات منحرفة كالكذب، والإهمال، والعقوق، والتدخين، وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من الممارسات الضارة.
وتكمن خطورة قرناء السوء في أنهم قد يبعدون الفرد عن القيم الدينية والأخلاقية التي غرستها الأسرة والمدرسة فيه، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي وضعف شخصيته وانحراف سلوكه. وقد حذر الإسلام من رفقة السوء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
لذلك ينبغي للآباء والمربين متابعة الأبناء وتوجيههم إلى اختيار الصحبة الصالحة التي تعينهم على الخير والاجتهاد وحسن الخلق.
مما يجب ويضمن الأمان تعزيز الثقة والحوار داخل الأسرة حتى يلجأ الأبناء إلى والديهم عند مواجهة أي تأثير سلبي من أصدقائهم، وهنا تتعزز الرقابة الأسرية التي يعتبر غيابها خطرا كبيرا، فالأسرة هي المؤسسة الأولى في تربية الأبناء وتوجيههم، وهي الحصن الذي يحميهم من الانحراف ويغرس فيهم القيم والأخلاق الحميدة.
وفي مرحلة المراهقة على وجه الخصوص، يحتاج الأبناء إلى عناية ومتابعة مستمرة بسبب ما يمرون به من تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية.
لذلك فإن غياب الرقابة الأسرية يمثل خطرًا حقيقيًا يهدد المراهقين ويجعلهم أكثر عرضة للمشكلات والانحرافات، وقد يقع المراهق فريسة لرفقاء السوء أو للأفكار الهدامة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما قد ينجرف نحو بعض السلوكيات السلبية مثل الإدمان، أو العنف، أو الإهمال الدراسي، وفقدان الشعور بالمسؤولية، وتراجع الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية، كما يؤدي هذا الغياب إلى اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء.
ومن المفيد جدا ملء أوقات الفراغ بما ينفع من خلال تشجيع الأبناء على القراءة، والرياضة، والأنشطة الثقافية والتطوعية، لأن الفراغ من أبرز أسباب الانحراف.
ولا تخفى على ذي بال أهمية القدوة الحسنة فالأبناء يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، لذلك فإن التزام الوالدين بالقيم والأخلاق الحميدة ينعكس إيجابًا على سلوك أبنائهم، فحماية الأبناء من الفساد الأخلاقي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمجتمع كله.
وكلما اجتمعت التربية الصالحة، والرقابة الواعية، والقدوة الحسنة، ازدادت قدرة أبنائنا على مواجهة التحديات والتمسك بقيمهم وأخلاقهم.
ولا يمكن أن نغفل عن دور الحكومة في حماية المراهقين من السلوك المنحرف؛ فالحكومة تسهم في حماية المراهقين من السلوك المنحرف من خلال سنّ القوانين والتشريعات التي تجرّم مختلف أشكال الانحراف والجريمة، وتحمي القُصّر من الاستغلال والعنف والمخدرات.
كما تعمل على تطوير المنظومة التعليمية وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية داخل المدارس، بما يعزز وعي الشباب ويحصنهم من الأفكار والسلوكيات الضارة.
وتؤدي المؤسسات الحكومية دورًا مهمًا في توفير الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية التي تستثمر أوقات فراغ المراهقين فيما ينفعهم، وتُنمّي مواهبهم وقدراتهم.
كما تدعم برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، وتطلق حملات إعلامية للتوعية بمخاطر المخدرات والعنف والانحراف الأخلاقي.
ومن جهة أخرى، تعمل الأجهزة الأمنية على مكافحة شبكات الجريمة والمخدرات وحماية الأحياء والمؤسسات التعليمية من كل ما يهدد أمن الشباب واستقرارهم، مع تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لتحقيق حماية شاملة للمراهقين، وتباشر إنفاذ القوانين ومن ذلك إتلاف المواد الممنوعة حال ضبطها وهي إجراء بات يشاهد مرار وتكرارا في الأيام والأسابيع الماضية.
وفي الختام فإن الخطر ألأكبر الذي يتهدد فلذات أكبادنا هو خطر المخدرات وحبوب الهلوسة فهي تؤثرتأثيرًا مباشرًا على صحة الشباب والمراهقين، إذ تضعف الجهاز العصبي وتؤدي إلى اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة، مثل القلق والاكتئاب وفقدان التركيز والهلوسة.
كما أنها تسبب الإدمان الذي يجعل المتعاطي أسيرًا لها، غير قادر على الاستغناء عنها مهما كانت العواقب.
ولا تقتصر أضرارها على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد إلى الجانب التعليمي والاجتماعي، حيث تؤدي إلى تراجع المستوى الدراسي، والانقطاع عن التعليم، وضعف الإنتاجية، والانجراف نحو رفاق السوء والسلوكيات المنحرفة.
كما ترتبط في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتفكك الأسري.
وتزداد خطورة هذه الآفة عندما تستهدف فئة المراهقين الذين يمرون بمرحلة عمرية حساسة، فيكونون أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الاجتماعية والدعاية المضللة.
ولذلك تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الأمنية في التوعية بخطورة المخدرات، وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية، ومراقبة الأبناء وتوفير بيئة سليمة تساعدهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم.
أخيرا بات من الضروري فتح مراكز تأهيل بالمفهوم العلمي الحديث قادرة على مواجهة مخلفات هذه الظاهرة وتنقية المراهقين والضحايا عموما حتى تتجلى إمكانية رجوعهم في كنف المجتمع كأشخاص منتجين لا ضحايا منبوذين.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق