الكَراي (المدرس)
الاثنين، 22 يونيو 2026
حول السجال الذي دار تحت قبة البرلمان بين وزير الداخلية ومُسائِليه من النواب/ عثمان جدو
تميزت جلسة مساءلة وزير الداخلية بحضور برلماني كبير، يعكس أهمية اللحظة ومحورية الحديث، وهو مشهد عَكْسَ حالِ كثير من الجلسات التي تفتقد إلى النصاب المعطل او المسهل للتمرير أو التشريع، ولقد تميزت هذه الجلسة بقوة السجال بين النواب ووزير الداخلية حول آلية تقييد المواطنين عموما وفي منطقة الضفة خصوصا باعتبار التقييد نموذجًا للتحديات التي تواجهها الدولة عند التوفيق بين متطلبات تأمين السجل المدني وضرورة تسهيل حصول المواطنين على الوثائق الأساسية.
إن من الملاحظ تركيز عدد من النواب على شكاوى بعض السكان من صعوبة استكمال إجراءات التقييد، وإظهار معاناتهم في القرى والمناطق النائية مع الوثائق الثبوتية المطلوبة.
ولقد أبدى هؤلاء النواب تخوفهم من حرمان بعض المواطنين من حقوقهم المدنية بسبب التعقيدات الإدارية أو نقص بعض الوثائق، وطالبوا بمزيد من المرونة في التعامل مع الحالات الخاصة والقديمة التي يفرضها الأمر الواقع.
ومن جهته، أكد معالي وزير الداخلية أن التقييد المدني يجب أن يستند إلى معايير قانونية واضحة تحفظ مصداقية السجل الوطني، وبين أن التساهل غير المنضبط مع عملية تقيد المواطنين قد يفتح الباب واسعا أمام التزوير أو الازدواجية في الهويات بعيدا عن الأطر القانونية المشروعة.
ولقد أكد معاليه على أن الدولة تعمل على تقريب خدمات الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة من المواطنين، وأن اللجان الفنية والإدارية تدرس الملفات وفق القوانين المعمول بها مع مراعاة الحالات الإنسانية والاجتماعية.
بعد هذا النقاش المستفيض تحت قبة البرلمان اتضحت جملة من الدلالات السياسية والإدارية
حيث كشف هذا النقاش الهام جدا عن ثلاثة أبعاد مهمة تجلت في:
البعد الحقوقي: ويتجلى في ضمان حق كل مواطن في الحصول على أوراقه الثبوتية شريطة الاستظهار بكل ما يلزم من الناحية القانونية والإجرائية والتنظيمية.
البعد الأمني: ويظهر من خلال حماية السجل السكاني من الأخطاء والتلاعب، فلقد كان في سالف الزمن بعض الأجانب يسخرون من الوثائق الوطنية؛ ويرددون بأن الحصول عليها أسهل بكثير من الحصول على الغذاء والماء والدواء، أما اليوم فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أن مستوى الأمان الذي وصلت إليه الوثائق الوطنية من أهم المكاسب السيادية منذ نشأة الدولة المدنية بصبغتها الوطنية، ومعروف أن كل البرامج الحكومية التنموية أصبحت تعتمد في تنفيذها على برنامج السجل الاجتماعي الذي يعد ركيزة أساسية لدى مندوبية تآزر في تطبيق برامجها الاجتماعية، ولولا ضبط الوثائق وتأمينها أصلا من خلال الجاهزية العالية التي أصبحت تتمتع بها الوكالة الوطنية لسجل السكان لما كان لهذه البرامج التي أصبحت محل إشادة يتفق عليها الجميع ذكر ولا حس ولا خبر.
البعد التنموي: لا خلاف في أهمية التقييد المحكم والمنظم والمحمي من التلاعب والفوضى في التنمية المستدامة؛ فالتقييد المدني السليم شرط أساسي للاستفادة من التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وبرامج الدعم الحكومية.
إن المقاربة الأمنية التي انتهجها الدولة وباشر تنفيذها بكل اقتدار معالي وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين خلال السنوات الأخيرة، قامت على عدة محاور رئيسية:
حيث اعتمدت بكل وضوح على تعزيز الأمن الوقائي والاستباقي من خلال رفع جاهزية الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات قبل وقوعها، خاصة في ظل محيط إقليمي مضطرب وتحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة، وعُمل على عصرنة المنظومة الأمنية عبر تحديث التجهيزات والوسائل الفنية واللوجستية، وتوسيع التغطية الأمنية وإنشاء مراكز جديدة، وتأهيل الموارد البشرية باكتتاب دفعات جديدة من الشرطة والأجهزة التابعة للقطاع، وتحسين التكوين والقدرات المهنية والعملياتية للعناصر الأمنية، وكذا تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية وتبادل المعلومات والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحوادث الأمنية المختلفة لسد الثغرات المحتملة، وضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية باعتبارها من أبرز التحديات الأمنية المطروحة على البلاد، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود وتعزيز حضور الدولة في مختلف المناطق لحماية المواطنين وممتلكاتهم.
أشفع ذلك كله بتقريب الإدارة من المواطن، وترسيخ دولة القانون باعتبار الأمن مرتبطًا بفعالية الإدارة المحلية وحضور الدولة في جميع أنحاء البلاد، وربط الأمن بالتنمية والاستقرار الاجتماعي، حيث يتأكد باستمرار أن الأمن شرط أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجذب الاستثمار.
لا يمكن أن نقلب صفحة الحديث عما دار تحت قبة البرلمان بين معالي وزير الداخلية الذي يُعد العمود الفقري للنظام القائم وبعض النواب المشاكسين حول الهوية الوطنية دون ذكر القيمة السيادية، المضافة، العالية جدا للوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة؛ والتي أزيل عنها كل ستار خدَّاع أو لبس متعمد، ففي عهد وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين انكشفت كل مفاتيح الأهمية في جوانبها الاستراتيجية والإدارية والأمنية ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط التالية:
1. تعزيز أمن الهوية الوطنية: حيث أتاحت الوكالة بناء سجل بيومتري متكامل يعتمد على البيانات الشخصية والبصمات والخصائص البيومترية، مما يحد من التزوير وانتحال الهوية ويعزز موثوقية الوثائق الرسمية.
2. تطوير الخدمات الرقمية: إذ شهدت الوكالة توسعًا في استخدام الأنظمة الرقمية وتطبيق *هويتي* المميز جدا، مما سهل على المواطنين تقديم الطلبات ومتابعتها وتقليل الوقت والجهد وتكاليف التنقل.
3. تقريب الإدارة من المواطنين: فقد تم توسيع شبكة مراكز الاستقبال وإصدار الوثائق في مختلف الولايات والمقاطعات، بما يساهم في تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية وتقليص المركزية.
4. دعم المقاربة الأمنية للدولة: حيث أصبحت قاعدة البيانات الوطنية أداة أساسية لضبط الحدود، ومراقبة تدفقات الهجرة، والتعرف على الهويات، ومكافحة الجريمة المنظمة والتزوير. وقد اعتبرت السلطات أن السجل الوطني للوثائق المؤمنة يمثل ركيزة محورية في المنظومة الأمنية الحديثة.
5. تنظيم وضعية الأجانب والمقيمين: من المعروف والمؤكد أن هذه الوكالة ساهمت بفعالية في إنشاء آليات لتسجيل الأجانب وإصدار وثائق الإقامة والتأشيرات البيومترية، بما يعزز ضبط حركة الأشخاص واحترام الأطر القانونية للإقامة.
6. تحسين جودة الوثائق الرسمية: إذ أتاح النظام المندمج الجديد إنتاج وثائق مؤمنة عالية الجودة تشمل بطاقات التعريف وجوازات السفر ووثائق الحالة المدنية ورخص السياقة وغيرها، وفق معايير تقنية أكثر تطورًا.
7. تعزيز صورة موريتانيا إقليميًا: ذلك أن تجربة موريتانيا في مجال السجل السكاني والوثائق المؤمنة أصبحت محل اهتمام دول مجاورة، وهو ما تجسد في زيارات رسمية للاطلاع على التجربة الموريتانية والاستفادة منها.
وخلاصة القول أن الخلاف الذي دار بين النواب والوزير في هذه الجلسة البرلمانية الاستثنائية لا يتمحورفي جوهره على أهمية التقييد المدني، فالجميع يتفق على ضرورته، وإنما يدور حول كيفية تحقيق التوازن بين الصرامة القانونية المطلوبة لحماية الهوية الوطنية وبين المرونة الإدارية اللازمة لضمان عدم إقصاء المواطنين، خصوصًا في مناطق الضفة التي تمتلك خصوصيات تاريخية واجتماعية تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة.
وتبقى هناك ملاحظة واردة مفادها أن الانتماء للدولة محدد باشتراطات قانونية ولا يعني ابدا ان الانتماء الأسري كفيل بالتطابق الهوياتي؛ فمثلا يمكن لأبناء العمومة الذين يوحدهم الاسم العائلي أن تفرقهم الحدود، وهذا حاصل في البلاد جنوبا سواء على مستوى الضفة أو باقي الحدود مع مجمل دول الجوار بما في ذلك محور الشمال.
الأحد، 14 يونيو 2026
ما الفائدة المنتظرة من برنامج عون وأمثاله؟ / عثمان جدو
منذ توليه السلطة سنة 2019، جعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني البعد الاجتماعي محورًا أساسيًا في برنامجه، وأطلق أو وسّع عدة برامج استهدفت الفئات الهشة ومحدودة الدخل.
ومن أهمها: مندوبية *تآزر*
تُعد المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (تآزر) أبرز أداة اجتماعية في عهد فخامة الرئيس غزواني، وقد وصفها هو نفسه بأنها "العنوان الاجتماعي الأبرز في برنامج -تعهداتي- فمن خلال تآزر نُفذت برامج للتحويلات النقدية على كثير من المواطنين الذين كانوا يعانون الهشاشة والتهميش، ومن خلالها تنوع دعم الأسر الفقيرة، وتوسعت دائرة التأمين الصحي، وزاد عدد المستفيدين من السكن الاجتماعي، وتمت رعاية وتمكين بعض الشباب من الأنشطة المدرة للدخل، ولبسط الحديث قليلا عن هذه البرامج يمكن القول إن من أهمها وأكثرها ملامسة لاحتياجات المواطن:
برنامج التكافل للتحويلات النقدية
وتكمن أهمية هذا البرنامج في كونه يوفر مساعدات مالية دورية لعشرات الآلاف من الأسر الفقيرة بهدف دعم قدرتها الشرائية، ومساعدتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، وبالرغم من كثرة اللقط المثار حول قيمة ومقدار المبالغ الموزعة فإنها تبقى متنفسا يحتل قيمة مادية ومعنوية كبيرة في نفوس المستفيدين منه والذين لا يملكون دخلا أصلا، وفي الغالب يعجزون عن مزاولة الأعمال التي تتطلب جهدا أو تركيزا ما؛ لم تعد أبدانهم ولا أذهانهم تعينهم على مزاولته.
التأمين الصحي للفئات الهشة
عندما أطلق فخامة الرئيس برنامجًا للتأمين الصحي المجاني أو المدعوم لصالح الأسر الفقيرة، واستفادت منه أكثر من 100 ألف أسرة، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ موريتانيا الاجتماعي والصحي؛ كثر القائلين من المعارضين أن النظام الصحي هش وأن هذا التأمين المذكور لا يعدو كونه ظاهرة صوتية سرعان ما يتلاشى صداها!!، ومع مرور الوقت ظهرت الحكمة الكبيرة في هذه الخطوة والفائدة العجيبة التي جعلت اليوم أكبر مستفيد من الرعاية الصحية هم هؤلاء المشمولين في هذا التأمين الصحي المجاني؛ حتى أن حالهم الآن وانسيابية رعايتهم عند *اكنام* أفضل بكثير من الموظفين الذين يعانون ذهابا وجيئة من أجل استيفاء الإجراءات اللازمة للاستفادة من خدمات الرعاية الصحية، وبالتالي فإن هذا التأمين المجاني أصبح فتحا صحيا ظاهرا يتمتع بنداه العجزة وأصحاب الأمراض المزمنة؛ وهنا تكمن فائدته وقيمته الحقيقية.
برنامج "داري" للسكن الاجتماعي
كان الهدف الأساسي لبرنامج داري للسكن الاجتماعي هو توفير قطع أرضية وخدمات سكنية للأسر الأكثر هشاشة، خصوصًا في الأحياء العشوائية ومناطق الهشاشة؛ لكن مزية كبيرة حصلت منه أيضا عندما وهب فخامة الرئيس المنازل المجمعة فيه لدعم صندوق سكن المدرسين، وهي الخطوة التي يمكن أن يُقال أن نداها وفائدتها لابد وصلت جميع افراد المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وذلك لأن أي أسرة ليس من أفرادها المباشرين مدرس فإنه حتما سيكون من أفرادها المحيطين أو على الأقل من الذين يتولون رعاية أبنائهم وتدريسهم وتهذيبهم، وبالتالي يسرهم ما يسرهم، ويفرحون لما ينفس عنهم كربة ما؛ وما موضوع السكن إلا كربة لمن عجز عنه، وراحة ومأوى وطمأنية لمن قدر عليه.
برنامج التموين
وهذا البرنامج يستهدف دعم الأمن الغذائي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين عبر توفير المواد الأساسية للفئات المحتاجة وهنا تظهر القيمة الكبيرة لإسهامات مفوضية الأمن الغذائي كركيزة أساسية في البرنامج الاجتماعي لصاحب الفخامة، ويظهر ذلك أكثر من خلال برنامج *عون* الذي أطلقه فخامة الرئيس وسنصل إلى الحديث عنه في الجزء الموالي من هذا المقال.
برامج دعم الأنشطة المدرة للدخل
تشترك قطاعات عدة في إنجاز وتوفير تمويلات وقروضً صغيرة ومساعدات للمشاريع الأسرية والشبابية بهدف الانتقال من الدعم المباشر إلى التمكين الاقتصادي؛ وكل ذلك من أجل أن تلامس الجهود المبذولة يد المستحق الذي ينفعه ويسعفه القليل، ويرضى باليسير الذي قد يُصيره ترشيد ما آل إليه من دعم ومساندة إلى حال الأمير بالقناعة والاكتفاء عن الآخرين.
برنامج *تعمير – مدن التآزر*
وهذا البرنامج هو الآخر أُطلق لتطوير المناطق الهشة من خلال تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وبالتالي يلاحظ المتتبع بعد بسط اليسير من الكلام عن هذه البرامج أنها تُكمل بعضها البعض وصولا إلى دعم قدرات المواطنين الأكثر حاجة والمناطق الأحوج إلى التدخل، وبالتالي الانتقال من التدخلات المحدودة إلى بناء شبكة أوسع للحماية الاجتماعية.
بالإضافة إلى ما حققته البرامج المذكورة آنفا سواء عن طريق تآزر أو عن طريق مفوضية الأمن الغذائي أو غيرها من القطاعات فإن برنامج *عون* بمكوناته التي تباشر تنفيذها تآزر ومفوضية الأمن الغذائي كل في دائرة اختصاصه، والذي أطلقه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مباشرة يُعد من أكبر برامج الدعم الاجتماعي في موريتانيا على الإطلاق، إذ يستهدف أكثر من 352 ألف أسرة تضم ما يزيد على مليوني مواطن من المسجلين في السجل الاجتماعي، من خلال تحويلات نقدية مباشرة وسلات غذائية مضاعفة الكمية في بعض محتوياتها وهي موجهة بالأساس للأسر الأكثر هشاشة.
وهذا لا شك حدث مهم يُنتظر من ورائه حصول قيمة كبيرة وكبيرة جدا، وذلك لكونه برنامجًا واسع النطاق للحماية الاجتماعية يستهدف بالأخص الأسر الأقل دخلًا والفئات الهشة في مختلف ولايات البلاد، مما يجعله أكبر برامج الدعم الاجتماعي من حيث عدد المستفيدين والانتشار الجغرافي.
ومن أبرز الآثار والفوائد المنتظرة منه:
1- التخفيف من أعباء المعيشة عبر التحويلات النقدية المباشرة للأسر المحتاجة، مما يساعدها على مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة.
2- تعزيز الأمن الغذائي من خلال توزيع السلات الغذائية على الأسر المستفيدة، بما يضمن توفير الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة؛ خاصة في ظل هذه الأزمة العالمية الحالية التي تزيد من حدتها تداعيات الحرب حول مضيق هرمز وغيرها من الحروب التي تؤثر على مسار الغذاء ووسائل نقله عبر العالم.
3- رفع القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في المناطق الفقيرة والريفية التي تتأثر أكثر بالتقلبات الاقتصادية في ظل ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية العالمية والمحلية.
4- الحد من الفقر والإقصاء الاجتماعي عبر توجيه الدعم مباشرة إلى المستحقين وتحسين ظروفهم المعيشية، وتعزيز الثقة في السياسات الاجتماعية للدولة إذا تم تنفيذ البرنامج بشفافية وعدالة ووصل الدعم إلى مستحقيه في الوقت المناسب.
5- تعزيز الشفافية والفعالية عبر الاعتماد على الوسائل الرقمية والرسائل النصية في توجيه المستفيدين وتسهيل حصولهم على الدعم، ولقد تابعنا ضغطة زر واحدة قام بها فخامة رئيس الجمهورية من خلالها تصل الرسائل مباشرة إلى المستفيدين ثم تتدفق إليهم تحويلاتهم المالية المقررة لهم.
لكل هذه الاعتبارات والنتائج فإن القيمة الحقيقية المنتظرة من *عون* لا تكمن فقط في المساعدات الآنية، بل في ترسيخ شبكة حماية اجتماعية تخفف الفقر وتعزز الاستقرار الاجتماعي وتدعم كرامة المواطنين الأكثر احتياجًا.
وبالتالي فإن برنامج *عون* من الناحية السياسية والاجتماعية يعكس توجه الدولة نحو جعل العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر في صدارة السياسات العمومية، ويُجسد حرص السلطات على التخفيف من الأعباء المعيشية عن المواطنين الأكثر هشاشة.
لذلك فهو ليس مجرد مساعدة ظرفية، بل خطوة مهمة نحو توسيع شبكة الأمان الاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية للفئات الضعيفة في المجتمع الموريتاني.
الأربعاء، 10 يونيو 2026
لقاء فخامة الرئيس بأطياف المعارضة: الفرصة الثمينة/ عثمان جدو
يكتسي لقاء فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بقادة أطياف المعارضة أهمية سياسية كبيرة، سواء من زاوية إدارة الشأن الداخلي أو من زاوية تعزيز الاستقرار الوطني.
وقد جاءت هذه اللقاءات في سياق التشاور حول القضايا الوطنية؛ الاقتصادية والاجتماعية والحوار السياسي المرتقب خصوصا، ويُعد هذا اللقاء في حد ذاته خطوة إيجابية تعزز ثقافة الحوار وتؤكد أن الاختلاف السياسي لا يمنع التشاور حول مصالح الوطن، وبما أنه يتنزل في سياق نقاش قضايا حساسة مثل غلاء المعيشة وأزمة الطاقة والحوار الوطني، فقد أخذ بعدا هاما وأهمية خاصة.
ومن المهم جدا ألا يظل هذا اللقاء مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل الآراء، بل من الضروري جدا أن يُتبع بمسار عملي لكي يشكل بداية مرحلة جديدة من التهدئة والتوافق الوطني، ومن المهم جدا أن يتحول إلى آلية دائمة بين السلطة والمعارضة وسيحسب لا محالة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فضل سنها كسنة حسنة وبادرة طيبة، فهي الممهد الأساسي لإطلاق حوار وطني شامل يناقش القضايا الكبرى مثل الحكامة، والاقتصاد، والوحدة الوطنية، والإصلاحات السياسية؛ فذلك هو السبيل السالك للتوافق على أولويات اجتماعية واقتصادية تخفف من أعباء المعيشة وتُحسن الخدمات الأساسية، وتُقوي بناء الثقة بين الفرقاء السياسيين من خلال تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه واحترام التعددية السياسية، شريطة إشراك مختلف القوى الوطنية من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني حتى لا يظل الحوار محصورًا في دائرة النخب السياسية وحدها.
ولقد بعث هذا الحدث بمضامين ودلالات لعل من أهمها:
تكريس نهج الحوار والتشاور: إذ يعكس اللقاء حرص فخامة الرئيس على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى السياسية، بما فيها المعارضة، وهو ما يساهم في تخفيف الاحتقان السياسي وبناء الثقة بين الفرقاء الوطنيين.
تهيئة المناخ للحوار الوطني: فاللقاء يأتي ضمن مسار التحضير لحوار وطني شامل حول القضايا الكبرى للبلاد، مثل الإصلاحات السياسية والانتخابية والتنموية، وهو ما يمنح المعارضة فرصة للمشاركة في رسم التوجهات الوطنية.
تعزيز الوحدة الوطنية: ففي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، يبعث اجتماع السلطة والمعارضة برسالة مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى تتطلب التوافق والتعاون بدل الصراع والاستقطاب.
الاستماع إلى مطالب المواطنين: إذ أن المعارضة تمثل جزءًا معتبرا من الرأي العام، ولذلك فإن اللقاء يتيح لها نقل انشغالات المواطنين المتعلقة بغلاء المعيشة والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية إلى أعلى مستوى في الدولة وهو فخامة رئيس الجمهورية.
تعزيز صورة موريتانيا الديمقراطية: فهذه اللقاءات المنتظمة بين الرئيس والمعارضة تعطي انطباعًا إيجابيًا عن تطور الممارسة الديمقراطية في البلاد، وتُرسخ مبدأ أن الاختلاف السياسي لا يمنع الحوار والتعاون من أجل المصلحة العامة.
إن المواطن الموريتاني البسيط يُعلق آمالا كبيرة على مثل هذه اللقاءات مع أعلى هرم السلطة ويتشوف من خلالها إلى خفض أعباء المعيشة والحد من ارتفاع الأسعار، خاصة أسعار المواد الغذائية والمحروقات، وخلق فرص عمل للشباب والحد من البطالة التي تشكل هاجساً كبيراً للأسر، وتحسين الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والمياه والكهرباء، وتعزيز التهدئة السياسية وتجنب التوترات والصراعات التي قد تؤثر على الاستقرار والتنمية.
بالإضافة إلى إطلاق حوار وطني جاد يفضي إلى توافقات حول القضايا الكبرى ويعزز الوحدة الوطنية، ويُرسي دعائم مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام حتى تصل ثمار التنمية إلى المواطنين بصورة أفضل، وتتعزز معه العدالة الاجتماعية وتُدعم الفئات الأكثر هشاشة وتُرسخ برامج الحماية الاجتماعية.
إن هذا اللقاء الذي سنه فخامة الرئيس؛ وحسنًا فعل، يُعد خطوة مهمة نحو ترسيخ التهدئة السياسية وبناء التوافقات الوطنية، خاصة إذا تُرجمت مخرجاته إلى إجراءات عملية تُؤدي إلى حوار جاد تنتج عنه الحلول المناسبة لكل القضايا الوطنية، وتتحقق معه تطلعات المواطنين بترجمة كل القرارات ترجمة عملية تُصاحبها إجراءات ملموسة يجد المواطن البسيط أثرها في حياته اليومية.
الأحد، 7 يونيو 2026
من أجل أن نحمي فلذات أكبادنا من الفساد الأخلاقي الذي بات يتهددهم/ عثمان جدو
الحفاظ على الأبناء من الانحرافات الأخلاقية يُعتبر أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر في عصر الانفتاح الإعلامي والتقني.
فمع انتشار المحتويات غير المناسبة وسهولة الوصول إليها، أصبحت مسؤولية التربية أكثر تعقيدًا، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الحكمة والمتابعة والتوجيه السليم، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية فالتربية على مراقبة الله تعالى، وتعويد الأبناء على الصدق والأمانة والعفة واحترام الآخرين، كل ذلك يشكل حصنًا داخليًا يحميهم من الوقوع في السلوكيات المنحرفة، مع تعزيز الحوار داخل الأسرة حتى يشعر الأبناء بأن آباءهم وأمهاتهم مصدر ثقة وأمان، فيتحدثون معهم عن مشكلاتهم وتساؤلاتهم بدل البحث عن الإجابات في مصادر قد تكون مضللة.
ولا شك أن الرقابة الحكيمة على استخدام التكنولوجيا كالهاتف والإنترنت التي تعتبر من أهم منافذ التأثير على الشباب اليوم، حيث أصبح الهاتف الذكي جزءًا أساسيًا من حياة الشباب، فهو وسيلة للتواصل والتعلم والترفيه.
غير أن سوء استخدامه، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتويات الخليعة وغير اللائقة، جعله من أبرز التحديات التي تواجه الأسر والمجتمعات في تربية الفتيات والمراهقين.
ولذلك يجب توجيه الأبناء إلى الاستخدام النافع، مع متابعة ما يشاهدونه دون تجسس أو قسوة. فمن خلال الهاتف يمكن للمراهق أن يصل بسهولة إلى مواد تخالف القيم الدينية والأخلاقية، مما يؤثر سلبًا على سلوكه وتفكيره ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
كما أن الإدمان على هذه المحتويات قد يؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالواجبات الأسرية والتربوية.
وتزداد خطورة هذا الأمر بالنسبة للفتيات بسبب ما قد يترتب على الاستخدام غير الآمن للهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي من ابتزاز إلكتروني أو استغلال عاطفي أو تشويه للسمعة، ومع الأسف أصبحنا نشاهد ونسمع من حين لآخر عن قضايا مثل التفسخ وعرض كثير من الخصوصيات المحرجة، بل والمتاجرة بها على مجموعات الواتس آب وغيرها وهي مخاطر قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.
وبالتالي لا بد من تعزيز الرقابة الأسرية الواعية، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتوجيه الأبناء إلى الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، مع فتح قنوات الحوار بين الآباء والأبناء، وتفعيل دور المدرسة ووسائل الإعلام في التوعية بمخاطر المحتويات الهدامة.
ثم إن اختيار الصحبة الصالحة له تأثير كبير في تشكيل شخصية المراهق، لذا ينبغي تشجيع الأبناء على مصاحبة أصحاب الأخلاق الحسنة والابتعاد عن رفقاء السوء فهم من أخطر العوامل التي تؤثر سلبًا في تربية الأبناء وتنشئتهم، لأن الصديق كثيرًا ما يكون قدوة لصديقه في السلوك والتصرفات.
فإذا رافق الشاب أو المراهق أصدقاء سيئي الأخلاق، فقد يكتسب منهم عادات وسلوكيات منحرفة كالكذب، والإهمال، والعقوق، والتدخين، وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من الممارسات الضارة.
وتكمن خطورة قرناء السوء في أنهم قد يبعدون الفرد عن القيم الدينية والأخلاقية التي غرستها الأسرة والمدرسة فيه، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي وضعف شخصيته وانحراف سلوكه. وقد حذر الإسلام من رفقة السوء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
لذلك ينبغي للآباء والمربين متابعة الأبناء وتوجيههم إلى اختيار الصحبة الصالحة التي تعينهم على الخير والاجتهاد وحسن الخلق.
مما يجب ويضمن الأمان تعزيز الثقة والحوار داخل الأسرة حتى يلجأ الأبناء إلى والديهم عند مواجهة أي تأثير سلبي من أصدقائهم، وهنا تتعزز الرقابة الأسرية التي يعتبر غيابها خطرا كبيرا، فالأسرة هي المؤسسة الأولى في تربية الأبناء وتوجيههم، وهي الحصن الذي يحميهم من الانحراف ويغرس فيهم القيم والأخلاق الحميدة.
وفي مرحلة المراهقة على وجه الخصوص، يحتاج الأبناء إلى عناية ومتابعة مستمرة بسبب ما يمرون به من تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية.
لذلك فإن غياب الرقابة الأسرية يمثل خطرًا حقيقيًا يهدد المراهقين ويجعلهم أكثر عرضة للمشكلات والانحرافات، وقد يقع المراهق فريسة لرفقاء السوء أو للأفكار الهدامة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما قد ينجرف نحو بعض السلوكيات السلبية مثل الإدمان، أو العنف، أو الإهمال الدراسي، وفقدان الشعور بالمسؤولية، وتراجع الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية، كما يؤدي هذا الغياب إلى اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء.
ومن المفيد جدا ملء أوقات الفراغ بما ينفع من خلال تشجيع الأبناء على القراءة، والرياضة، والأنشطة الثقافية والتطوعية، لأن الفراغ من أبرز أسباب الانحراف.
ولا تخفى على ذي بال أهمية القدوة الحسنة فالأبناء يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، لذلك فإن التزام الوالدين بالقيم والأخلاق الحميدة ينعكس إيجابًا على سلوك أبنائهم، فحماية الأبناء من الفساد الأخلاقي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمجتمع كله.
وكلما اجتمعت التربية الصالحة، والرقابة الواعية، والقدوة الحسنة، ازدادت قدرة أبنائنا على مواجهة التحديات والتمسك بقيمهم وأخلاقهم.
ولا يمكن أن نغفل عن دور الحكومة في حماية المراهقين من السلوك المنحرف؛ فالحكومة تسهم في حماية المراهقين من السلوك المنحرف من خلال سنّ القوانين والتشريعات التي تجرّم مختلف أشكال الانحراف والجريمة، وتحمي القُصّر من الاستغلال والعنف والمخدرات.
كما تعمل على تطوير المنظومة التعليمية وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية داخل المدارس، بما يعزز وعي الشباب ويحصنهم من الأفكار والسلوكيات الضارة.
وتؤدي المؤسسات الحكومية دورًا مهمًا في توفير الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية التي تستثمر أوقات فراغ المراهقين فيما ينفعهم، وتُنمّي مواهبهم وقدراتهم.
كما تدعم برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، وتطلق حملات إعلامية للتوعية بمخاطر المخدرات والعنف والانحراف الأخلاقي.
ومن جهة أخرى، تعمل الأجهزة الأمنية على مكافحة شبكات الجريمة والمخدرات وحماية الأحياء والمؤسسات التعليمية من كل ما يهدد أمن الشباب واستقرارهم، مع تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لتحقيق حماية شاملة للمراهقين، وتباشر إنفاذ القوانين ومن ذلك إتلاف المواد الممنوعة حال ضبطها وهي إجراء بات يشاهد مرار وتكرارا في الأيام والأسابيع الماضية.
وفي الختام فإن الخطر ألأكبر الذي يتهدد فلذات أكبادنا هو خطر المخدرات وحبوب الهلوسة فهي تؤثرتأثيرًا مباشرًا على صحة الشباب والمراهقين، إذ تضعف الجهاز العصبي وتؤدي إلى اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة، مثل القلق والاكتئاب وفقدان التركيز والهلوسة.
كما أنها تسبب الإدمان الذي يجعل المتعاطي أسيرًا لها، غير قادر على الاستغناء عنها مهما كانت العواقب.
ولا تقتصر أضرارها على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد إلى الجانب التعليمي والاجتماعي، حيث تؤدي إلى تراجع المستوى الدراسي، والانقطاع عن التعليم، وضعف الإنتاجية، والانجراف نحو رفاق السوء والسلوكيات المنحرفة.
كما ترتبط في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتفكك الأسري.
وتزداد خطورة هذه الآفة عندما تستهدف فئة المراهقين الذين يمرون بمرحلة عمرية حساسة، فيكونون أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الاجتماعية والدعاية المضللة.
ولذلك تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الأمنية في التوعية بخطورة المخدرات، وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية، ومراقبة الأبناء وتوفير بيئة سليمة تساعدهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم.
أخيرا بات من الضروري فتح مراكز تأهيل بالمفهوم العلمي الحديث قادرة على مواجهة مخلفات هذه الظاهرة وتنقية المراهقين والضحايا عموما حتى تتجلى إمكانية رجوعهم في كنف المجتمع كأشخاص منتجين لا ضحايا منبوذين.
توشيح الرئيس: الدلالة والمعنى/ عثمان جدو
يعتبر وسام الثريا أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في خدمة اللغة الفرنسية وتعزيز التعاون الثقافي والسياسي داخل الفضاء الفرنكوفوني. وقد أُنشئ هذا الوسام سنة 1976.
ويُمنح لرؤساء دول وبرلمانيين ودبلوماسيين ومثقفين تركوا بصمة في دعم الفرنكوفونية وقيم الحوار والتعاون بين الشعوب الناطقة بالفرنسية. ومن بين الشخصيات التي حصلت عليه سابقًا الحبيب بورقيبة، وليوبولد سيدار سنغور، وجاك شيراك، فهذه إذن شخصيات قليلة ومميزة في عالم السياسية الأفريقي والدولي.
وفي بلادنا تداولت عدة مصادر مؤخرًا أن فخام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سيُمنح هذا الوسام خلال حفل رسمي في نواكشوط تقديرًا لدوره في تعزيز حضور موريتانيا داخل الفضاء الفرنكوفوني وهو ما حصل بالفعل مساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.
ومعلوم أن وسام الثريا ليس جائزة مالية أو أدبية، بل هو وسام شرفي فرنكوفوني رفيع المستوى يرمز إلى التقدير والاعتراف بالإسهام في خدمة الفرنكوفونية والتعاون الدولي.
وما حصول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على الوسام المذكور إلا تألق دبلوماسي جديد ينضاف إلى سلسلة النجاحات الدبلوماسية التي كان آخرها زيارة الدولة المثمرة التي كانت فرنسا مسرحا لها.
ولا شك أن هذا التوشيح يحمل عدة دلالات سياسية ودبلوماسية وثقافية، لأن هذا الوسام يُعد من أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في تعزيز التعاون والحوار داخل الفضاء الفرنكوفوني.
ومن دلالاته الجلية:
أولًا: يشكل اعتراف دولي بمكانة موريتانيا؛ حيث يُنظر إلى منح الوسام للرئيس الغزواني باعتباره اعترافًا بالدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه موريتانيا على الساحة الإقليمية والدولية، خاصة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت حضورًا دبلوماسيًا أكثر فاعلية للبلاد.
ثانيًا: تقدير لنهج التهدئة والاستقرار؛ فيربط كثير من المراقبين هذا التكريم بالصورة التي نجح الغزواني في ترسيخها عن موريتانيا باعتبارها دولة مستقرة في منطقة الساحل المضطربة، إضافة إلى تبنيه خطاب الحوار والانفتاح السياسي مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالعكس تماما.
ثالثًا: تعزيز الحضور الموريتاني داخل الفضاء الفرنكوفوني، فالوسام صادر عن مؤسسة فرنكوفونية برلمانية، وهو ما يعكس تقديرًا للدور الذي تؤديه موريتانيا داخل المؤسسات الفرنكوفونية، ولعلاقاتها المتنامية مع الدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا وأوروبا.
رابعًا: نجاح للدبلوماسية الموريتانية؛ إذ أن منح هذا الوسام لا يُقرأ فقط كتقدير لشخص الرئيس، بل أيضًا كإشارة إلى نجاح الدبلوماسية الموريتانية الرسمية والبرلمانية في تحسين صورة البلاد وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية.
خامسًا: رمزية الانضمام إلى قائمة شخصيات دولية بارزة فوسام الثريا سبق أن مُنح لقادة وشخصيات عالمية بارزة كما تقدم مثل الحبيب بورقيبة وليوبولد سيدار سنغور وجاك شيراك، ما يمنح التكريم بعدًا رمزيًا يتجاوز الإطار البروتوكولي العادي.
وفي المجمل، يمكن القول إن دلالة هذا الوسام تتمثل في كونه رسالة تقدير دولية لموريتانيا ولرئيسها، وإشارة إلى المكانة التي باتت البلاد تحظى بها داخل الفضاء الفرنكوفوني والإفريقي، وإشادة بالدور الدبلوماسي والسياسي الذي تؤديه خلال المرحلة الحالية، ومن شأن هذا التميز الدبلوماسي أن ينعكس بالإيجاب المؤثر على ترشيحات موريتانيا للمناصب الدولية مما يعين مرشحينا على الظفر بالمناصب التي تقدموا لها كالمرشحة كم ببا مثلا المرشحة لقيادة منظمة لفرنكوفونية؛ وغيرها من المرشحين سيكون لا محالة هذا الحدث بالنسبة لهم يشكل دفعا حقيقيا نحو الظفر والنجاح.
الجمعة، 22 مايو 2026
العشر الأُول من ذي الحجة أيام الدنيا البهية/ عثمان جدو
العشر الأُوَل من ذي الحجة هي بحقٍّ أيّامُ الدنيا البهيّة، ومواسمُ النفحات الربانية، اختصّها الله تعالى بالفضل العظيم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام، ففيها تتنزّل الرحمات، وتتضاعف الحسنات، وتصفو القلوب بالطاعة والذكر والإنابة، وهي من أعظم أيام السنة، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها على سائر الأيام فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني عشر ذي الحجة الأولى من الشهر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إن أفضل ما يتقرب به الإنسان فيها هو الإكثار من الطاعات والقربات، ومن أهم ذلك:
المحافظة على الصلوات المكتوبات، فأداء الصلوات في وقتها لا يسبقه عمل في الأهمية، وكذا الإكثار من النوافل وقيام الليل، فكل ذلك من أعظم وأجل القربات إلى الله.
ثم إن الصيام في هذه الأيام من الأهمية بمكان خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد قال النبي إنه يكفّر ذنوب سنتين: الماضية والباقية، وتواترت على ذلك الأحاديث الصحيحة وبالتالي يعد فرصة عظيمة تتجلى في صوم يوم واحد يكفر الله به ذنوب سنتين، مع أنه يجب أن ننتبه إلى أن الكبائر لا بد لها من توبة خاصة؛ تكون بالإقلاع عنها، والندم عليها، والنية وهي العزم على ألا يعود إليها، وإن كانت ترتبط بحق لآدمي رده إليه.
فكثير من الناس يجترحون المعاصي ويأكلون المال العام ويتعدون على حقوق العباد ثم يترصدون صيام عرفة؛ دون توبة أو إقلاع عن كبريات المعاصي وفي استمرار على ظلم الناس واحتقارهم، وهذا لعمري رقة في الدين وفقد للبوصلة الإيمانية، فالصلاة المكتوبة أعظم من الصيام، وصيام رمضان أفضل من صيام عرفة، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فدل ذلك على أن المقصود بالتكفير هم الذنوب الصغائر وأما الكبائر فلا بد لها من برنامج خاص.
ثم إن قراءة القرآن والصدقة والإحسان كلها مطلوبة ومرغب فيها في هذه الأيام؛ فهي موسم عظيم لمضاعفة الأجر، والقرآن من أفضل الأعمال ومساعدة الفقراء، وإطعام المحتاجين، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس كل ذلك يجب الإكثار منه واغتنام فرصة هذه الأيام بتعهده والمداومة عليه.
ولئن كانت كل هذه القربات من صلاة وصيام وصدقة وإحسان وقراءة للقرآن هي معترك التنافس لكسب الحسنات ورفعة الدرجات فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإكثار من الذكر في هذه الأيام ودوام التكبير؛ فالإكثار من قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وكذلك التهليل والتسبيح والاستغفار، كلها أمور رغَّب فيها صلى الله عليه وسلم وحث على الإكثار منها، وبين في مواقف أخرى أن الذكر خير الأعمال عند الله وأزكاها وأنه خير من إنفاق الذهب والفضة وخير من لقاء العدو وضرب اعناقهم وبذل النفوس في سبيل الله بملاقاتهم، ولذلك اعتبر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذكر هو أكثر وسائل النجاة من عذاب الله، ومن الملاحظ أن الذكر كله لا يتطلب جهدا عضليا كبيرا، ولا يمكن أن يصعب على الإنسان بفعل التقدم في السن أو المرض ونحوه، كما لا تشغل عنه الشواغل؛ ولذلك أمكن الإكثار منه كل وقت وحين.
وجدير بالتذكير أن هذه الأيام من مواسم إجابة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ومن أجمل ما يفعله المسلم فيها أن يجمع بين العبادة وحسن الخلق، لأن الدين ليس طقوسًا فقط، بل معاملة ورحمة وإصلاح للنفس والمجتمع، وفي هذه الأيام كما تقدم تجتمع أعظم العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، لذلك كانت موسماً فريداً لا يشبهه موسم.
ومن أجمل ما يميزها: يوم عرفة، خير يوم طلعت عليه الشمس، تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار، ويوم النحر، أعظم أيام السنة عند الله، وخير ما يفعل فيه إهراق الدم تقربا إلى الله.
فشعيرة الأضحية تُحيي معاني الطاعة والتضحية والتكافل، ويجب أن تسلم من العيوب التي تمنع الإجزاء وحتى العيوب التي تنقص قيمتها.
إن هذه الأيام بحقٍ أيامٌ تُذكّر المسلم بأن العمر فرص، وأن أبواب الخير تُفتح لعباده ليتزودوا بالتقوى والإيمان، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، وعمّر ساعاته فيها بالذكر والاستغفار والدعاء.
فهي ليست مجرد أيامٍ تمرّ، بل هي مواسمُ نورٍ ورحمة، وأيّامُ الدنيا البهيّة التي تتجدّد فيها الأرواح، وتقترب فيها القلوب من الله تعالى.
الخميس، 14 مايو 2026
ما دلالة تسمية السيدة الأولى سفيرة للنيات الحسنة؟/ عثمان جدو
تتميّز السيدة الأولى مريم بنت الداه عن كثير من سابقاتها بعدّة جوانب جعلت حضورها مختلفًا في المشهد العام، سواء من حيث الأسلوب أو طبيعة الأدوار التي تضطلع بها، فحضورها الهادئ بعيدًا عن الاستعراض؛ حيث تتجنب الظهور الإعلامي المفرط أو الدخول في السجالات السياسيةمنح صورتها طابعًا من الوقار والتحفظ، مقارنة ببعض التجارب السابقة التي كان حضورها أكثر صخبًا أو ارتباطًا بالتجاذبات السياسية.
ثم إن تركيزها على العمل الإنساني والاجتماعي خاصة ما يتعلق بدعم الفئات الهشة، والعمل الخيري، وقضايا المرأة والطفولة والصحة، ساهم في إعطاء صورة اجتماعية لدور السيدة الأولى بدل الصورة البروتوكولية التقليدية التي كانت عالقة في أذهاننا.
ولقد انسجم حضور السيدة الأولى مريم منت الداه مع النهج السياسي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائم على التهدئة والانفتاح، فبدت بعيدة عن الاستقطاب السياسي، ولم تُعرف بدعم تيار سياسي أو قبلي بشكل علني، وهو ما عزز صورتها كشخصية جامعة.
ويرى كثيرون أن اهتمامها بالقيم التربوية والاجتماعية، ودعم المبادرات ذات الطابع الثقافي والتعليمي، منح دورها بعدًا أكثر ارتباطًا ببناء المجتمع، وليس فقط بالمناسبات الرسمية.
ولقد شكَّل ابتعاد السيدة الأولى عن النفوذ السياسي المباشر نقطة بارزة ميزت تجربتها لحد الآن فلم تُتهم بمحاولة التأثير المباشر في التعيينات أو القرار السياسي، وهو أمر كان يُثار أحيانًا حول أدوار بعض السيدات الأول سابقًا في دول المنطقة، بل وحتى في النقاشات المحلية.
ثم إن حضورها الدولي المتزايد جعلها تحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو، وهو ما يعكس سعي موريتانيا إلى تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الاجتماعية والثقافية عبر السيدة الأولى، فتسمية مريم منت الداه سفيرةً للنوايا الحسنة لدى هذه المنظمة يحمل دلالة سياسية وثقافية وإنسانية مهمة، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل أعمق تتعلق بصورة موريتانيا ومكانتها داخل العالم الإسلامي والإفريقي.
أولًا: دلالة الثقة الدولية في موريتانيا: فاختيار شخصية موريتانية لهذا المنصب يعكس مستوى الثقة التي أصبحت بلادنا تحظى بها في المؤسسات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الحضور الدبلوماسي المتزايد للبلاد خلال السنوات الأخيرة، كما يُفهم منه أن موريتانيا باتت تُقدَّم كنموذج للاستقرار والانفتاح والاعتدال في منطقة الساحل.
ثانيًا: الاعتراف بالدور الاجتماعي والإنساني للسيدة الأولى
هذا التعيين أو هذه التسمية تمثل اعترافًا بالأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت باسم السيدة الأولى، خصوصًا في مجالات دعم الفئات الهشة، وتمكين المرأة، والعناية بالأطفال، والعمل الخيري، فمناصب -سفراء النياتالحسنة- تُمنح غالبًا لشخصيات يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التأثير الإيجابي ونشر قيم التضامن والتنمية.
ثالثًا: تعزيز القوة الناعمة لموريتانيا: فمن الناحية السياسية، يساهم هذا التعيين في تقوية *القوة الناعمة* لموريتانيا، أي حضورها عبر الثقافة والتعليم والعمل الإنساني بدل الاقتصار على الأدوات السياسية التقليدية، فالإيسيسكومنظمة ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي، والارتباط بها يمنح موريتانيا واجهة ثقافية وحضارية مهمة.
رابعًا: إبراز مكانة المرأة الموريتانية: يحمل هذا القرار كذلك بعدًا رمزيًا يتعلق بتعزيز صورة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل البلد في المحافل الدولية، وهو ما يُقرأ باعتباره تشجيعًا لحضور النساء في مجالات العمل الدبلوماسي والإنساني والثقافي.
خامسًا: خدمة قضايا التعليم والثقافة والتنمية: وبما أن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة تُعنى بالتربية والثقافة والعلوم، فإن هذا الدور قد يفتح المجال أمام مبادرات وشراكات جديدة تخدم التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، خاصة في القضايا المرتبطة بالطفولة وتمكين الشباب والنساء.
وفي الأخير فإن تقييم أي سيدة أولى مرتبطً تماما بطبيعة المرحلة السياسية، وحجم الصلاحيات غير المعلنة، ومدى تأثيرها الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذلك فإن صورة مريم بنت الداه لدى الرأي العام تشكلت أساسًا من رمزيتها الاجتماعية المتمثلة في محيط أسري عُرفِ بالفضل ومكارم الأخلاق والعز والشرف، وما هدوء حضورها الطاغي إلا ثمرة تليدة لذلك تميزها أكثر من ارتباطها بالفعل السياسي المباشر.
ختاما إن تعيين مريم منت الداه سفيرةً للنيات الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ليس مجرد تكريم شخصي، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية وثقافية متعددة، تعكس تحسن صورة موريتانيا خارجيًا، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الناعمة والعمل الاجتماعي في تعزيز مكانة الدول والشعوب.
PartagerFacebookTwitterWhatsAppEmail
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






