الخميس، 19 فبراير 2026

الرسائل الرئاسية (2/2)/ عثمان جدو -مقال

في هذا المقال الذي يمثل الجزء الثاني والأخير تحت هذا العنوان؛ سنتعرض للرسائل الواردة في بقية محطات زيارة فخامة الرئيس لكوركل، وكذا الرسائل الواردة في كلمته بانواكشوط أثناء إطلاقه برنامج عملية رمضان. لقد أدرك فخامة الرئيس أن أكثر المواطنين في هذه المناطق المزورة مازالوا يعانون التهميش، وصعوبة الحصول على الحد الأدنى من العيش الكريم، مما يُظهر الفوارق المعيشية بشكل مقيت، ويجذر فوارق أخرى مذمومة ذات نزعة اجتماعية تولد البغض والكراهية؛ وهذا ما أكد فخامته على الجد والاجتهاد في محاربته واستئصاله، وتعهد بأن تظل موارد الدولة سيارة لتدعيم السياسات الاجتماعية؛ وبين أن ذلك لا يستقيم دون تطوير جهد الفرد، وإبراز إرادته الجادة من أجل تحقيق غد أفضل، وعلى هذا الأساس فإن كل مواطن مُلزم ببذل ما في وسعه للخروج من واقع الفقر المدقع والاعتماد على غيره، ومهما وفَّرت الدولة من ظروف هي واجبة عليها أصلا من أجل خلق الازدهار الجماعي؛ فإن ذلك مدعاة لإحياء روح المبادرة لا طمسها وانكماشها. لقدد مرر فخامة الرئيس رسالة مهمة وعميقة الدلالة حينما قال: من هنا أطلقنا أهم مشروع وطني ألا وهو المدرسة الجمهورية؛ من امبود، على مدرج مثلث الألم الذي تحول إلى مثلث الأمل، ومسرح التفاؤل، فبالعلم تتقدم الأوطان، وينسجم الأفراد، وتنصهر الجماعات. لقد أكد فخامة الرئيس أن تحقيق السيادة الغذائية هو المكمل الحقيقي لمعنى السيادة الوطنية، ومالم يتحقق ذلك وينعم المواطن بما تجود به الأرض في بلاده داخل حدوده؛ ستظل السيادة ناقصة أو مفقودة، وهذا ما أظهرته أزمة كورونا للعالم بأسره، وتضررت منه بلادنا كثيرا، وإدراكا من الدولة لحجم المسؤوليات في هذا الصدد؛ ستظل توفر الدعامة التامة والسند الحقيقي الذي يسهم في معالجة وإزاحة كل معيقات التنمية المحلية، فلا يمكن أن تظل المساحات الشاسعة غير مستغلة؛ بفعل اعتماد الأهالي على الاستغلال التقليدي البدائي الذي يحد من الإنتاجية المثالية، ويعيق جذب الاستثمار الفعال، الذي يضمن إقامة سلاسل إنتاج ذات نتائج مجدية. ومع هذا كله بذلت الدولة جهودا كبيرة لترقية قطاع الزراعة تحديدا اسفرت عن تغطية 90% من حاجيات البلاد من الأرز، واستغلال 12 هكتار لمحاصيل الخضروات بإنتاج نحو 225 ألف طن، وتوسيع الزراعة المطرية إلى 280 ألف هكتار مع إنتاج 180 ألف طن من المحاصيل التقليدية، وتعمل الدولة حالا على استصلاح مساحات زراعية جديدة لتمكين الجادين من المواطنين من عرى الاستثمار، ويتطلب هذا كما يزف فخامة الرئيس شق قنوات مائية كبرى؛ بدأ الشروع الفعلي في بعض مكونات البرامج المتعلقة بها. ويؤكد فخامة الرئيس أنه استبق ذلك كله بإلزام الوزراء بإجراء مشاورات موسعة مع السكان بوصفهم المستهدف الأول والمهم عند الدولة، وكذا الفاعلين والخبراء المباشرين للإنجاز؛ لإحداث تحول جذري في نظامنا العقاري والإنتاج لضمان سيادة غذائية متكاملة، وكل هذا يفرض اعتماد مقاربة شمولية جديدة، قائمة على الشراكة، والشفافية لاستغلال الموارد الزراعية وفق أمثل السبل، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص عمل مستدامة، مع الحفاظ على التوازنات الاجتماعية المحمودة، وبناء نموذج عقاري عصري بالحوار والالتزام التشاركي. وكتب فخامة الرئيس رسالة إنصاف عادلة حينما قال بثبات تام لن ننزع شبرا من أرض أي مواطن، وسنطلق ثورة زراعية لضمان السيادة الغذائية، ولا يمكن أبدا أن تصادر أراض لمواطنين كانوا يستغلونها، واستغلها أجدادهم. أكد فخامة الرئيس على أهمية الحوار وأن ما يدرك به وبالنقاش لا يدرك بغيرهما، وأعلنها مدوية أن الدولة ستكون بالمرصاد لكل من يستغل الأجواء الإيجابية استغلالا سيئا، وثمَّن الروح الوطنية الإيجابية العالية التي تحلت بها مختلف الأطراف السياسية موالاة ومعارضة. وشدد الرئيس على أن الحوار ومطارحة الأفكار رغم أهميته لا يعتبر الشروع فيه ضامن وفاق ومصدر إجماع، ومع ذلك يبقى مهما لصياغة السياسات العمومية الناجعة، مما يعزز الرؤية الواضحة لفخامته في إرساء جو التهدئة، والحوار البناء، والتوافق الإيجابي، ومما لا شك فيه أن بلادنا لها القدرة التامة على اللحاق بركب البلدان النامية، رغم التحديات، ولذلك اعتمدت الدولة رؤية قائمة على التحول الاقتصادي والاجتماعي. يوكد الرئيس أن زيارة كوركل والحوض الشرقي أظهرتا اتساع نطاق البرامج التنموية المنجزة وتلك التي مازالت قيد التنفيذ وعن مدى الاستجابة لحاجات المواطنين؛ وأكدتا أن الوضعية الاقتصادية جيدة، ومعدلات النمو في منحنى تصاعدي، وتراجعت مؤشرات العجز والتضخم بالتوازي مع تقدمنا الواضح في بناء بنية تحتية داعمة للنمو. ويُسجل حصول نتائج ملموسة في القطاع الزراعي، موازاة مع المضي قدما نحو إرساء تحولات استراتيجية عميقة في قطاعات المعادن، والصناعة، والتنمية الحيوانية بما يعزز من تنويع اقتصادنا الوطني، ويدعم الاستقرار الاقتصادي المستدام، وسنتمكن بإذن الله تعالى في فترة وجيرة من توفير خدمات الصحة، والمياه، والتعليم في جميع مناطق الوطن، مع تركيز خاص على المناطق الأكثر احتياجا لضمان تحقيق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية المنصفة، ويمكن القول أن ما أُنجز من البنى التحتية التعليمية والصحية خلال عهدنا يقارب ما تم إنجازه منذ الاستقلال وحتى اليوم، ونحن على يقين تام على أن القادم سيكون أشمل وأفضل بإذن الله تعالى. ونؤكد في الأخير أن كل ما ينفذ من برامج الصحة والتعليم والتشغيل يهدف بالمقام الأول إلى تمكين الشباب بكافة فئاتهم، وكما قلنا سابقا هذه المأمورية مأمورية الشباب وبالشباب ونؤكد على ذلك. ينضاف إلى ما سبق تلك الرسائل المختصرة في شكلها، العميقة، والثرية في مضمونها؛ والتي بعث بها فخامة رئيس الجمهورية خلال إشرافه على إطلاق عملية رمصان في انواكشوط، إذ تؤكد هذه الرسائل أن المواطن الضعيف البسيط الذي لا بواكي له هو المستهدف الأول؛ وعليه يجب أن يُمكن من الموجه إليه مجانا، ويستفيد مما هو رمزي الأسعار، وأن لا يزاحمه على ذلك كبار التجار ولا صغارهم ولا ينتزعه من أمامه أغنياء المجتمع، ولا وكلاؤهم أو أتباعهم.

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

الإنصاف من شيم الأشراف/ عثمان جدو -مقال

من الإنصاف أن يكون الإنسان عادلا مع نفسه؛ فلا يجني عليها بتجنيه على غيره، ادعاء وافتراء، فالقول الذي يفتقر إلى دليل ملموس هو مجرد تحامل مبعثه الأساسي نفعي، ومنطلقه الاستفزاز؛ تكسبا لإسكات نداء الأمعاء، ولو برواسب القذارة، لأن صاحبه ببساطة شديدة يهين نفسه دون أن يدري، ويرمي بها جهلا أو عمدا في وحل الاحتقار، وطبعا ستكون براقش هي التي جنت على نفسها. إن التعدي على اعراض الناس والقدح فيهم؛ استماحة لأعطياتهم الخفية أو استدرارا لمنح خصومهم، ولو كانت قذى قدح؛ لا يهوي إليه من علت همته أبدا. لقد حصل وأن طالعت على فضاء الفيس بوك المليء بالغوغائيين، والأفاكين، والابتزازيين النفعيين تحاملا كبيرا على معالي وزيرة التربية، وقبلها معالي وزير العدل، وغيرهم، وبفعل معرفتي وانشغالي بحقل التربية كان هذا التحامل الظالم ملفتا لي، ولم استطع غض الطرف عنه، ولا تصاون السمع عن صداه الذي يتضوع عفونة ونتانة. لقد أقدم الآخذ من عرض الوزيرة قبل أخذه من أدائها زورا وبهتانا؛ على اجترار ميوله؛ فاتهمها بعدم الكفاءة مبدئيا!، وهي التي أظهرت كفاءة عالية منذ إدارتها للمعهد التربوي الوطني، وهنا عرفناها، وبعد ذلك عرفها الحقل التربوي، وهذا هو دافع شهادتنا ومنطلقها الأساسي، لقد نجحت الوزيرة في رفع ميزانية المعهد التربوي كثيرا من خلال مضاعفة مخصصات صندوق النشر المدرسي، وأطلقت منصة كتبي كبديل أكثر جدوائية عن الأكشاك الرقمية؛ وتعد منصة كتبي الآن مكسبا تربويا هاما، يمكن الأهالي من الولوج الآمن إلى الكتب والدعامات التربوية، تصفحا وتنزيلا، أو سحبا على الورق وهم في منازلهم في أي وقت، ومع هذا كانت فترة إدارتها للمعهد التربوي قصيرة جدا؛ قرابة سبعة أشهر فقط. أما بخصوص تسييرها لقطاع التربية والذي اتهمها فيه هذا المدون المغترب زورا وبهتانا بضعف الأداء، وفوضوية التسيير، والفساد الإداري والمالي، وغير ذلك، فكل هذه العناوين تبقى مجرد ادعاء على خواء، مالم يستظهر صاحبها بدليل ناصع وحجة ملموسة. ودفعا لهذه التهم الجزافية نطرح الأسئلة والاستفسارات التالية؛ والتي نريد من هذا الشخص الذي تحامل كما عُهد على معالي الوزيرة أن يفندها بالوقائع والإثباتات المدعمة بالأرقام أو البراهين الساطعة إن استطاع إيجادها؛ 1- في أي زمن جُرِّد كبار المسؤولين على خلفية صفقة فاسدة أو لم تستوف المنصوص عليه؟ (ولكم أن تستعينوا في الجواب بصفقة الطاولات التي تعرفونها جيدا) 2- متى اختفت ظاهرة إرسال المدرسين (envoyer) التي كانت رائجة ومعلومة الأسعار والخطوات، وكانت تنتعش طيلة السنة الدراسية؟. 3- متى أصبحت تحويلات المدرسين مرهونة بالمسار القانوني المحدد وفي الزمن المخصص لها تحديدا؛ بحيث أصبحت معيارية لا تعترض عليها نقابة مُمارسة ولا مدرس معزول؟. 4- في أي عهد أصبح مديرو الثانويات والإعداديات والأساتذة عموما يتقدمون لإدارات شاغرة مُعلن عنها، ثم يتنافسون وفق المعايير الواضحة التي لا تقبل التلاعب، وتكون النتائج محل إرضاء جامع؟. 5- ألم يصبح كل المدرسين يخشون الغياب، ويلزمون أماكن عملهم؛ لمعرفتهم التامة بصرامة وحياد الإجراء؟. 6- ألم نُعايش فترات كان فيها مدرسون فوق القانون؛ إذا حضروا لا يدرسون كما هو مطلوب، وإذا غابوا لا يعاقبون كما هو مُسطر؛ بفعل قوة النفوذ، ووفرة الحماية، كل ذلك أصبح جزءا من الماضي؛ بفعل صرامة هذه الوزيرة تحديدا ودون مجاملة. 7- في أي فترة حصل المدرسون على مبالغ مالية كبيرة تعويضا لهم عن السكن والذي كان مطلبا ملحا لا يحلم أكثرهم بأن يكون أكثر من قطعة أرضية في منطقة نائية؟. 8- في أي سنة رأت البطاقة المهنية النور؛ وهي التي كانت مطلبا نقابيا مُدرجا بأهمية، وما هو التوقيع الرسمي المثبت عليها والذي يمنحها قوة الاعتبار؟. 9- متى تضاعفت العلاوات التحفيزية خاصة الطبشور؛ حتى صار الميدان مغريا لكثيرين رجعوا إليه وحملوا الطبشور، ومنهم من نعرفه باسمه وكامل وسمه في المعهد التربوي مثلا وفي غيره من المؤسسات التي كان الكل يبذل ما بوسعه كي يلتحق بها؟. 10- ألم تتقلص الطلبات النقابية حتى بات البعض لا يتذكر مما كان مُلحا منها غير تفعيل نظام الأسلاك كمطلب بارز، مع بعض المطالب الخفيفة التي يمكن تسويتها في الأفق المنظور. إن المتتبع المنصف للمنظومة التربوية حتما سيقر لمعالي الوزيرة بجودة الأداء وفعالية التسيير ويطلب لها مزيدا من الثبات على ذات المسار والتوفيق في قادم الأيام. أخيرا أتذكر من باب الإنصاف أن الفيس بوك وغيره من الوسائط التي صارت مأوى للغوغائيين والابتزازيين؛ أنها أيضا لم تعدم المدونين الإيجابيين الذين أناروا الدرب، وساعدوا الضعيف والملهوف، ومنهم من وقف بالمرصاد للكذب والتلفيق وإفساد الأجيال، وأُذكر من يُنصِّب نفسه محامٍ عن الحق أن لا يلبس ثوب الشيطان فينبذ كل من يخالفه، فالحجة تقابل بالحجة، والبرهان لا يرده إلا البرهان، ومن تسلح بذلك لن يضيق ذرعا بتعليق عابر على تلفيق دائم، أما الحظر لكل مخالف فهو دليل ضعف لا برهان قوة، ولا هو بمتلازمة سيادة.

الرسائل الرئاسية (1/2) عثمان جدو - مقال

في مستهل خطابه من عروس النهر كيهيدي؛ خلال زيارته المشهودة لولاية كوركول بعث فخامة رئيس الجمهورية برسائل رئاسية قيِّمة تتسم بالدقة والمكاشفة وبحمل صبغة المراسيم مما يعزز من أهميتها ولزوم تطبيقها وتنفيذها، وأول هذه الرسائل اعتزاز فخامة الرئيس بتاريخ كوركول العريق، وإشعاعها الخالد، وهي لعمري جرعة إنصاف تفتح شهية الذاكرة الجمعية نحو الاعتزاز بالانتماء الوطني الجامع. ولقد دعَّم فخامة الرئيس هذا الإنصاف بتحسره على عدم إتقانه لأي من لغاتنا الوطنية؛ والتي كان يرجو أن يكون خطابه هذا موجه بإحداها على الأقل، وطبعا كان سيكون لذلك وقعه الخاص، ونشوته المميزة، وهذه النتيجة بالذات هي التي دفعت بفخامته إلى اعتماد مقاربة تصحيحية داخل جسم المنظومة التربوية والإدارية؛ تجسدت في إدخال تدريس لغاتنا الوطنية على مستوى المسار الدراسي القاعدي، وكذا على مستوى مدارس التكوين وهيئات التأطير. ولقد أكد فخامته أن زيارته لولاية كوركول هي الأكثر وما ذلك بالحدث الاعتباطي، بل هو مصالحة معلنة بين القمة والقاعدة ورسالة احتضان لكل أبناء ومناطق الوطن، تعزيزا للحمة الاجتماعية، وقطيعة مع أساليب الإقصاء والتهميش التي كانت سمة ماضية. من هذه الولاية الجميلة بتنوع سكانها، وجود طبيعتها، وخصوبة أرضها أطلق فخامة رئيس الجمهورية أهم مشروع تعهد به للمواطنين ألا وهو مشروع الإصلاح الكبير المتمثل في المدرسة الجمهورية؛ تلك المدرسة الجامعة التي تؤوي كل أبناء الوطن الواحد في مشهد جامع دون تمييز، على نفس الطاولة، وبذات الزي يتلقون نفس البرنامج؛ مما يزيد الانسجام والتآلف منذ نعومة الأظافر، وطبعا ستكون النتائج؛ لحمة وطنية قوية، ومخرجات متصالحة مع الذات والوطن، ومن هذه الولاية أطلق فخامة رئيس الجمهورية نداء جول الذي يعزز اللحمة الوطنية بين الكبار والراشدين، ويحارب النزعات العنصرية والدعوات القبلية، خاصة في أثوابها غير التكافلية. في مهرجان كيهيدي؛ ومن خلال حشده المشهود، ظهرت موريتانيا بتنوعها في صورة مصغرة جامعة؛ تجسد مشهد الوطن الواحد، وهذا ما يبعث على العمل من أجل تماسك الشعب الواحد، وتوثيق عرى تضامنه، ولن يتأتى ذلك دون بناء وطن جامع يوفر العيش الكريم لكل أبنائه، ويسلك بهم مسلك النمو والازدهار، في ظل ديمقراطية شاملة، وعدالة منصفة، مفتاحها الوحيد هو المواطنة، وضامنها المعلن؛ الحرية والمساواة. إن من الرسائل المهمة التي أكد عليها فخامة رئيس الجمهورية؛ أنه لم يأت بدوافع ولدتها أزمات، أو أخرى قذفت بها استحقاقات، وإنما أتي بدافع الاتصال المباشر، والإصغاء عن قرب لآراء وتطلعات المواطنين، ومما يعزز صدقية هذا المنحى أن بلادنا تنعم ولله الحمد بالأمن والاستقرار، مما يستوجب صيانة هذه النعمة الكبيرة، والمحافظة عليها بيقظة المواطن الغيور على مصلحة بلاده المستعد دوما للذب عنها، وإقامة مصالحها بالعمل الجاد والبناء؛ في ظل وجود مؤسسات فعالة تضمن ذلك، وتعمل بأمان وانتظام. ولقد تضمنت هذه الرسائل الرئاسية اعترافا ظاهرا أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان، والحصن المنيع في وجه كل التحديات، وهي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي العتبة الصلبة والمدرج الفعال لتحقيق التنمية والازدهار؛ فالجوامع الوطنية أقوى وأثرى وأعمق من روافد الخلاف الذي غالبا ما يكون في طبيعة الرأي لا في حقيقة الهدف، وهذا ما يجعل أنشودة الوحدة والاستقرار هي ترنيمة الجميع؛ قمة وقاعدة، ويُرفع شعار تأشيرة نوال الحقوق عن طريق المواطنة الصادقة فقط، بعيدا عن المحاصصة بالألوان أو الألقاب الطينية الضيقة. من خلال مكاشفة فخامة الرئيس للمواطنين في مدينة كيهيدي أبان عن عمل الدولة على تعزيز التضامن والعدل والإخاء، ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وإصلاح العدالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مفهوم المدرسة الجمهورية وتطوير الخدمات الأساسية، وكذا التنمية الإنتاجية، وترقية القطاع الخاص، وتدعيم البنية التحتية؛ مما مكن البلاد من تحقيق نمو اقتصادي مهم جدا تراوح بين 4,5 إلى 6% خلال السنوات الست الماضية. إن الدولة الموريتانية لم ولن تتنكر للدور الريادي الذي لعبته ولاية كوركول في نهضة البلاد الاقتصادية، وعلى هذا الأساس عملت على تعزيز هذا الدور من خلال بناء السدود واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، وتوفير الماء، والكهرباء والتعليم والصحة. ولقد ذكَّر فخامة الرئيس الحاضرين ومن بعدهم الأمة أنه اعتمد نهج التشاور مع الجميع، وأجرى لقاءات مع مختلف الأطراف، وأطلق مسارا تحضيريا يوشك على الاكتمال من أجل عقد حوار شامل لبناء إجماع وطني حول القضايا الكبرى، والجوامع الوطنية؛ ونوه فخامته إلى أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة من ذي قبل لتحمل المسؤوليات بكل شجاعة تجاه التاريخ، والتحلي بالإرادة والعزيمة من أجل بناء مستقبل مشترك، مُشرِّف ومزدهر، ولن يكون ذلك دون تجاوز العقليات البائدة وبناء المستقبل على أسس المساواة والتكافؤ على جميع الصعد، وفي هذا الصدد لم يدخر فخامة الرئيس الجهد المطلوب؛ تعزيزا لرباط المواطنة، وتقوية للحمة الوطنية، من خلال تغيير العقليات أولا، ومحاربة الأحكام المسبقة والصور النمطية ثانيا، وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بعد ذلك، وكسر حواجز الطبقية تتويجا لكل ذلك. ومما لا شك فيه أن باب الإنجاز فُتح على مستويات عدة، تعزيزا للجهد التراكمي للأجيال، ولكون التاريخ الوطني مليء بالصفحات المشرقة، وبأخرى نقيض ذلك؛ فإنه من المحتم أن تظهر قوة الشعوب بوصفها المنقذ القادر على تجاوز اللحظات العصيبة، والفيصل الضامن للاستمرار على درب البناء والتقدم، لكن بوصلة ذلك كله في الاعتراف بالتاريخ دون خجل وفك أسر اللحظات المؤلمة؛ كي لا تبقى عقبة كأداء في وجه التقدم والنماء. ومن الرسائل المسجلة في زيارة كوركول دعوة الرئيس أبناء الوطن في المهجر إلى المساهمة في بناء البلاد وإشادته بدورهم في تمثيل الوطن، فيما اعتُبِر رسالة طمأنة وتقدير، مع التحذير من الانزلاق الذي قد يقع فيه البعض فيمتهن خطاب التفرقة والكراهية، مما يؤزم ويفرق ولا يجمع، ولم يُفوِّت الرئيس دعوة المواطنين إلى الإقبال على مراكز الحالة المدنية لتسوية وضعياتهم، والحصول على أوراقهم التي تعد جزءا ثابتا من حقوقهم. لقد بين فخامة الرئيس أن الدولة وفرت فرصا كبيرة جدا في مجال التكوين المهني لمن لم يتمكنوا من مواصلة المشوار الدراسي النظامي الطبيعي، أو آثروا حبا وكرامة الانخراط المبكر في مجال التكوين المهني، فرفعت لهم الطاقة الاستيعابية من 4 آلاف إلى 20 ألفا مع وعد رئاسي بصبغة مرسوم أنها ستصل 23 مع نهاية العام الحالي بإذن الله تعالى. ملاحظة: في هذا المقال الذي شكل الجزء الأول من هذه المعالجة تحت هذا العنوان اقتصرنا على الرسائل الواردة من مقاطعة كيهيدي (الخطاب الرسمي ولقاء الأطر فقط) ولنا عودة بإذن الله تعالى مع بقية الرسائل الواردة في لقاءات بقية المقاطعات، والتي يجب على المواطن والحكومة على حد السواء التعامل معها على أساس أنها مراسيم ملزمة التطبيق؛ فأوامر الرئيس وتوجيهاته الرسمية تكتسي تلك الصبغة القانونية، وهذا ما يجب على الجميع وعيه واستيعابه، والعمل بمقتضاه.

السبت، 10 يناير 2026

المكتسبات الاجتماعية قيمة يجب أن تصان (مقال)

لإن كان العمل الاجتماعي بشكل عام تُناط به العناية بالمحتاجين داخل المجتمع؛ سواء كان احتياجهم متولداأصلا عما يُصنفون به لاحقا أصحاب هِمم أو هو مُستجد وناتج عن احتياج عرضي مادي يمكن زواله بالمتابعة والمساعدة عن طريق برامج التكافل الاجتماعي؛ فإن بلادنا قطعت في هذا المضمار أشواطا كبيرة حريٌ بنا أن نصونها ونؤسس عليها فنبني لها معنىً يدعم الاستمرارية وتحقيق الغايات المنشودة، ويمكن القول بكل بساطة أن التلكؤ في ذلك أو إقلاب ظهر المجن له ينسف كل ما تحقق من نسمات اجتماعية إيجابية تحتاج التقوية والتدعيم والاستمرارية. لقد تميزت المأمورية الأولى لفخامة رئيس الجمهورية السيدمحمد ولد الشيخ الغزواني وما تبعها حتى الآن من المأمورية الثانية؛ خاصة في المجال الاجتماعي بمحطات هامة جدا يمكن التوقف عندها قليلا وسريعا للاستئناس على الأقل، ومن ذلك تأمين مائة ألف أسرة متعففة تنحدر في مجملها من أوساط هشة تجعلها هذه البرامج الاجتماعية جماعة ذات أولوية، وهي سابقة وطنية؛ إذ لم يكن مؤمنا قبل ذلك إلامن حظي بالانضمام للوظيفة العمومية وخضع للاقتطاع القبلي من راتبه وكان تأمينه يُبقِي نسبة يجب عليه تعويضها، أما المائة ألف أسرة المذكورة وما أضيف لها عن طريق السجل الاجتماعي فتأمينهم تام مائة بالمائة؛ ودون دفع أوقية واحدة كإسهام متأخر عكس المؤمنين من الموظفين،وطبعا تحصيل حاصل القول بأن كل هذه الأسر المؤمنة تضم مجموعة من الأفراد المحتاجين جدا لهذه الخدمات الصحية وما يوازيها من أعطيات مالية؛ وإن لم تكن تزاحم القيمة الصحية لهذه التغطية المجانية. ولا يقل عما تقدم أهمية ما حصل ويحصل بخصوص التكفل بمرضى التصفية؛ مع بعض المآخذ الإجرائية التي تظهر من حين لآخر سواء عند تعطل جهاز ما أو التباطؤ في خدمة معينة، لكن المتابعة من خلال المصالح الموجودة في كبريات المستشفيات الوطنية والتي تتبع مباشرة لقطاع الشؤون الاجتماعية لن تُعدم فائدتها، بل الأكيد أنها تقف سندا وعونا لهذا الصنف من المرضى المحتاجين ومن على شاكلتهم من المعوزين، دون أن ننسى إسهامات الخيرين من منظمات ونشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي؛ منهم من أصبح إسهامهم مشهود بل محل إشادة كبرى من الجميع، وبغض عن خلفياتهم السياسية وأديلوجياتهم الفكرية وغير ذلك فإنهم أفادوا المرضى سريعا دون أن يكون لهم ريع من ذلك،بل منهم من يربط المريض مباشرة بالمتبرعين عن طريق رقم المعني في صورة ترسم لوحة من النزاهة وخدمة الوطن؛ فالوطن يسع الجميع، ولهؤلاء نقدم أعز تحية ونقول لهم سيروا على ذات الدرب بارك الله جهودكم ونفعكم بها دنيا وأخرى. ومن المواضيع الاجتماعية التي يُحبَّبُ التوقف عندها تلك الخدمات المقدمة لأطفال التوحد عن طريق مركز رائد جدا في المجال ساهم كثيرا في الحد من آثار وتبعات ومضاعفات هذه الظاهرة، ونظرا لأهمية هذه الخدمات ينبغي أن تتسع حتى تشمل فئات لا يمكن أن تصل إلى ذلك بمجهودها الذاتي المتواضع دون رعاية وتغطية وتحمل للأعباء الكلية من الدولة وهي تستطيع. وبخصوص صندوق التأمين الصحي الذي كان وما زال يضطلع بدور اجتماعي محوري لما يوفره من ضمان صحي استفاد منه الموظفون والمشمولون في برنامج تآزر بشكل لافت؛ لكن خطبا مُستجدا أطل برأسه مع إطلالة هذا العام الجديد قد يُعقد طبيعة ما تعوده هؤلاء على نقيض قول المتنبي: لكل امرئ من دهره ما تعودا.. فتغيير طبيعة الرعاية الصحية من قبلية لا تحتاج معها دفع القسط الأكبر الذي يتحمله الصندوق إلى رعاية بعدية بتعويض متأخر عن العلاج أو اقتناء الدواء فيه إجحاف كبير بطيف بشري عريض لا يقوى سواده الأعظم على شراء علبة دواء أو سداد مستحقات الفحوص في لحظة الحاجة إليها، وهنا نُنبه إلى ذلك لأجل إعادة النظر وترك الحال على حاله فذاك الأصل المبارك إن لم يجد منغص؛ فالاستمرار على الرأفة أولى من تكبد مستجد المشقة. وكل ما قيل بخصوص صندوق التأمين الصحي (كنام) يجر ذيله على أخيه الأصغر صندوق التضامن الصحي (كناس)؛ إنْ على مستوى الإشادة به وبتدخلاتها والمجال الذي سيسد منه ثغرات عجز المواطنين أو حتى على مستوى المآخذ من أجل تحسين الجودة والانتشار والرأفة والتخفيف على المواطنين. وقبل أن نختم هذه السطور بملاحظة حول موضوع المحروقات المثار أخيرا نتوقف قليلا مع صندوق سكن المدرسين فهو مكسب اجتماعي هو الآخر وتجب صيانته ككل المكاسب التي قدم ذكرها؛ وهنا نُشيد إشادة عالية رفيعة بتضمين المتوفين -رحمهم الله- إلى جانب المتقاعدين للاستفادة من التعويض المرصود عن السكن، وهي قرارات في منتهى الأهمية لكن النقص لا يخلو منه عمل بشري مهما تراءى للناظر متكاملا؛ فصندوق سكن المدرسين يجب أن يشمل كل المدرسين خاصة من ينشطون تحت ظل وزارة التربية من خلال إداراتها المركزية أو أذرعها الجهوية وفروعها الإدارية، ومن الحيف وقد نسميه حيفا بريئا أن يحصل تفاوت كالحاصل بين القيمة المقدمة للميدانيين على حساب من تمت ترقيتهم لتسيير الملفات الكبرى والحساسة للمنظومة التربوية، ما معنى أن نُعيِّن شخصا مديرا مركزيا أو مستشارا نتلمس منه تقديم الأفكار ورعاية المشاريع الكبرى للتربية أو متابعة الملفات الحساسة التي يتحرك بموجبها جمع كبير من المدرسين في الميدان ثم نجعل له تخصيصا للسكن بنصف قيمة الآخرين؟. إذا كان التقدم الوظيفي بهذا المنطق منقصة فلم يسند إلى من حازوا كفاءة جيدة بعد خدمة ميدانية طويلة؛ فالترقية بطبيعتها لا يجب أن ترتبط ببعض النوادر التي تشوه التقييم؛ فالنادر لا يقضى به، والأصل أن الترقية تزكيةٌ لجهدٍ مشهود وعملٍ محمود. علينا أن نراجع المعايير، ونتجرد في رغباتنا في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا الذاتية فقط، فالعموم أنفع من التخصيص، والزمن حكم شاهد، والأيام تسير بناومستجداتها تدفعنا إلى أن نتشارك الحقوق كما الواجبات مع غيرنا. وختاما مع ملاحظة وجيزة بخصوص ما أثير عن المحروقات؛ولأن حديثنا هذا بدأناه أصلا عن عموميات ومكاسب اجتماعية وبها أيضا نختم، فيجب ألا يختفي ذلك الدعم الحكومي الذي كان له انعكاس اجتماعي إيجابي بطريقة ما وفي ظرف ما، فترك المواطن البسيط؛ أعني الموظف العمومي ومنهم دونه تحت رحمة سعة جيبه! إن ارتفعت أسعار الوقود بعد انخفاض قد يفضي به إلى سقوط لا يستطيع منه النهوض، فعلينا أن نرحمه بحسن تدبير يضمن له عدم المواجهة بعد الارتفاع؛ ويمكنه من الاستفادة من الوقود إبان الانخفاض سواء حصل ذلك في الصيف أو الشتاء أو زمن الرخاء والانتجاع.

الاثنين، 24 نوفمبر 2025

حول لقاء الرئيس بالمؤتمرين الشباب (مقال)

خلال حفل بهيج في ليلة مشهودة من ليالي شهر الحرية والانعتاق الوطني، وبمشاركة 1300شاب؛ أشرف فخامة رئيس الجمهورية على المؤتمر الوطني لتمكين الشباب... كانت الصورة ناصعة وملامح المشهد واضحة، مضيئة، متلألئة وبراقة. في هذه الليلة التي ستكون علامة فارقة في تاريخ البلاد بتأسيسها لمرحلة جديدة من طيب وجدوائية العلاقة بين القيادة الوطنية والشباب بوصفه اهم الطاقات الحية، الذكية، المتحركة. لقد أكد فخامة رئيس الجمهورية في غيرما مناسبة أن هذه المأمورية التي نحن في إحدى لياليها المضيئة؛ مأمورية الشباب ومن الشباب وإلى الشباب، وهنا نقف صدقا على أفعال زكية تصدق أقوالا مشهودة. في هذه الليلة الاستثنائية سلم فخامة رئيس الجمهورية لأصحاب المبادرات الشبابية الأكثر ابتكارا وتميزا في ثلاث مجالات كبيرة هي: المبادرات والمشاريع التي تعزز تمكين الشباب، المشاربع الصغرى والمتوسطة، مبادرات الخدمة المدنية، وطبعا كانت هذه المجالات تشكل مضمار التنافس، وكان المكرمون هم الأفضل في هذا السباق والتنافس، وكانت الجوائز المقدمة جوائر ذات قيمة مادية كبيرة واعتبار معنوي عريض، وفي الكلمة الفصل التي توج بها فخامة رئيس الجمهورية هذا الحفل بإطلاقه مشاريع كبرى وقرارات فريدة، كانت كل جملة في هذه الكلمة الموفقة ذات دلالة وطنية خالصة وعمق استراتيجي كبير، حيث جدد فخامة الرئيس دعوته للشباب إلى الإقبال على التكوين التخصصي، والتعليم المتقن، والعمل الجاد، كي لا تظل آلاف فرص العمل المتاحة والمتجددة في بلادنا ضائعة كما كانت، فالمشاريع الوطنية والبرامج المصاحبة مافتئت حسب إقرار رئيس الجمهورية توفر هكذا فرص. وأكد فخامة الرئيس أن الحكومة عملت على تبسيط الإجراءات وتنويع آليات الدعم المؤسسي لصالح مختلف الفئات الشبابية وخاصة تلك التي تعاني الغبن والهشاسة، مما يعزز قدرة هذا الصنف على الصمود ومواجهة التحدي لضمان مشاركتهم الفعالة في بناء الوطن. وذكر فخامة الرئيس أن الحكومة قامت بدعم وتأهيل عشرات آلاف الشباب من أجل تمكينهم من ولوج سوق العمل بقدرة وتمكن، ومن خلال تمويل مشاريع مدرة للدخل؛ يحصل نداها في الامد القريب أو المتوسط، وكذا فتح مجال المساعدة والدعم التام أمام المبادرات الشبابية بكل أشكالها. ومن جملة القرارات التي افصح عنها فخامة رئيس الجمهورية وأصبح العمل بمقتضاها يأخذ قوته القانونية بوصفه يؤسس لمراسيم ملزمة النفاذ، وعلى إثر ذلك تقرر تصريحا لا تلميحا: - إنشاء جهاز مؤسسي للتشاور الشبابي على المستوى المحلي لإشراك الشباب في تحديد أولويات التنمية بمناطقهم. -تحويل صلاحيات المجلس الأعلى للشباب إلى هيئة فنية جديدة تتولى التنسيق الوطني لآليات التشاور الشبابي. - رفع ميزانية صندوق التشغيل لدعم أكبر عدد من المشاريع الشبابية. اكتتاب ثلاثة آلاف موظف جديد لتوفير فرص عمل فورية للشباب المؤهلين. توفير ثلاثين ألف فرصة عمل خلال عامين عبر تنسيق التشغيل في قطاعات الزراعة، الصيد، التنمية الحيوانية، التعدين، الطاقة، وهذا ممكن جدا، وسهل التحقق في آجاله إذا ما وجدت الإرادة الصادقة، والنية الحسنة والجهد المبارك والمواظبة الدائمة. - تعزيز فرص العمل الذاتي للشباب الهش من خلال ربط التكوين المهني ببرامج التمويل. -فتح سبعة آلاف فرصة تطوع جديدة ضمن الخدمة المدنية لاكتساب المهارات المهنية وخدمة الوطن. -إطلاق مشاريع رياضية كبرى تشمل إنشاء مائة ملعب رياضي صغير، وإنشاء ملعب دولي سعته خمسة وعشرون ألف متفرج. كل هذه القرارت تتنزل في صميم الأهمية ويعول على صداها في قابل الأيام مما يجعلنا نشيد بكل من كان له دور في اقتراحها أو اعتمادها، وهنا لا يمكن أن نغفل عن دور مستشاري فخامة الرئيس الذين يستعين بهم وتستنير الحكومة بمضيء أفكارهم؛ سواء كانوا مستشارين بالتسمية والتوظيف أو بالطبيعة والتكييف، إذ لا تخفى على ذي لب وبصيرة بصمات أقرب المستشارين المعنويين لفخامة رئيس الجمهورية ممثلا ذلك في السيدة الأولى خصوصا ومدير ديوان رئيس الجمهورية تحديدا، ومن خلال الحماس الذي لا يخطئه لحظ متابع لمختلف فقرات الحفل، ومدى التفاعل الكبير الذي ظهرت به السيدة الأولى وسعادتها بكل مستجداته التي كانت كلها إيجابية أدخلت السرور على الحاضرين والمتابعين؛ من تابع ذلك يدرك بجلاء أن السيدة الأولى كانت من أهم مهندسي هذا التوجه الذي توج بهذا الحفل إن لم تكن هي عرابه بدون منازع؛ وقديما قيل: محيا المرء أصدق ترجمان على كنه المغيب في الفؤاد. فهنيئا لكل شباب الوطن فهم مكرمون جميعا، وبهذه الخطوة التي ستكون سنة حميدة متجددة تجدد السنين والأزمان سنسعد معهم جميعا ونعيش زهو اللحظات وننتشي بندى المنجزات.

الخميس، 13 نوفمبر 2025

الرسائل الندية من خطابات رئيس الجمهورية/ عثمان جدو (مقال)

أ
تكتسي الزيارة التي يؤديها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني أهمية كبرى لما تحمله من دلالات وطنية وأبعاد تنموية. فلقد كشفت هذه الزيارة أولا وقبل كل شيء عن نبل المواطن الموريتاني البسيط المرابط في أدغال موريتانيا الأعماق، حيث ذابت الشرائحية، وبُهِتَ المتلونون بتلاحم الشعب الموريتاني خلف هدف واحد، وانتظام المواطنين في طوابير الاستقبال دون تمايز، همهم الحاضر الوحيد استقبال فخامة رئيس الجمهورية بكامل الفرحة ووافر الترحاب، وإظهار السعادة المطلقة بذلك وبما يعلن عنه من برامج تنموية محلية عاجلة، مفصلة على كل منطقة بالتحديد الكاشف الذي يُظهر كل جزئية على حدة، مع بيان الحيز الجغرافي للتنفيذ، كل ذلك بالنقطة والفاصلة؛ وهنا لا يمكن أن نعيد كل ما قيل أو بسط كل فكرة تقدم بها صاحب الفخامة، بل حسبنا في هذا المقال التوقف مع بعض المضامين المميزة الواردة في خطابات رئيس الجمهورية كرسائل منتقاة من عموم رسائل الشرق القادمة من هذه الزيارة. وهنا يمكن القول أن أهم الرسائل الواردة في خطابات الرئيس ما ذكره في مجالات التعليم والأمن والسياسة دون إغفال ما ذكره بخصوص تقوية الروابط الاجتماعية، والتركيز على إنجاح الحوار بوصفه يشكل منعطفا قادما يمكن من خلاله رسم لوحة البلاد بإشراقتها البهية حيث تكون أكثر نصاعة وأدوم نجاعة. لن نتحدث هنا عن المنجز المبرمج من الطرق أو الحجرات الدراسية والمستشفيات أو الإعانات الاجتماعية وغيرها، فذلك تحصيل حاصل، وفي إعادته تكرار لا يخلو من الاجترار، ولكن سنتوقف مع الأفكار التي من شأن الحكومة أن تستوعبها كمضامين إيجابية مُلزمة، وتعمل على تجسيدها على أرض الواقع، ففخامة الرئيس لا يباشر تطبيق القرارات بنفسه لكنه يحدد ملامح الصورة، ويحدد ابعادها، ويرسم الخطوط العريضة لخريطة العمل الذي يجب إنجازه وفق آجال معلومة، ولأن كل جملة صدرت عن فخامة رئيس الجمهورية في سياق الأمر تعتبر مرسوما ملزما، تنفيذا، وتطبيقا؛ فيجب على القطاعات المعنية بهذه المضامين العمل بكل جدية على إتمام التنفيذ وفق أنجع السبل. لقد ركَّز فخامة رئيس الجمهورية على ذكر المعلم والجندي كلاهما بخير، فأكد أن تبجيل المعلم هو الطريق السالك نحو التقدم والنجاح والنهوض الوطني الشامل، وهنا على الحكومة أن تسعى جاهدة في سبيل ذلك إلى تحسين واقع المدرس قبل كل شيء باقتراح العلاوات المجزية أكثر فأكثر؛ وتقديم مقترح لصاحب الفخامة حول زيادة الرواتب زيادة معتبرة تجعله يستطيع مواجهة ارتفاع الأسعار وإكراهات الحياة الأخرى بعزة وشموخ، ثم تتبع ذلك بما يقتضيه الإصلاح من تدعيم البنى التحتية والتمكين من وسائل العمل اللوجستية والديداكتيكية. والحالة نفسها تنطبق على الجندي الساهر على تأمين الوطن، المرابط على الثغور، فهو المستحق علينا دون منٍّ أو أذى كل إشادة، ومن الدولة كل عناية ومساعدة، وهنا لا تكفي زيادة الرواتب فحسب؛ بل يتعدى الأمر ذلك إلى الاعتزاز بدوره وتشجيع الشباب على الالتحاق بالخطوط العسكرية، خطوط الشرف والأنفة والشموخ، وكتجسيد لذلك لا نَمَلُّ من تحسين الوضع المادي لمختلف التشكيلات العسكرية وشبه العسكرية، ثم نغمرهم بالاعتبار المعنوي الذي يجب أن يلعب فيه كل مواطن دوره كاملا؛ إجلالا لهم، وتقديرا للدور الذي يقومون به. وهنا أقول: لولا المعلم لما كان غيره في وضعه الحسن المريح، ولولا الجندي لما بات الشبعان على أريكته مرتاح البال قرير العين. لقد بعث فخامة رئيس الجمهورية في إحدى المحطات الأخيرة من زيارته للحوض الشرقي برسائل وطنية، سياسية تنير دروب السالكين نحو الحوار الوطني المُطِلْ؛ فذَكر المؤسسات الدستورية ومدى نجاعتها مُتسائلا عن مدى نجاعتها ومواكبتها لحاجات البلد ومتطلبات المرحلة؛ واللبيب تكفيه الإشارة، فليس الاستئناس بذكر المنظومة الانتخابية التي يتهمها المناوئون بعدم القدرة على تسيير انتخابات نزيهة ذات مصداقية، وطنيا، ودوليا أمر اعتباطي أو هو كلام بلا معنى؛ كلا، فكلام البالغين مصان عن العبث، أحرى كلامٌ لأعلى سلطة في منبر مشهود؛ تشرئب إليه أعناق العقلاء. والحالة هذه يُقاس عليها ما قيل في ذكر مجلس الشيوخ وإن تلميحا، وما ذكر به المجلس الاقتصادي الاجتماعي وهيئة الفتوى والمظالم تحديدا وتصريحا، وكذا الجماعات المحلية والمجالس الجهوية، كل هذه المذكورات إن لم تولد مع مشاكل ومعيقات أفرغتها من حصول المقصد وإنجاز المؤمل، فهي على الأقل تُلازم كثيرا من المعيقات بفعل عوامل شتى، وبالتالي لابد من إعادة التفكير والمطارحة حيالها كي نضمن المردودية الإيجابية أو نريح كاهل الدولة من تراكم الأعباء بفعل وجودها دون نتيجة تذكر. ختاما وبكل إيجاز وكما جرى به كلام رئيس الجمهورية؛ على النخب السياسية والثقافية أن تدرك وتعي وتستوعب؛ ثم تستثمر المواضيع الكثيرة الموجودة بين يديها، لتناقشها بكل نضج وروية، بعيدا عن التخوين، والتهويل، والتنابز الذي لا طائل من ورائه، وعلى الجميع أن يدرك أهمية اللحظة، وقيمة الفرصة، ومميزات المرحلة التي سيكون بساطها الأحمر حوارا شاملا لا يستثني راغبا ولا يمنع منه عاتبا.

الاثنين، 27 أكتوبر 2025

نكبة المفسدين/ عثمان جدو (مقال)

في هذه البلاد التي حباها الله بأنواع الخيرات وجعلها دولة قليل سكانها، كثير وعاظها، وعلماءها، وصلحاءها، فلكثرة دعاة الفضيلة والمثالية في بلادنا تظننا نحتكر الأخلاق ونصنع مفاتيحها، ومع ذلك تنفجر فينا بين الفينة والأخرى ملفات فساد رهيبة؛ تكاد تكون هي الأخرى لنا خصوصية تعريفية في الجانب السلبي. في الفترات الأخيرة أصبح جُلُّ موظفينا يبحثون من اليوم الأول بعد الترقية أو التعيين عن المزايا والمنافع الشخصية فيطغى ذلك على أداء المهام الموكلة إليهم، وطبعا تذهب المصلحة العامة أدراج الرياح، إذ لا بواكي لها من هؤلاء وليس لها منهم من مدافع ولا صائن. لقد امتاز المفسدون في بلادنا بالنهم في جمع المال غير المشروع؛ فأساؤوا استخدام السلطة لذلك، وزوّرا، وأخفوا، وحرّفوا، وتحايلوا، ولفقوا؛ كل ذلك من أجل منافع شخصية غالبا لم تكن لضرورة البقاء على قيد الحياة، سواء من فاقة أو لمواجهة تحديات داء عضال؛ بل كانت للإيغال في إظهار الفجور وزرعه في الأجيال، ولعلك وأنت تقرأ هذه السطور تمر بك فتاة في عمر الزهور تعتلي أخر صيحات السيارات دون أن يُعرف لها شغل مع العلم أن أهلها لم يعرفوا أيضا بالثراء المباح أو حتى المشبوه، والحال هذه في المراهقين وإن كانت بوتيرة أقل. إن الملاحظ العابر غير المتتبع الدائم لما يشاهد في مناسباتنا الاجتماعية سيُبهت لفرط التبذير، والسفور، والفجور الذي تغذيه المنهوبات والمسروقات المفوترة، يستوي في ذلك الغني والفقير، الحكيم ادعاء، والرزين تمظهرا، وخلافهما من شياطين الإنس الذين أصبح سلوكهم يفاجئ شيوخ الجان ومردة الشياطين. لا شك أن هذه المظاهر المشينة هي التي تشكل في الغالب عامل ضغط على متصدري المشهد الوطني سياسيا واجتماعيا؛ فتدفعهم لفرط ضعف شخصية أغلبهم إلى محاكاة مزاج ذوات الميول الباذخ، وجُلاسهم من المخنثين، ومن كان لهم رديفا ومزاحما من أشباههم، وهنا تنهب المليارات لمواكبة تلك السهرات واقتناء الفلل والعمارات في الداخل والخارج، ومنح الأعطيات من السارق الجريء للكسول الذي لا يعمل إلا على هدم الأخلاق، وتغدية أدران الرذيلة، والسفور والفجور ... ترى إلى أين نسير بهذا المجتمع الذي كان قبل هؤلاء وديعا صافيا ملتزما؟؟؟ إن هذا المجتمع الذي حولته المادة إلى مجتمع آخر غير الذي كنا نعرف لابد له من صحوة كبرى، شاملة بدءا بمراجعة مسار التعليم في كل القطاعات المعنية بحثا عن التأثير الإيجابي، والنتيجة المفيدة، والمضمونة، صحوة توجه هذا الفلتان الذي بدأت تعكسه مرآة التطبيقات التواصلية في صورته القذرة. ولا بد لهذه الصحوة التي نريد أن تكون قادرة على تجفيف منابع المخدرات، واعية لخطورتها التي تسللت مع روائحها إلى كثير من البيوت في تغافل مجتمعي لا يبشر بخير. إننا إذ نسطر هذه الكلمات التي نرجو أن تتنزل في محاربة الفساد في شقيه المادي والمعنوي؛ لا يمكن أن نتجاوز ما حصل في آخر اجتماع للحكومة، والتوجه الحازم الذي أظهره صاحب الفخامة بعد أن أطمأن المجرمون المفسدون وظنوا أنهم قادرون على الاستمرار في تخريبهم دون محاسبه؛ فأتاهم خبر الإقالة في ضربة قاضية؛ تؤسس لما بعدما... فإما أن نجعلها فتكة بكرا موقعة بالفساد، تتبعها أخواتها تعتلي رقاب كل من خانوا الأمانة، وإما أن نفرغها من محتواها الإيجابي الذي شحنها به فخامة رئيس الجمهورية عندما أوقعت بثلاثين رأسا كبيرة؛ أينعت فقطفت في الوقت المناسب دون تردد، دعونا ندعم هذه الخطوة المباركة في سبيل إرساء محاربة الفساد والمفسدين حقيقة وحكما من خلال عدم الوقوف أو المساندة لأي من الذين طالتهم هذه الشبهات حتى نتبين حكم القضاء فيهم، فمن برأته العدالة لا ضير في مساندته والذود عنه في استرجاع كرامته التي فرط هو فيها حينما عرضها للشبهات، ومن حكم عليه بالوقائع المجرمة علينا أن لا نلين له ولا نتعاطف وإن كان من أعز الإخوان وأقرب الخلان، فمن قتلته الشريعة فلا أحياه الله.