الكَراي (المدرس)
الاثنين، 11 مايو 2026
تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو
تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو
تعتبر المدرسة الجمهورية مشروعًا وطنيًا يهدف إلى بناء مجتمع مُوحّد يقوم على قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وذلك من خلال توفير تعليم عصري يضمن لجميع أبنائنا الحق في التعلّم دون تمييز.
غير أن نجاح هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير الظروف المناسبة للمدرس، باعتباره حجر الزاوية في العملية التربوية، فهو الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي ناجح، لأنه صانع الأجيال وحامل رسالة التنوير وجسر المعرفة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن المدرسة الجمهورية لا يمكن أن يكتمل دون الاهتمام الحقيقي بأوضاع المدرسين المادية والاجتماعية ومن أهم ذلك توفير سكن لائق للمدرسين، لما له من أثر مباشر على استقرارهم النفسي والمهني، وعلى جودة عطائهم داخل المدرسة.
فالسكن ليس مجرد حاجة معيشية، بل هو عنصر استقرار نفسي واجتماعي ينعكس بصورة مباشرة على أداء المدرس داخل الفصل، وعلى جودة العملية التربوية عمومًا.
ولذلك أصبح توفير السكن للمدرسين أحد أهم العوامل المساعدة على تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية القائمة على الإنصاف والجودة وترسيخ قيم المواطنة، ويمكن القول إنه ضرورة تربوية ووطنية تُسهم بقوة في ترسيخ دعائم المدرسة الجمهورية، ويُمثل عامل استقرار أساسي يساعد المدرسين على أداء رسالتهم التربوية في ظروف مريحة، فالمدرس الذي يعيش معاناة البحث عن الإيجار أو التنقل اليومي لمسافات طويلة يفقد جزءًا كبيرًا من طاقته وتركيزه، مما ينعكس سلبًا على مردوديته داخل الفصل، أما عندما يتوفر له سكن مناسب وإن أراد جعله قريبا من مقر عمله، فإنه يصبح أكثر قدرة على الالتزام والانضباط والتحضير الجيد للدروس.
كما أن توفير السكن عموما يُشجع المدرسين على العمل في المناطق الريفية والنائية، التي غالبًا ما تعاني من نقص الطواقم التربوية بسبب صعوبة ظروف العيش، وبذلك يسهم في تحقيق العدالة التعليمية بين مختلف مناطق الوطن، وهو أحد أهم أهداف المدرسة الجمهورية التي تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
ومن جهة أخرى، فإن الاهتمام بهذا الموضوع أصلا يعكس تقدير الدولة لمكانة المدرس ودوره في بناء الأجيال، فالمدرس عندما يشعر بالعناية والاحترام يزداد ارتباطه بمهنته، ويرتفع مستوى عطائه وإخلاصه، مما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والتربية، من خلال خلق بيئة تربوية مستقرة تساعد على الحد من التغيب والتنقل المستمر، وتضمن استمرارية العملية التعليمية طوال السنة الدراسية، فالاستقرار الوظيفي للمدرس يؤدي إلى استقرار التلميذ نفسه، ويعزز الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها فضاءً للتكوين والتربية وغرس قيم المواطنة والوحدة الوطنية.
وفي إطار المدرسة الجمهورية، لا يقتصر دور المدرس على التعليم فقط، بل يتعداه إلى التربية على القيم والأخلاق والانتماء الوطني، وبالتالي بناء مواطن متعلم، متشبث بهويته الوطنية، ومنفتح على العصر، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون مدرس مرتاح نفسيًا ومطمئن اجتماعيًا ولذلك فإن توفير ظروف عيش كريمة له، وفي مقدمتها السكن، يُعد استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء المدرسة، وبناء المدرسة يبدأ من الاهتمام بالمدرس.
وبناء على ما تقدم تتنزل أهمية توزيع مبالغ مالية على المدرسين كدفعة أولى من صندوق السكن فالحدث يُعد خطوة مهمة في طريق تحسين الظروف الاجتماعية للمدرسين، لما لذلك من أثر مباشر على الاستقرار النفسي والمهني لهذه الفئة التي تُعدّ أساس العملية التعليمية ومحور نجاحها.
فمشكل السكن ظلّ لسنوات من أبرز التحديات التي تواجه المدرسين في موريتانيا، خاصة مع ارتفاع أسعار الإيجار وضعف القدرة الشرائية، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء الكثير منهم. ومن هنا تأتي أهمية صندوق السكن باعتباره آلية اجتماعية تهدف إلى تمكين المدرسين من الحصول على سكن لائق يحفظ كرامتهم ويُوفر لهم الاستقرار.
وفي يوم الأربعاء 6 مايو 2026 أشرف فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنفسه على توزيع الدفعة الأولى من الدعم المالي المخصص لتوفير سكن لائق للمدرسين وهي خطوة كريمة حملت عدة دلالات إيجابية؛ بكونها تعكس اهتمام الدولة بتحسين أوضاع المدرسين والوفاء بجزء من التعهدات المتعلقة بهم؛ والتي قطعها فخامة الرئيس على نفسه من أجل النهوض بالقطاع التربوي، وبالتالي يجسد هذا التوزيع البداية العملية لتحويل الوعود إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المدرس ويعيشها في حياته اليومية، و سيسهم هذا الدعم لا محالة في تخفيف الأعباء المعيشية عن الأسرة التربوية، ويمنح المدرسين قدرة على امتلاك سكن مستقبلي بدل البقاء تحت ضغط الإيجار والتنقل المستمر.
ومع أهمية هذه الخطوة، فإن نجاح صندوق السكن مع ما يتطلبه من الشفافية والعدالة في اختيار المستفيدين، وتوسيع دائرة الدعم تدريجيًا لتشمل أكبر عدد ممكن من المدرسين في مختلف الولايات، فإنه يتطلب إعادة النظر في بعض جزئياته؛ فمثلا ما المانع مستقبلا من أن يشمل هذا الصندوق كل المدرسين وعدم تقييد الاستفادة ب 15 سنة خدمة في الميدان التي أقصت كثيرين، فيكفي مثلا أن الميداني يُمنح المبلغ كاملا والإداري يحصل على النصف فقط، أو ليس الذي تولى شؤونا إدارية لخدمة العملية التربوية، يخدم بذلك المنظومة التربوية، ويُجسد حقيقة المدرسة الجمهورية ذات الطبيعة العمومية؟.
الأربعاء، 6 مايو 2026
لكي تظل تهدئة غزواني استثناء كما كانت رغم المستجدات/ عثمان جدو
لا جدال في كون الحياة السياسية في الدول النامية، وخاصة الإفريقية منها تعتبر مجالًا خصبًا للتوترات والصراعات الناتجة عن تعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتباين الرؤى بين الفاعلين السياسيين، وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز نهج التهدئة السياسية كخيار تسعى الأنظمة السياسية من خلاله إلى ترسيخ نهج الاستقرار وبناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، وفي هذا الاتجاه شكّل أسلوب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجًا لافتًا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل تهدئته السياسية استثناءً أم أنها امتداد لمسار قابل للتجذر والاستمرار رغم الاضطرابات المستجدة من حين لآخر؟.
لقد تميزت التجربة السياسية في موريتانيا، خلال فترات متعددة، بحدة التجاذبات بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى أزمات سياسية عطّلت مسار التنمية. غير أن وصول الرئيس الحالي السيد محمد ول الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم حمل معه مقاربة مختلفة، تقوم على التهدئة والحوار بدل التصعيد والمواجهة، حيث عمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية، وتبني خطابا معتدلا، يُجنّب البلاد الانقسامات الحادة، والصراعات الخطيرة، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستقرار العام.
ومما يمكن تأكيده أن هذا النهج الغزواني لم يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوزه إلى السياسة الخارجية، حيث اعتمد الغزواني أسلوب الدبلوماسية الهادئة القائمة على التوازن والانفتاح، في محيط إقليمي يتسم بكثرة الاضطرابات والانقلابات؛ التي أصبحت سمة تتميز بها منطقة الساحل التي نحن جزء منها، ومن هنا تظهر حقيقة هذا التوجه؛ فيبدو متميزًا مقارنة بما تشهده بعض دول الجوار، حيث يغلب عليها الطابع التصادمي في إدارتها لشؤونها السياسية الداخلية؛ وحتى في بعض علاقاتها الخارجية.
ولإن كان التاريخ السياسي الموريتاني عَرف بدوره محطات من التوافق والحوار إلا أن جو التهدئة الذي أرساه فخامة الرئيس الغزواني عند مجيئه للسلطة شكَّل استثناء محمودا ورغم كل ما حمله من مزايا إيجابية فإن اعتباره استثناءً مطلقًا قد لا يكون مستساغا عند البعض؛ خاصة بعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي دفعت بارتفاع الأسعار وما حصل من إجراءات ضريبية كان لتزامنها وقعه الشديد على المواطن البسيط التي تتأثر مواقفه السياسية باضطراب مصادر قوته اليومي، مما يجعل أزيز المرجل مسموعا، وصرير الأمعاء مؤثرا على الرضا والقبول وهو الوتر الحساس الذي تلعب عليه المعارضة من خلال دعوتها لمهرجان جماهيري توحدت حول الدعوة له؛ رغم عدم اليقين بالسماح له في هذا الظرف الخاص من عدم ذلك.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتماد خطاب التهدئة فحسب وإن كان ذلك مهما جدا، بل لابد من التمكن والقدرة على تحويل خطاب وجو التهدئة إلى نتائج ملموسة تعالج القضايا البنيوية، كالفقر والبطالة وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإذا لم تُترجم هذه السياسة إلى إصلاحات عميقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد نسيم مرحلي لا يلبث أن يفقد تأثيره المنعش.
ثم إن التطورات اللاحقة في الأسبوع الماضي بخصوص قضية النائبتين البرلمانيتين قد تضفي بظلالها على المسار العام لهذه التهدئة التي استمرت خلال السنوات الفائتة من حكم غزواني بهدوء لم تكدره الوقائع والمستجدات الماضية، فهذه القضية المرتبطة بسجن النائبتين المعارضتين التابعتين حتى النخاع لبرام الداه اعبيد تمثل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لنهج التهدئة السياسية الذي عُرف به محمد ولد الشيخ الغزواني، واستوجب من برام نفسه التصريح يومها بالرضا والقبول حينما قال وهو بكامل وعيه (أجبرت صاحبي) فهذا الاختبار يمكن اعتباره نقطة تحوّل تستحق التحليل العميق؛ فوقائع هذه القضية التي تمثلت في إصدار حكم قضائي بسجن نائبتين برلمانيتين معارضتين بعد اتهامهما بإهانة فخامة رئيس الجمهورية والمساس بالرموز الوطنية ونشر خطاب تحريضي؛ أثارت ردود فعل متباينة، حيث رأت المعارضة فيها انتهاكًا للحصانة البرلمانية وتصعيدًا سياسيًا يهدد مناخ الانفتاح، بينما اعتبرتها السلطة وأنصارها مسألة قانونية بحتة تندرج ضمن حماية النظام العام وصون الوحدة الوطنية.
ومن هنا تتجلى قراءتان متناقضتان لهذا الحدث البارز:
القراءة الأولى ترى فيه تراجعًا عن نهج التهدئة التي رسمها الرئيس نفسه طيلة السنوات الماضية من حكمه؛ إذ إن سجن شخصيات سياسية منتخبة يبعث برسائل سلبية حول حرية التعبير، ويُقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويعيد أجواء الاحتقان التي سعى النظام إلى تجاوزها.
أما القراءة الثانية فتؤكد أن التهدئة لا تعني مطلقا التساهل مع ما قد يُفسَّر على أنه تجاوز للقانون أو تهديد للاستقرار، وأن الدولة مطالبة بفرض هيبتها عبر مؤسساتها القضائية حتى في مواجهة إي كان من الشخصيات السياسية، ومما تؤكد عليه السلطة في كل تعليقاتها على الأحكام القضائية أن القضاء الموريتاني قضاء مستقل تماما؛ لا وصاية للجهاز الحكومي على توجهه، ولا دخل لها في تحديد متجه مساره.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا الحدث ذاته بقدر ما تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ثلاث ركائز أساسية هي:
أولا: حرية التعبير باعتبارها جوهر العمل الديمقراطي.
ثانيا: هيبة الدولة التي تضمن احترام القانون.
ثالثا: استمرارية التهدئة كخيار استراتيجي لتجنب الانقسامات.
فإذا اختل هذا التوازن، فقد تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب نظري فاقد التأثير، أو يتحول القانون إلى أداة تُفهم على أنها موجهة سياسيًا، وهو ما يضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
وخلاصة القول، إن تهدئة الغزواني السياسية تعتبر خيارا قياديا مميزا في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار، وتبقى قيمتها الحقيقية رهينة بمدى قدرتها على إرساء دعائم إصلاح شامل ومستدام، يحول التوافق السياسي إلى إنجازات واقعية تعود بالنفع على المواطن وتدعم مسار الدولة نحو الاستقرار والتنمية، وعدم ترك المجال لقضية سجن البرلمانيتين في رسم حدود مساحة التهدئة، فتأثيرات هذه القضية قد تظهر نهج التهدئة على أنه سقف محدود ومعين تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار مثلا.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، بما يضمن ترسيخ دولة القانون دون التفريط في مناخ الحريات، حتى تظل التهدئة خيارًا فعّالًا لا شعارًا ظرفيًا.
ومما يتبادر للذهن طرحه كسؤال مركب للمرحلة: هل نحن أمام تراجع عن سياسة التهدئة أملته التجاذبات السياسية، أم أننا أمام تطبيق صارم للقانون في إطار الحفاظ على هيبة الدولة؟
*التكافل* إلى أي حد نجح البرنامج/ عثمان جدو
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول النامية، يبرز التضامن الاجتماعي كأداة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق الطبقية عبر برامج موجهة لدعم الفئات الهشة، ويُعدّ برنامج (تكافل)التابع لتآزر نموذجًا بارزًا في هذا السياق.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى نجح هذا البرنامج في تحقيق أهدافه؟
وكيف ينظر إلى تجربة الراحل المرحوم: مولاي الحسن ولد زيدان في تنسيق هذا البرنامج الهام جدا؟ وهل ترك بصمته في سبيل تحقيق مقاصد برنامج فخامة رئيس الجمهورية؟.
يُعتبر برنامج (تكافل) أحد أبرز البرامج الاجتماعية التي تُجسّد تعهدات وطموحات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في سعيه إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية وتعزيز التضامن بين مختلف فئات المجتمع.
فهذا البرنامج يهدف إلى تقديم تحويلات نقدية مباشرة للأسر الأكثر فقرًا، مما يساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية مثل الغذاء والتعليم والصحة، ويُعدُّ خطوة نوعية في الانتقال من المقاربات التقليدية إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافًا وفعالية، تعتمد على قواعد بيانات دقيقة لتحديد المستفيدين الحقيقيين، كما يعكس التزام الدولة بتكريس مبدأ العدالة الاجتماعية، حيث يسعى إلى تقليص الفوارق بين الطبقات والحد من الهشاشة الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، يُجسّد هذا البرنامج طُموح فخامة رئيس الجمهورية في بناء دولة قريبة من المواطن، تستمع لانشغالاته وتعمل على تحسين حياته اليومية.
فقد جاء (تكافل) ضمن حزمة من الإصلاحات الاجتماعية التي تهدف إلى ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
وقد ارتبط نجاح هذا البرنامج بجهود القائمين عليه، وعلى رأسهم منسقه الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي ترك بصمة واضحة في مسار العمل الاجتماعي، فقد حقق نجاحًا معتبرًا على عدة مستويات، حيث أسهم في توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، كالأسر الفقيرة والأرامل، مما عزز مبدأ العدالة الاجتماعية وقلّص من مظاهر التهميش، وساعدت التحويلات النقدية المنتظمة التي يُقدمها في تحسين القدرة الشرائية للمستفيدين، والتخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة التي يقبعون فيها، خاصة في فترات الأزمات؛ كالحروب التي يعيشها العالم الآنوالتي أدت إلى ارتفاع ألأسعار، وسببت أزمة عالمية في المحروقات، إضافة إلى ذلك، لم يقتصر هذا البرنامج على الدعم المالي فقط، بل سعى إلي الاستثمار في الإنسان، من خلال ربط المساعدات بمجالات حيوية كالتعليم والصحة، وهو ما يُعزز بناء رأس مال بشري قادر على الإسهام في التنمية مستقبلاً، كما شهد البرنامج تطورًا ملحوظًا في آليات التنفيذ، خاصة عبر إدخال الوسائل الرقمية التي سهلت وصول الدعم ورفعت من مستوى الشفافية.
ويمكن أن يعتبر هذا البرنامج خطوة متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية، باستهدافه آلاف الأسر الفقيرة من خلال هذه التحويلات النقدية المنتظمة، وفي هذا الإطار، برز دور المنسق الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي عُرف بكفاءته الإدارية وقدرته على تنظيم العمل وتطوير آليات التنفيذ.
فقد عمل الراحل على تعزيز شفافية البرنامج، وتحسين طرق استهداف المستفيدين، مما مكّن من إيصال الدعم إلى شرائح واسعة كانت في أمسّ الحاجة إليه.
وتُشير العديد من التقييمات إلى أن فترة إشرافه شهدت نقلة نوعية، سواء من حيث توسيع قاعدة المستفيدين أو من حيث تحسين الأداء الميداني، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا حرصه الدائم -رحمه الله تعالى- على المتابعة الدقيقة والتنسيق المحكم بين مختلف الجهات المتدخلة.
وخلاصة القول فإن المرحوم مولاي الحسن ولد زيدان نجح إلى حدّ كبير في تنسيق برنامج (تكافل)، وأسهم في جعله أداة فعالة للتخفيف من وطأة الفقر وتعزيز روح التضامن الاجتماعي. وبالتالي ترك بصمة ناصعة في سبيل إرساء مقاصد طموح فخامة رئيس الجمهورية وكذا تعهداته لمواطنيه، هذا مع أن سقف الطلب كان كبيرا فتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة يظل رهينًا بسياسات متكاملة تتجاوز حدود البرامج الظرفية، لتشمل إصلاحات اقتصادية وتنموية عميقة، وبذلك يبقى نجاحه تجربة رائدة تستحق التقدير، وتشكل أساسًا يمكن البناء عليه مستقبلًا.
وفي الأخير فإن برنامج (تكافل) يمثل خطوة مهمة في مسار محاربة الفقر وتعزيز التضامن الاجتماعي في بلادنا، وقد نجح إلى حد كبير في التخفيف من معاناة الفئات الهشة،ولكيلا يظل هذا النجاح نسبيًا في أعين البعض، فإنه يحتاج إلى تعزيز الانتشار وتوسيع التغطية، وتحسين آليات الاستهداف، وربطه ببرامج تنموية منتجة تخلق فرص العمل أكثر فأكثر وتضمن الاستدامة، فالتنمية الحقيقية لا تقوم فقط على الدعم، بل على تمكين الإنسان ليكون فاعلًا أساسيا في بناء مستقبله بنفسه.
الخميس، 30 أبريل 2026
من ميثاق لحراطين إلى ميثاق المواطنة/ عثمان جدو
لا شك أن مسألة العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات الحديثة، وخاصة في الدول التي عانت من تراكمات تاريخية أثّرت على تماسكها الاجتماعي، وفي موريتانيا، برزت عدة مبادرات ووثائق تسعى إلى معالجة هذه الإشكالات، من أبرزها ميثاق لحراطين ثم ميثاق المواطنة المتكافئة، وبين هذين الميثاقين تتضح أوجه اختلاف واتفاق تعكس طبيعة التحديات المطروحة وآفاق الحلول الممكنة.
يُعتبر ميثاق لحراطين وثيقة مطلبية تعبّر عن فئة اجتماعية عانت من التهميش والإقصاء عبر فترات طويلة، حيث يُركّز هذا الميثاق على ضرورة الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرّض لها لحراطين، والعمل على إنصافهم من خلال تمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وضمان حضورهم العادل في مختلف مؤسسات الدولة، كما يدعو إلى محاربة بقايا العبودية وكل أشكال التمييز المرتبطة بها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة.
فميثاق لحراطين برز في موريتانيا كصرخة وعيٍ جماعي ومبادرة نضالية تهدف إلى إنصاف فئة عانت طويلًا من آثار العبودية والتهميش، وسعت إلى استعادة حقوقها المشروعة في الكرامة والمواطنة الكاملة، واتسم الواقع الاجتماعي الذي جاء فيه ميلاد الميثاق بعدم تكافؤ الفرص، حيث ظلت فئة لحراطين تواجه تحديات متعددة، من أبرزها ضعف الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية، واستمرار بعض مظاهر التمييز الذي كانت تعكسه المظاهر الإدارية والتعيينات الأسبوعية، والحظوة في الصفقات العمومية، وبعض الامتيازات الأخرى التي كانت مرآة عاكسة لكل أشكال التمييز المخلة والمعيقة لتقدم ونماء الدولة.
ولقد عبّر هذا الميثاق عن تطلعات هذه الفئة نحو التغيير، من خلال مجموعة من المبادئ والمطالب التي تؤكد على ضرورة القضاء على كل أشكال العبودية ومخلفاتها، وتطبيق القوانين الرادعة بشكل فعلي.
كما دعا الميثاق إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير التعليم الجيد وفرص العمل اللائقة، بما يضمن تمكين أبناء لحراطين من المساهمة الفاعلة في بناء الوطن.
ولم يغفل كذلك عن أهمية التمثيل السياسي، حيث شدد على ضرورة إشراك هذه الفئة في مراكز صنع القرار، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الموريتاني، الذي ينبغي أن يكون تنوعه مصدر قوة لا معول هدم بفعل سياسات التمييز القبيحة التي انتهجتها الأنظمة السابقة.
ومن جهة أخرى، شكّل هذا الميثاق خطوة مهمة في مسار النضال الحقوقي، إذ أسهم في رفع مستوى الوعي الوطني والدولي بقضية لحراطين، ودفع نحو فتح نقاشات جادة حول سبل تحقيق الإنصاف والمساواة، كما ساعد في تعزيز روح التضامن بين مختلف مكونات المجتمع، على أساس أن العدالة لا تتجزأ، وأن تقدم أي مجتمع رهين بإنصاف جميع أبنائه دون استثناء.
ومما لا شك فيه أن هذه المضامين التي تأسس عليها ميثاق لحراطين من أجل رفع التهميش التاريخي عن أحفاد العبيد السابقين والمطالبة بعدالة اجتماعية حقيقية تنصفهم ضد التمييز والإقصاء والحرمان ومحاربة بقايا العبودية والإشراك في التمثيل داخل مؤسسات الدولة؛ كل هذه المطالب وجدت صدى من الاهتمام ومحاولة المعالجة؛ خاصة في السنوات الأخيرة، حيث حاول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذهاب أبعد من التقيد بمعالجة قضايا فئة محدودة إلى محاولة إحداث مصالحة وطنية مع جميع فئات المجتمع تجسد ذلك في خطاباته في مدائن التراث وفي لقاءاته مع المواطنين خلال زياراته التي تتواصل فيها القمة مع القاعدة، كزيارة النعمة وزيارة كيهيدي، وبالتالي قُطعت أشواطا كبيرة في معالجة المشكل الذي كان قائما قبل انبثاق هذا الميثاق المنادي بهذه الحقوق التي تحقق كثير منها بهدوء مما يستدعي إعادة النظر في بقائه على نفس الوتيرة، وفي ذات المنوال، وداخل نفس الدائرة.
وفي المقابل، يأتي ميثاق المواطنة المتكافئة برؤية أوسع وأكثر شمولًا، إذ لا يقتصر على فئة بعينها، بل يُخاطب جميع مكونات المجتمع الموريتاني، ويهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، ونبذ كل أشكال التمييز، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال بناء دولة قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين، فهو يسعى إلى معالجة الاختلالات بشكل عام، دون التركيز على فئة محددة.
والمواطنة المتكافئة يمكن اعتبارها من الركائز الأساسية لبناء دولة عادلة ومستقرة، إذ تقوم على مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز، فميثاق المواطنة المتكافئة يقوم على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها المساواة أمام القانون، ورفض جميع أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي، فالمواطن، بموجب هذا الميثاق، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيره، مثل الحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية.
ومن خلال مضامينه يدعو ميثاق المواطنة إلى تعزيز الوحدة الوطنية باحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، واعتباره مصدر غنى لا سببًا للفرقة، ويؤكد كذلك على أهمية العدالة الاجتماعية، عبر توزيع عادل للثروات والفرص، بما يضمن تقليص الفوارق بين فئات المجتمع.
ومن جهة أخرى، لا يقتصر هذا الميثاق على الحقوق فقط، بل يشدد على الواجبات، مثل احترام القوانين، والمساهمة في تنمية الوطن، والحفاظ على السلم الأهلي، فالمواطنة الحقيقية تقوم على التوازن بين ما يطلبه الفرد من حقوق وما يقدمه لوطنه من واجبات.
وفي السياق العملي، يتطلب تطبيق ميثاق المواطنة إرادة سياسية صادقة؛ وهذه توفرت بوادرها في ظل قيادة الرئيس الحالي السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دعا مرارا وتكرارا إلى تجاوز أخطاء الماضي، واعتبار قيمة المواطن من خلال ما يقدمه لوطنه، ودعم ذلك بإصلاحات قانونية تمثلت في تجريم كل ما يعيد الذاكرة إلى ممارسات التمييز السابقة، وأنشأ محاكم لذات الغرض، ورصدت العقوبات الرادعة لذلك، وسخَّر مؤسسات تضمن المساواة الفعلية، سواء من خلال تمكين المواطن من حقوقه والدفاع عنها، من خلال إصلاح المنظومة القضائية أو من خلال محو الفوارق بالتآزر والرعاية الصحية الشاملة للفئات ذات الأولوية، ومد جسور الامتياز في التعليم إلى أبناء المشمولين في السجل الاجتماعي من ضحايا تاريخ التهميش ليلتحق ابناءهم بأبناء أصحاب الحظوة والتمكين في أرقى تجارب التعليم عندنا، كل ذلك إلى جانب تنشيط دور المجتمع المدني ليكون فعالا في نشر ثقافة المواطنة والتسامح.
ورغم هذا الاختلاف في النطاق، فإن هذين الميثاقين يلتقيان في عدة نقاط جوهرية، أبرزها الدعوة إلى العدالة والإنصاف، ورفض الإقصاء والتهميش، والسعي إلى إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يُظهر أن العلاقة بينها ليست علاقة تعارض، بل هي علاقة تكامل وتدرّج؛ إذ إن تحقيق العدالة لفئة لحراطين كما هو الحال لبقية الفئات الأخرى يُعدّ خطوة ضرورية في سبيل بناء مجتمع تسوده المواطنة المتكافئة، ومن ثمّ، فإن نجاح أي مشروع وطني في موريتانيا يظل رهينًا بقدرته على الجمع بين معالجة القضايا الخاصة وتحقيق المصلحة العامة، في إطار من الوحدة والعدالة والمساواة، وهذا ما وعاه فخامة رئيس الجمهورية وشدد على إنزاله على أرض الواقع من خلال البرامج التي تباشرها حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي وكل مؤسسات الدولة التي يُناط بها هم الوطن والمواطن من قريب أو من بعيد.
لكي ننهض بقطاعنا الخاص ونُعزز سيادتنا الغذائية/ عثمان جدو
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها موريتانيا، يبرز النهوض بالقطاع الخاص كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة، فالقطاع الخاص ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الحديثة، إذ يساهم في خلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتعزيز الابتكار، غير أن النهوض به يتطلب جملة من الإصلاحات والإجراءات التي تهيئ بيئة مناسبة لنموه وازدهاره.
إن أُولى خطوات تطوير القطاع الخاص تتمثل في تحسين بيئة الأعمال، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، والحد من البيروقراطية، وتقليص الوقت والتكاليف لإنشاء الشركات عبر رقمنة الخدمات، وفرض الشفافية في الصفقات العمومية، واستقرار القوانين: فالمستثمر يحتاج وضوحًا وثباتًا في القوانين الضريبية، والاستثمارية بصفة عامة، وكذا تعزيز الشفافية لمحاربة الفساد، وسواء كان المستثمر محليًا أو أجنبيًا، فإنه يحتاج إلى مناخ قانوني مستقر وواضح يضمن حقوقه ويُشجعه على توسيع دائرة نشاطه.
كما يُعدّ التمويل من أبرز التحديات التي تعيق نمو المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مما يستدعي توفير آليات تمويل مُيسّرة؛ كصناديق التمويل والاقتراض الإنتاجي، وتشجيع البنوك على دعم المشاريع الإنتاجية بدل الاقتصار على الأنشطة التجارية، ويمكن كذلك تطوير صيغ تمويل بديلة تتماشى مع خصوصيات مجتمعنا كالتمويل الإسلامي لملاءمته مع واقعنا المحلي.
ولا يقلّ تطوير البنية التحتية أهمية عن غيره، كتوفر الكهرباء بشكل دائم ومستقر وقليل التكلفة، فالكهرباء بالذات في بلادنا مرتفعة التكلفة، ومن أساسيات تطوير البنية التحتية المعينة على الاستثمار؛ تحسين شبكات النقل من موانئ وطرق، وتوسيع خدمات الانترنت وما يتعلق بها من ضرورات الرقمنة، فهذه الأمور كلها عوامل تسهم في تقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الشركات، وتضمن جودة المخرجات.
ومن جهة أخرى، يظهر الاستثمار في العنصر البشري كأساس ثابت لكل نهضة اقتصادية، ولن يتأتى ذلك إلا بإصلاح منظومة التعليم والتكوين المهني لتتلاءم مع متطلبات سوق العمل، وكذا تشجيع روح المبادرة لدى الشباب، وربط المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد بالقطاع الخاص، بالإضافة إلى التركيز على القطاعات الواعدة في البلاد، مثل الزراعة والصيد والمعادن والسياحة، والعمل على تطويرها عبر التصنيع والتحويل بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، مما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة تمتص بطالة الشباب، وتُحرِّك عجلة التنمية.
إن تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في رسم السياسات، من شأنه أن يخلق انسجامًا أكبر ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وخلاصة القول في هذا الباب؛ إن النهوض بالقطاع الخاص في موريتانيا يمثل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولن يتحقق ذلك إلا مع إرادة سياسية قوية، وإصلاحات شاملة تضمن بيئة أعمال مُحفِّزة، وتمويلًا كافيًا، وبنية تحتية متطورة، وموارد بشرية مؤهلة، فمتى ما توفرت هذه الشروط، أصبح القطاع الخاص قادرًا على القيام بدوره الكامل كمحرك رئيسي للنمو والازدهار.
وعلى ذكر القطاعات الواعدة في بلادنا تبرز أهمية الزراعة أكثر من غيرها لامتلاك بلادنا كل المقومات الطبيعية، والإرادة السياسية الداعمة؛ ملدن القيادة الوطنية ممثلة في طموح فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن خلال سعي حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى تنزيل ذلك على أرض الواقع، كل ذلك من أجل إحداث نهضة كبرى في مجال الزراعة، وتحقيق السيادة الغذائية، وإحداث قطيعة تامة مع حالة الاعتماد على منتوج غيرنا من دول الجوار.
ومعلوم أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، جعلت كل دول العالم تسعى جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة، باعتباره ركيزة أساسية للاستقلال والسيادة، وموريتانيا ليست بدعا عن ذلك، بل هي من بين الدول التي خطت مؤخرا خطوات معتبرة في هذا الاتجاه، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية وبرامجها التنموية الطموحة.
فلقد شهد القطاع الزراعي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، نتيجة اعتماد سياسات تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في الزراعة، فعملت الدولة على استصلاح مساحات زراعية واسعة، خاصة في الضفة، ووفرت البذور المحسنة، وعززت استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة عموما، وزراعة الخضروات خصوصا.
كما ساهمت الجهود الحكومية في دعم المزارعين من خلال التمويل والتأطير الفني، إضافة إلى إطلاق مشاريع كبرى تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الأساسية مثل الأرز والخضروات، ولم يعد القطاع الزراعي في بلادنا نشاطًا تقليديًا فحسب، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على الخارج.
ومن جهة أخرى، فإن تحقيق السيادة الغذائية لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضًا تحسين سلاسل التوزيع والتخزين، والحد من الهدر، وتعزيز الصناعات الغذائية المحلية، وفي هذا السياق، بدأت موريتانيا تخطو خطوات مهمة نحو بناء منظومة غذائية متكاملة.
ويمكن القول إن موريتانيا باتت بالفعل قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي، غير أن هذا الهدف يظل رهينًا بمواصلة الإصلاحات، وتعزيز الاستثمار، ومواجهة التحديات المناخية، فبإرادة قوية وتخطيط سليم، يمكن للبلاد أن تحقق سيادتها الغذائية وتؤمّن مستقبلها الاقتصادي بكل ثقة وأمان.
الخميس، 23 أبريل 2026
نهج غزواني في تسيير العلاقات الخارجية (مقال)
تنحو السياسة الموريتانية في السنوات الأخيرة منحى يُظهر يوما بعد يوم قدرا كبيرا من الحكمة في تسيير العلاقات الخارجية؛ حيث اتسمت بالاعتدال والتوازن والبراغماتية، بعيدًا عن التوترات والصراعات الإقليمية، ويعكس هذا المسار الهادئ وجود شخصية مُتَّزنة وقادرة على التحكم في الانفعالات، وهي سمة يُقدّرها القادة في العلاقات الدولية، حيث تُبنى القرارات الكبرى على التعقل لا التسرّع، فالقائد الذي يتحدث بهدوء ويستمع أكثر مما يتكلم، يُنظر إليه كشريك موثوق يُمكن التفاهم معه.
وهذا النهج الهادئ والمتزن؛ هو ما يميز الحكمة التي تُدار بها البلاد الآن إذ يعتمد الغزواني على الدبلوماسية الناعمة بدل التصعيد، فيتعامل مع مختلف القضايا الدولية بروح الحوار والتفاهم، مما أكسب موريتانيا احترامًا متزايدًا على الساحة الدولية، وهذه الصورة تعكسها طريقة التعامل مع استفزازات بعض دول الجوار بأسلوب طائش، قابله الرئيس بحكمة ناضجة.
ومن نافلة القول إن شخصية القائد تُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاحه داخليًا وخارجيًا، إذ لا تقتصر القيادة على اتخاذ القرارات فحسب، بل تشمل أيضًا أسلوب التعامل وطريقة التواصل مع الآخرين.
وفي عالم تسوده التوترات والتحديات، يبرز الهدوء كصفة نادرة ومُؤثرة في كسب الثقة والاحترام، ومن هذا المنطلق، يُعدّ هدوء محمد ولد الشيخ الغزواني وحكمته في تقدير المواقف من أبرز السمات التي أسهمت في تعزيز مكانته على الساحة الدولية.
كما تتجلى هذه الحكمة في تنويع الشراكات الدولية، حيث لم تقتصر علاقات موريتانيا على طرف واحد، بل عملت على تعزيز التعاون مع دول متعددة مثل فرنسا وإسبانيا، والمحيط الإفريقي والعمق العربي إلى جانب الانفتاح على شركاء جدد في مختلف بقاع العالم، بما يخدم المصالح الوطنية ويقلل من التبعية.
ومعلوم أن الدبلوماسية الحديثة تنسجم مع الهدوء والتفاوض الناعم أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يجعل حضور القائد الذي يتشبع بهذه المميزات في اللقاءات الدولية مقبولًا ومريحًا، خاصة عند التعامل مع قضايا معقدة كالأمن في منطقة الساحل، مثلا؛ التي تحيط بنا وتفرض علينا التفكير دوما بما يقتضيه لزوم العيش المشترك أو التعاون الاقتصادي الدولي الذي هو الشغل الشاغل لكل دول العالم.
وهذا النهج القويم يُساهم لا محالة وبشكل كبير في تعزيز صورة موريتانيا كدولة مُستقرة ومُتزنة، وهو أمر مهم في كسب ثقة الشركاء الدوليين وجذب الاستثمارات والدعم،فالسياسة الناجحة تعمل على تحقيق التوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، بحيث تُسخّر العلاقات الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية المحلية وجلب المنافع، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.
ومما لا شك فيه أيضا أن طريقة التسيير التي اعتمدها غزواني كفلسفة راسخة لديه أظهرت التركيز على البعد الأمني والاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل، حيث تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم، دون الانجرار إلى سياسات المواجهة الحادة؛ مع عدم اغفال أهمية مسايرة ذلك بمفاتيح التنمية؛ كضامن أساسي لترسيخ الأمن الفعال والمؤثر، تأثيرا إيجابيا ينفع الناس ويمكث في الأرض.
بالإضافة إلى ما تقدم حمل تصريح محمد ولد الشيخ الغزواني في دكار رسائل دبلوماسية نموذجية مُؤكدة على ما سبق ومن ذلك أنه (لا يمكن تحقيق الاستقرار بالاقتصار على المقاربة الأمنية) ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقاً بأن الأزمات في منطقة الساحل ليست أمنية فقط، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية.
فالفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، كُلها تُغذي بيئات الهشاشة التي تستغلها الجماعات المتطرفة، لذلك، فإن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها قد يحدّ من التهديد مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة بشكل نهائي.
وفي الجانب الآخر من هذه المعالجة يلزمنا أن نُشير إلى أن هذا النهج الرزين الذي رسم ملامح تسيير غزواني للسياسة الخارجية، وكذا القضايا الوطنية، وجد سندا قريبا، قويا،وعونا سديدا، تمثل فيما لعبته وتلعبه السيدة الأولى مريم منت الداه إلى جانب زوجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كعامل داعم وإيجابي في عدة مجالات، ولأن السيدة الأولى في أي دولة تلعب دورًا رمزيًا وإنسانيًا مهمًا، يتجاوز البروتوكول العادي إلى الإسهام في دعم صورة الدولة وتعزيز جهود القيادة السياسية، فقد برز دور منت الداه جليا في الأمور التالية:
أولًا: الدعم المعنوي والسياسي: إذ تُعد السيدة الأولى سندًا معنويًا للرئيس، حيث ظهرت خلال الزيارات الرئاسية بصورة مُتزنة ومحافظة تعكس القيم الثقافية الأصيلة والنظيفةللمجتمع الموريتاني، وما ذلك إلا من طيب منبعها، وطبعا ماء العود من حيث يعصر؛ ولقد ساهمت بذلك في تعزيز حضوره الاجتماعي والإنساني، وهي عندما ترافقه في بعض الأنشطة الرسمية، تُعطي صورة ناصعة عن التماسك والاستقرار داخل مؤسسة الرئاسة، وهذا الظهور المتوازن يعكس انسجامًا ينعكس إيجابيًا على ثقة المواطنين، ويُساهم أيضا في تقديم صورة إيجابية عن البلاد لدى الرأي العام الدولي.
ثانيًا: العمل الاجتماعي والإنساني: لقد عُرفت السيدة الأولى بانخراطها الدائم في مجالات اجتماعية كثيرة مثل دعم الفئات الهشة، والعناية بالمرأة والطفل، وتشجيع العمل الخيري، وتبني قضايا أصحاب الهمم، كل هذه الجهود تُكمّل السياسات الحكومية وتُضفي عليها بُعدًا إنسانيًا، مما يقرب الدولة من المواطن ويُحسن صورتها في ذهنه.
ثالثًا: تحسين صورة موريتانيا خارجيًا: فمن خلال مشاركاتها في الأنشطة الدولية واستقبالها لشخصيات أجنبية، تساهم السيدة الأولى في تقديم صورة إيجابية عن موريتانيا، تعكس قيم التضامن والانفتاح، وتدعم الدبلوماسية الناعمة التي تسعى الدولة إلى إظهارها كخيار آمن وفعال، ومنهج مُؤثر يصلح به ما أفسده غيره من الخيارات الخشنة، أو المتهورة.
رابعًا: تعزيز قضايا المرأة: حيث يُشكل حضورها فرصة لإبراز دور المرأة الموريتانية الريادي، وإيجابيتها المميزة في المجتمع، والدفع نحو تمكينها في مختلف المجالات، سواء عبر التوعية أو دعم المبادرات النسوية ورعايتها، والانخراط الفعال في إنجازها.
أخيرا يمكن القول إن دور السيدة الأولى مريم منت الداه يتكامل مع جهود الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث يُضيف بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا للسياسات العامة، ويُساهم في ترسيخ صورة إيجابية عن الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو ما يجعل هذا الدور عنصرًا مهمًا في دعم القيادة وتعزيز حضورها، وبالتالي فإن دور السيدة الأولى لم يكن يوما شكليًا، بل ساهم فعليًا في دعم صورة موريتانيا كدولة مستقرة، متضامنة اجتماعيًا، ومنفتحة على العالم، وذلك من خلال توظيف “القوة الناعمة” إلى جانب الجهود السياسية للرئيس.
PartagerFacebookTwitterWhatsApp
الأحد، 19 أبريل 2026
هدم المنازل واختتام زيارة الرئيس: التزامن المربك / عثمان جدو
تعيش المجتمعات أحيانًا على وقع أحداث متزامنة؛ تثير تساؤلات متعددة، وتفتح الباب أمام التأويلات المختلفة، ومن ذلك ما شهدته وتشهده الساحة الموريتانية في الآونة الأخيرة من جدلٍ واسع حول قضية هدم المنازل، خاصة ما شهدته مقاطعة تيارت من عمليات هدم لبعض المنازل، بالتزامن مع عودة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من زيارته لفرنسا يثير كثيرا من التساؤلات؛ عن جدوى استهداف مساكن المواطنين البسطاء أولا؛ بدل ملاحقة السماسرة الذين يقفون وراء بيع الأراضي بطرق غير قانونية، وكذا التوقيت، فلماذا مثلا تطبيق هذا الإجراء على هذا المكان في هذا الزمان؟ وهو الزمان الذي يعكس لحظة تنتشي فيها البلاد بصدى نتائج زيارة الدولة التي أداها فخامة الرئيس لفرنسا بكل نجاح.
إن هذه الإشكالية تطرح أبعادًا قانونية واجتماعية وأخلاقية تستحق التحليل لفهم خلفياتها وتداعياتها، وطبعا يدفع هذا التزامن بين الهدم واختتام الزيارة بنجاح بعض المتابعين إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر بإجراء إداري داخلي روتيني أم أنه محاولة للتشويش على نتائج الزيارة، عن قصد أو خلافه؟ ولن يستساغ القصد مهما تجلى سوء التقدير والحماقة في توظيف التوقيت، فلا يعقل أبدا أن تعمل مصالح إدارية للدولة على التشويش المتعمد على زيارة رئاسية بهذا الحجم وهذه القيمة وذاك النجاح؛ لكن التحليل وضرورة بسط الرؤى ومعالجة الأفكار يقودنا إلى طرح كل الاحتمالات بتجرد وموضوعية.
وبالتالي فإن هدم المنازل يبدو للوهلة الأولى كإجراء قاسٍ يطال الفئات الضعيفة، خصوصًا أولئك الذين اقتنوا أراضيهم بحسن نية، معتقدين أن معاملاتهم سليمة، لكن عندما نعلم أو تستظهر لنا الجهات المعنية ببيان يوضح أن الدولة تستند في هذا الإجراء إلى تطبيق القانون، الذي تعتبر البناء على أراضٍ غير مرخصة مخالفة صريحة تستوجب الإزالة، وأن هذا هو لب القضية، وحقيقة الحدث، حينها نفهم أن هذا الخيارأي خيار الهدم يُعد الخيار الأسرع من حيث التنفيذ وربما التأثير، حيث يحقق هدف فرض النظام وإظهار هيبة الدولة في مواجهة الفوضى العمرانية، وبالتالي فإن عمليات هدم المنازل في المدن ظاهرة ترتبط غالبًا باعتبارات تنظيمية وعمرانية، إذ تسعى السلطات إلى محاربة البناء العشوائي، وتطبيق مخططات التهيئة الحضرية، أو تنفيذ مشاريع تنموية تتطلب إعادة تنظيم المجال.
وعليه، فإن هذه الإجراءات تدخل في إطار السياسات الداخلية التي تُنفَّذ بشكل دوري، بغض النظر عن السياقات السياسية أو الدبلوماسية.
لكن في المقابل، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا يتم التركيز على السماسرة الذين تسببوا في هذه الأزمة؟ وإن كانت الحقيقة أن ملاحقة هؤلاء ليست بالأمر السهل، نظرًا لاعتمادهم أساليب ملتوية، مثل العمل عبر وسطاء متعددين أو غياب وثائق رسمية واضحة تثبت تورطهم.
كما أن ضعف نظام التوثيق العقاري يساهم في تعقيد المسألة، إذ تنتشر في بعض المناطق وثائق متضاربة أو غير مكتملة، ما يفتح الباب أمام عمليات احتيال يصعب تتبعها قانونيًا.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال احتمال وجود تقصير إداري أو حتى تواطؤ في بعض الحالات، حيث يُطرح سؤال مشروع حول كيفية السماح أصلًا ببيع هذه الأراضي، وأحيانا يدعي أحدهم الحصول على إذن بناء فكيف تم ذلك؟ وعلى أي أساس سليم مُنح؟، هذا العامل يزيد من حساسية الملف، ويجعل معالجته تتطلب إصلاحات عميقة بدل الاكتفاء بإجراءات ظاهرية، ضحيتها من زاويتين المواطن الضعيف.
وعليه، فإن الاقتصار على هدم المنازل دون معالجة جذور المشكلة لا يؤدي إلا إلى تفاقم الشعور بالظلم لدى المواطنين، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لحمايتهم أو تعويضهم.
ومن جهة أخرى فإن الزيارات الرسمية التي يقوم بها رؤساء الدول، مثل زيارة الرئيس الغزواني إلى فرنسا، تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية، وتهدف أساسًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وجذب الاستثمارات، وتوطيد التعاون في مجالات حيوية.
وهذه الملفات تُدار على مستوى عالٍ من التنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا ترتبط عادة بقرارات إدارية محلية محدودة.
غير أن التزامن الزمني بين الحدثين قد يدفع بعض الأطراف إلى الربط بينهما، خاصة في ظل حساسية القضايا الاجتماعية مثل هدم المنازل، التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
كما أن التغطية الإعلامية المكثفة لمثل هذه القضايا قد تطغى أو تشوش على الأحداث السياسية، رغم أهميتها؛ مما يعزز هذا الربط في أذهان البعض، حتى وإن لم يكن قائمًا على أدلة موضوعية.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن هدم المنازل في تيارت يُرجَّح أن يكون جزءًا من سياسات داخلية تهدف إلى تنظيم المجال العمراني، وليس محاولة متعمدة للتشويش على نتائج زيارة خارجية. ومع ذلك، يبقى من الضروري مراعاة البعد الاجتماعي لهذه القرارات، وضمان الشفافية والعدالة في تنفيذها، حتى لا تتحول إلى مصدر توتر أو سوء فهم لدى المواطنين.
فالقضية ليست مجرد تطبيق بسيط للقانون، بل هي إشكالية مركبة تتداخل فيها مسؤوليات متعددة، وحلها العادل والناجع لا يكمن في استهداف الحلقة الأضعف، بل في تبني مقاربة شاملة تقوم على محاسبة السماسرة، وإصلاح نظام العقار، وتعزيز الشفافية الإدارية، مع توفير الحماية للمواطنين الذين اشتروا هذه القطع الأرضية بحسن نية؛ إذ لا يعقل أبدا أن يجازفوا بأموالهم، لكنهم ضحايا مغرر بهم، وبهذا فقط يمكن تحقيق التوازن بين فرض القانون وضمان العدالة الاجتماعية.
وفي الأخير نشير إلى أنه كان بالإمكان أحسن كثيرا مما كان فكان الأولى فيما حصل أن تُحلَّ هذه القضية دون هدم المنازل القائمة، فآخر الدواء الكي، وكان الأفضل والأنسب ألا تعالج هذه المعالجة التي أظهرت خشونة وقسوة في لحظة فرح وطنية ونشوة بنتائج زيارة فخامة الرئيس؛ التي كان يلهو بأحداثها وتفاصيلها كل المواطنين ويجعلونها مائدة يُشرب عليها الشاي بهدوء وفرح، قبل أن تنغص على المشهد تلك المقاطع المصورة لعملية الهدم وما تتخللها من مشادات وتجاذبات وصراعات عجت بها منصات التواصل الاجتماعي مع كامل الأسف على سوء تقدير قيمة اللحظة الثمينة!!.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






