الكَراي (المدرس)
الأحد، 7 يونيو 2026
من أجل أن نحمي فلذات أكبادنا من الفساد الأخلاقي الذي بات يتهددهم/ عثمان جدو
الحفاظ على الأبناء من الانحرافات الأخلاقية يُعتبر أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر في عصر الانفتاح الإعلامي والتقني.
فمع انتشار المحتويات غير المناسبة وسهولة الوصول إليها، أصبحت مسؤولية التربية أكثر تعقيدًا، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الحكمة والمتابعة والتوجيه السليم، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية فالتربية على مراقبة الله تعالى، وتعويد الأبناء على الصدق والأمانة والعفة واحترام الآخرين، كل ذلك يشكل حصنًا داخليًا يحميهم من الوقوع في السلوكيات المنحرفة، مع تعزيز الحوار داخل الأسرة حتى يشعر الأبناء بأن آباءهم وأمهاتهم مصدر ثقة وأمان، فيتحدثون معهم عن مشكلاتهم وتساؤلاتهم بدل البحث عن الإجابات في مصادر قد تكون مضللة.
ولا شك أن الرقابة الحكيمة على استخدام التكنولوجيا كالهاتف والإنترنت التي تعتبر من أهم منافذ التأثير على الشباب اليوم، حيث أصبح الهاتف الذكي جزءًا أساسيًا من حياة الشباب، فهو وسيلة للتواصل والتعلم والترفيه.
غير أن سوء استخدامه، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتويات الخليعة وغير اللائقة، جعله من أبرز التحديات التي تواجه الأسر والمجتمعات في تربية الفتيات والمراهقين.
ولذلك يجب توجيه الأبناء إلى الاستخدام النافع، مع متابعة ما يشاهدونه دون تجسس أو قسوة. فمن خلال الهاتف يمكن للمراهق أن يصل بسهولة إلى مواد تخالف القيم الدينية والأخلاقية، مما يؤثر سلبًا على سلوكه وتفكيره ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
كما أن الإدمان على هذه المحتويات قد يؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالواجبات الأسرية والتربوية.
وتزداد خطورة هذا الأمر بالنسبة للفتيات بسبب ما قد يترتب على الاستخدام غير الآمن للهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي من ابتزاز إلكتروني أو استغلال عاطفي أو تشويه للسمعة، ومع الأسف أصبحنا نشاهد ونسمع من حين لآخر عن قضايا مثل التفسخ وعرض كثير من الخصوصيات المحرجة، بل والمتاجرة بها على مجموعات الواتس آب وغيرها وهي مخاطر قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.
وبالتالي لا بد من تعزيز الرقابة الأسرية الواعية، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتوجيه الأبناء إلى الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، مع فتح قنوات الحوار بين الآباء والأبناء، وتفعيل دور المدرسة ووسائل الإعلام في التوعية بمخاطر المحتويات الهدامة.
ثم إن اختيار الصحبة الصالحة له تأثير كبير في تشكيل شخصية المراهق، لذا ينبغي تشجيع الأبناء على مصاحبة أصحاب الأخلاق الحسنة والابتعاد عن رفقاء السوء فهم من أخطر العوامل التي تؤثر سلبًا في تربية الأبناء وتنشئتهم، لأن الصديق كثيرًا ما يكون قدوة لصديقه في السلوك والتصرفات.
فإذا رافق الشاب أو المراهق أصدقاء سيئي الأخلاق، فقد يكتسب منهم عادات وسلوكيات منحرفة كالكذب، والإهمال، والعقوق، والتدخين، وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من الممارسات الضارة.
وتكمن خطورة قرناء السوء في أنهم قد يبعدون الفرد عن القيم الدينية والأخلاقية التي غرستها الأسرة والمدرسة فيه، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي وضعف شخصيته وانحراف سلوكه. وقد حذر الإسلام من رفقة السوء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
لذلك ينبغي للآباء والمربين متابعة الأبناء وتوجيههم إلى اختيار الصحبة الصالحة التي تعينهم على الخير والاجتهاد وحسن الخلق.
مما يجب ويضمن الأمان تعزيز الثقة والحوار داخل الأسرة حتى يلجأ الأبناء إلى والديهم عند مواجهة أي تأثير سلبي من أصدقائهم، وهنا تتعزز الرقابة الأسرية التي يعتبر غيابها خطرا كبيرا، فالأسرة هي المؤسسة الأولى في تربية الأبناء وتوجيههم، وهي الحصن الذي يحميهم من الانحراف ويغرس فيهم القيم والأخلاق الحميدة.
وفي مرحلة المراهقة على وجه الخصوص، يحتاج الأبناء إلى عناية ومتابعة مستمرة بسبب ما يمرون به من تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية.
لذلك فإن غياب الرقابة الأسرية يمثل خطرًا حقيقيًا يهدد المراهقين ويجعلهم أكثر عرضة للمشكلات والانحرافات، وقد يقع المراهق فريسة لرفقاء السوء أو للأفكار الهدامة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما قد ينجرف نحو بعض السلوكيات السلبية مثل الإدمان، أو العنف، أو الإهمال الدراسي، وفقدان الشعور بالمسؤولية، وتراجع الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية، كما يؤدي هذا الغياب إلى اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء.
ومن المفيد جدا ملء أوقات الفراغ بما ينفع من خلال تشجيع الأبناء على القراءة، والرياضة، والأنشطة الثقافية والتطوعية، لأن الفراغ من أبرز أسباب الانحراف.
ولا تخفى على ذي بال أهمية القدوة الحسنة فالأبناء يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، لذلك فإن التزام الوالدين بالقيم والأخلاق الحميدة ينعكس إيجابًا على سلوك أبنائهم، فحماية الأبناء من الفساد الأخلاقي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمجتمع كله.
وكلما اجتمعت التربية الصالحة، والرقابة الواعية، والقدوة الحسنة، ازدادت قدرة أبنائنا على مواجهة التحديات والتمسك بقيمهم وأخلاقهم.
ولا يمكن أن نغفل عن دور الحكومة في حماية المراهقين من السلوك المنحرف؛ فالحكومة تسهم في حماية المراهقين من السلوك المنحرف من خلال سنّ القوانين والتشريعات التي تجرّم مختلف أشكال الانحراف والجريمة، وتحمي القُصّر من الاستغلال والعنف والمخدرات.
كما تعمل على تطوير المنظومة التعليمية وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية داخل المدارس، بما يعزز وعي الشباب ويحصنهم من الأفكار والسلوكيات الضارة.
وتؤدي المؤسسات الحكومية دورًا مهمًا في توفير الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية التي تستثمر أوقات فراغ المراهقين فيما ينفعهم، وتُنمّي مواهبهم وقدراتهم.
كما تدعم برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، وتطلق حملات إعلامية للتوعية بمخاطر المخدرات والعنف والانحراف الأخلاقي.
ومن جهة أخرى، تعمل الأجهزة الأمنية على مكافحة شبكات الجريمة والمخدرات وحماية الأحياء والمؤسسات التعليمية من كل ما يهدد أمن الشباب واستقرارهم، مع تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لتحقيق حماية شاملة للمراهقين، وتباشر إنفاذ القوانين ومن ذلك إتلاف المواد الممنوعة حال ضبطها وهي إجراء بات يشاهد مرار وتكرارا في الأيام والأسابيع الماضية.
وفي الختام فإن الخطر ألأكبر الذي يتهدد فلذات أكبادنا هو خطر المخدرات وحبوب الهلوسة فهي تؤثرتأثيرًا مباشرًا على صحة الشباب والمراهقين، إذ تضعف الجهاز العصبي وتؤدي إلى اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة، مثل القلق والاكتئاب وفقدان التركيز والهلوسة.
كما أنها تسبب الإدمان الذي يجعل المتعاطي أسيرًا لها، غير قادر على الاستغناء عنها مهما كانت العواقب.
ولا تقتصر أضرارها على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد إلى الجانب التعليمي والاجتماعي، حيث تؤدي إلى تراجع المستوى الدراسي، والانقطاع عن التعليم، وضعف الإنتاجية، والانجراف نحو رفاق السوء والسلوكيات المنحرفة.
كما ترتبط في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتفكك الأسري.
وتزداد خطورة هذه الآفة عندما تستهدف فئة المراهقين الذين يمرون بمرحلة عمرية حساسة، فيكونون أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الاجتماعية والدعاية المضللة.
ولذلك تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الأمنية في التوعية بخطورة المخدرات، وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية، ومراقبة الأبناء وتوفير بيئة سليمة تساعدهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم.
أخيرا بات من الضروري فتح مراكز تأهيل بالمفهوم العلمي الحديث قادرة على مواجهة مخلفات هذه الظاهرة وتنقية المراهقين والضحايا عموما حتى تتجلى إمكانية رجوعهم في كنف المجتمع كأشخاص منتجين لا ضحايا منبوذين.
توشيح الرئيس: الدلالة والمعنى/ عثمان جدو
يعتبر وسام الثريا أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في خدمة اللغة الفرنسية وتعزيز التعاون الثقافي والسياسي داخل الفضاء الفرنكوفوني. وقد أُنشئ هذا الوسام سنة 1976.
ويُمنح لرؤساء دول وبرلمانيين ودبلوماسيين ومثقفين تركوا بصمة في دعم الفرنكوفونية وقيم الحوار والتعاون بين الشعوب الناطقة بالفرنسية. ومن بين الشخصيات التي حصلت عليه سابقًا الحبيب بورقيبة، وليوبولد سيدار سنغور، وجاك شيراك، فهذه إذن شخصيات قليلة ومميزة في عالم السياسية الأفريقي والدولي.
وفي بلادنا تداولت عدة مصادر مؤخرًا أن فخام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سيُمنح هذا الوسام خلال حفل رسمي في نواكشوط تقديرًا لدوره في تعزيز حضور موريتانيا داخل الفضاء الفرنكوفوني وهو ما حصل بالفعل مساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.
ومعلوم أن وسام الثريا ليس جائزة مالية أو أدبية، بل هو وسام شرفي فرنكوفوني رفيع المستوى يرمز إلى التقدير والاعتراف بالإسهام في خدمة الفرنكوفونية والتعاون الدولي.
وما حصول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على الوسام المذكور إلا تألق دبلوماسي جديد ينضاف إلى سلسلة النجاحات الدبلوماسية التي كان آخرها زيارة الدولة المثمرة التي كانت فرنسا مسرحا لها.
ولا شك أن هذا التوشيح يحمل عدة دلالات سياسية ودبلوماسية وثقافية، لأن هذا الوسام يُعد من أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في تعزيز التعاون والحوار داخل الفضاء الفرنكوفوني.
ومن دلالاته الجلية:
أولًا: يشكل اعتراف دولي بمكانة موريتانيا؛ حيث يُنظر إلى منح الوسام للرئيس الغزواني باعتباره اعترافًا بالدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه موريتانيا على الساحة الإقليمية والدولية، خاصة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت حضورًا دبلوماسيًا أكثر فاعلية للبلاد.
ثانيًا: تقدير لنهج التهدئة والاستقرار؛ فيربط كثير من المراقبين هذا التكريم بالصورة التي نجح الغزواني في ترسيخها عن موريتانيا باعتبارها دولة مستقرة في منطقة الساحل المضطربة، إضافة إلى تبنيه خطاب الحوار والانفتاح السياسي مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالعكس تماما.
ثالثًا: تعزيز الحضور الموريتاني داخل الفضاء الفرنكوفوني، فالوسام صادر عن مؤسسة فرنكوفونية برلمانية، وهو ما يعكس تقديرًا للدور الذي تؤديه موريتانيا داخل المؤسسات الفرنكوفونية، ولعلاقاتها المتنامية مع الدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا وأوروبا.
رابعًا: نجاح للدبلوماسية الموريتانية؛ إذ أن منح هذا الوسام لا يُقرأ فقط كتقدير لشخص الرئيس، بل أيضًا كإشارة إلى نجاح الدبلوماسية الموريتانية الرسمية والبرلمانية في تحسين صورة البلاد وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية.
خامسًا: رمزية الانضمام إلى قائمة شخصيات دولية بارزة فوسام الثريا سبق أن مُنح لقادة وشخصيات عالمية بارزة كما تقدم مثل الحبيب بورقيبة وليوبولد سيدار سنغور وجاك شيراك، ما يمنح التكريم بعدًا رمزيًا يتجاوز الإطار البروتوكولي العادي.
وفي المجمل، يمكن القول إن دلالة هذا الوسام تتمثل في كونه رسالة تقدير دولية لموريتانيا ولرئيسها، وإشارة إلى المكانة التي باتت البلاد تحظى بها داخل الفضاء الفرنكوفوني والإفريقي، وإشادة بالدور الدبلوماسي والسياسي الذي تؤديه خلال المرحلة الحالية، ومن شأن هذا التميز الدبلوماسي أن ينعكس بالإيجاب المؤثر على ترشيحات موريتانيا للمناصب الدولية مما يعين مرشحينا على الظفر بالمناصب التي تقدموا لها كالمرشحة كم ببا مثلا المرشحة لقيادة منظمة لفرنكوفونية؛ وغيرها من المرشحين سيكون لا محالة هذا الحدث بالنسبة لهم يشكل دفعا حقيقيا نحو الظفر والنجاح.
الجمعة، 22 مايو 2026
العشر الأُول من ذي الحجة أيام الدنيا البهية/ عثمان جدو
العشر الأُوَل من ذي الحجة هي بحقٍّ أيّامُ الدنيا البهيّة، ومواسمُ النفحات الربانية، اختصّها الله تعالى بالفضل العظيم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام، ففيها تتنزّل الرحمات، وتتضاعف الحسنات، وتصفو القلوب بالطاعة والذكر والإنابة، وهي من أعظم أيام السنة، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها على سائر الأيام فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني عشر ذي الحجة الأولى من الشهر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إن أفضل ما يتقرب به الإنسان فيها هو الإكثار من الطاعات والقربات، ومن أهم ذلك:
المحافظة على الصلوات المكتوبات، فأداء الصلوات في وقتها لا يسبقه عمل في الأهمية، وكذا الإكثار من النوافل وقيام الليل، فكل ذلك من أعظم وأجل القربات إلى الله.
ثم إن الصيام في هذه الأيام من الأهمية بمكان خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد قال النبي إنه يكفّر ذنوب سنتين: الماضية والباقية، وتواترت على ذلك الأحاديث الصحيحة وبالتالي يعد فرصة عظيمة تتجلى في صوم يوم واحد يكفر الله به ذنوب سنتين، مع أنه يجب أن ننتبه إلى أن الكبائر لا بد لها من توبة خاصة؛ تكون بالإقلاع عنها، والندم عليها، والنية وهي العزم على ألا يعود إليها، وإن كانت ترتبط بحق لآدمي رده إليه.
فكثير من الناس يجترحون المعاصي ويأكلون المال العام ويتعدون على حقوق العباد ثم يترصدون صيام عرفة؛ دون توبة أو إقلاع عن كبريات المعاصي وفي استمرار على ظلم الناس واحتقارهم، وهذا لعمري رقة في الدين وفقد للبوصلة الإيمانية، فالصلاة المكتوبة أعظم من الصيام، وصيام رمضان أفضل من صيام عرفة، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فدل ذلك على أن المقصود بالتكفير هم الذنوب الصغائر وأما الكبائر فلا بد لها من برنامج خاص.
ثم إن قراءة القرآن والصدقة والإحسان كلها مطلوبة ومرغب فيها في هذه الأيام؛ فهي موسم عظيم لمضاعفة الأجر، والقرآن من أفضل الأعمال ومساعدة الفقراء، وإطعام المحتاجين، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس كل ذلك يجب الإكثار منه واغتنام فرصة هذه الأيام بتعهده والمداومة عليه.
ولئن كانت كل هذه القربات من صلاة وصيام وصدقة وإحسان وقراءة للقرآن هي معترك التنافس لكسب الحسنات ورفعة الدرجات فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإكثار من الذكر في هذه الأيام ودوام التكبير؛ فالإكثار من قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وكذلك التهليل والتسبيح والاستغفار، كلها أمور رغَّب فيها صلى الله عليه وسلم وحث على الإكثار منها، وبين في مواقف أخرى أن الذكر خير الأعمال عند الله وأزكاها وأنه خير من إنفاق الذهب والفضة وخير من لقاء العدو وضرب اعناقهم وبذل النفوس في سبيل الله بملاقاتهم، ولذلك اعتبر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذكر هو أكثر وسائل النجاة من عذاب الله، ومن الملاحظ أن الذكر كله لا يتطلب جهدا عضليا كبيرا، ولا يمكن أن يصعب على الإنسان بفعل التقدم في السن أو المرض ونحوه، كما لا تشغل عنه الشواغل؛ ولذلك أمكن الإكثار منه كل وقت وحين.
وجدير بالتذكير أن هذه الأيام من مواسم إجابة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ومن أجمل ما يفعله المسلم فيها أن يجمع بين العبادة وحسن الخلق، لأن الدين ليس طقوسًا فقط، بل معاملة ورحمة وإصلاح للنفس والمجتمع، وفي هذه الأيام كما تقدم تجتمع أعظم العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، لذلك كانت موسماً فريداً لا يشبهه موسم.
ومن أجمل ما يميزها: يوم عرفة، خير يوم طلعت عليه الشمس، تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار، ويوم النحر، أعظم أيام السنة عند الله، وخير ما يفعل فيه إهراق الدم تقربا إلى الله.
فشعيرة الأضحية تُحيي معاني الطاعة والتضحية والتكافل، ويجب أن تسلم من العيوب التي تمنع الإجزاء وحتى العيوب التي تنقص قيمتها.
إن هذه الأيام بحقٍ أيامٌ تُذكّر المسلم بأن العمر فرص، وأن أبواب الخير تُفتح لعباده ليتزودوا بالتقوى والإيمان، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، وعمّر ساعاته فيها بالذكر والاستغفار والدعاء.
فهي ليست مجرد أيامٍ تمرّ، بل هي مواسمُ نورٍ ورحمة، وأيّامُ الدنيا البهيّة التي تتجدّد فيها الأرواح، وتقترب فيها القلوب من الله تعالى.
الخميس، 14 مايو 2026
ما دلالة تسمية السيدة الأولى سفيرة للنيات الحسنة؟/ عثمان جدو
تتميّز السيدة الأولى مريم بنت الداه عن كثير من سابقاتها بعدّة جوانب جعلت حضورها مختلفًا في المشهد العام، سواء من حيث الأسلوب أو طبيعة الأدوار التي تضطلع بها، فحضورها الهادئ بعيدًا عن الاستعراض؛ حيث تتجنب الظهور الإعلامي المفرط أو الدخول في السجالات السياسيةمنح صورتها طابعًا من الوقار والتحفظ، مقارنة ببعض التجارب السابقة التي كان حضورها أكثر صخبًا أو ارتباطًا بالتجاذبات السياسية.
ثم إن تركيزها على العمل الإنساني والاجتماعي خاصة ما يتعلق بدعم الفئات الهشة، والعمل الخيري، وقضايا المرأة والطفولة والصحة، ساهم في إعطاء صورة اجتماعية لدور السيدة الأولى بدل الصورة البروتوكولية التقليدية التي كانت عالقة في أذهاننا.
ولقد انسجم حضور السيدة الأولى مريم منت الداه مع النهج السياسي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائم على التهدئة والانفتاح، فبدت بعيدة عن الاستقطاب السياسي، ولم تُعرف بدعم تيار سياسي أو قبلي بشكل علني، وهو ما عزز صورتها كشخصية جامعة.
ويرى كثيرون أن اهتمامها بالقيم التربوية والاجتماعية، ودعم المبادرات ذات الطابع الثقافي والتعليمي، منح دورها بعدًا أكثر ارتباطًا ببناء المجتمع، وليس فقط بالمناسبات الرسمية.
ولقد شكَّل ابتعاد السيدة الأولى عن النفوذ السياسي المباشر نقطة بارزة ميزت تجربتها لحد الآن فلم تُتهم بمحاولة التأثير المباشر في التعيينات أو القرار السياسي، وهو أمر كان يُثار أحيانًا حول أدوار بعض السيدات الأول سابقًا في دول المنطقة، بل وحتى في النقاشات المحلية.
ثم إن حضورها الدولي المتزايد جعلها تحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو، وهو ما يعكس سعي موريتانيا إلى تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الاجتماعية والثقافية عبر السيدة الأولى، فتسمية مريم منت الداه سفيرةً للنوايا الحسنة لدى هذه المنظمة يحمل دلالة سياسية وثقافية وإنسانية مهمة، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل أعمق تتعلق بصورة موريتانيا ومكانتها داخل العالم الإسلامي والإفريقي.
أولًا: دلالة الثقة الدولية في موريتانيا: فاختيار شخصية موريتانية لهذا المنصب يعكس مستوى الثقة التي أصبحت بلادنا تحظى بها في المؤسسات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الحضور الدبلوماسي المتزايد للبلاد خلال السنوات الأخيرة، كما يُفهم منه أن موريتانيا باتت تُقدَّم كنموذج للاستقرار والانفتاح والاعتدال في منطقة الساحل.
ثانيًا: الاعتراف بالدور الاجتماعي والإنساني للسيدة الأولى
هذا التعيين أو هذه التسمية تمثل اعترافًا بالأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت باسم السيدة الأولى، خصوصًا في مجالات دعم الفئات الهشة، وتمكين المرأة، والعناية بالأطفال، والعمل الخيري، فمناصب -سفراء النياتالحسنة- تُمنح غالبًا لشخصيات يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التأثير الإيجابي ونشر قيم التضامن والتنمية.
ثالثًا: تعزيز القوة الناعمة لموريتانيا: فمن الناحية السياسية، يساهم هذا التعيين في تقوية *القوة الناعمة* لموريتانيا، أي حضورها عبر الثقافة والتعليم والعمل الإنساني بدل الاقتصار على الأدوات السياسية التقليدية، فالإيسيسكومنظمة ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي، والارتباط بها يمنح موريتانيا واجهة ثقافية وحضارية مهمة.
رابعًا: إبراز مكانة المرأة الموريتانية: يحمل هذا القرار كذلك بعدًا رمزيًا يتعلق بتعزيز صورة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل البلد في المحافل الدولية، وهو ما يُقرأ باعتباره تشجيعًا لحضور النساء في مجالات العمل الدبلوماسي والإنساني والثقافي.
خامسًا: خدمة قضايا التعليم والثقافة والتنمية: وبما أن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة تُعنى بالتربية والثقافة والعلوم، فإن هذا الدور قد يفتح المجال أمام مبادرات وشراكات جديدة تخدم التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، خاصة في القضايا المرتبطة بالطفولة وتمكين الشباب والنساء.
وفي الأخير فإن تقييم أي سيدة أولى مرتبطً تماما بطبيعة المرحلة السياسية، وحجم الصلاحيات غير المعلنة، ومدى تأثيرها الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذلك فإن صورة مريم بنت الداه لدى الرأي العام تشكلت أساسًا من رمزيتها الاجتماعية المتمثلة في محيط أسري عُرفِ بالفضل ومكارم الأخلاق والعز والشرف، وما هدوء حضورها الطاغي إلا ثمرة تليدة لذلك تميزها أكثر من ارتباطها بالفعل السياسي المباشر.
ختاما إن تعيين مريم منت الداه سفيرةً للنيات الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ليس مجرد تكريم شخصي، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية وثقافية متعددة، تعكس تحسن صورة موريتانيا خارجيًا، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الناعمة والعمل الاجتماعي في تعزيز مكانة الدول والشعوب.
PartagerFacebookTwitterWhatsAppEmail
إلى متى التدثر بالشرائحية وما مُبرر تدويلها؟
تابعت كغيري من المهتمين بالشأن الوطني ما تناقلته المواقع الوطنية من مضامين لكلمة مصورة صادرة عن المناضل العمالي الساموري ولد بي، والتي قال فيها ما يمكن تفهمه نسبيا وأكثر ما صدر منه لا يمكن أبدا تبريره ولا استساغته تحت أي ظرف أو في أي سياق.
لقد ذهب هذا الرجل المسن الذي خبر التمثيليات العمالية، والتشابكات الاجتماعية، والتداخلات العائلية وروابطها؛ التي تُولد وُدًا دائما تذوب أمامه جميع الدعوات اللونية التحريضية إلى قول يُنكر عليه، ورضي بأن يصدر عنه أن مجتمعا بعينه كمكون لحراطين يمكن تهميشه بالطريقة الذي ذكر أو استهدافه بما يستميح من فرضيات مخيال تولدت منه فكرة أقرب إلى ما كان يقع في العصور الوسطى، فهذا المكون الذي ذكرت أيها الوالد لا يمكن سحقه ولا التصدق عليه بحقوقة، فله من الوجود والقوة والتأثير ما لا يمكن أبدا أن تنسفه الأنظمة المتعاقبة إن سعت وعملت على ذلك، ولو افترضنا جدلا أن ذلك ممكن الوقوع فلمصلحة من؟ ومعروف أن الأنظمة التي تعاقبت على هذه البلاد لم تكن لها أية مصلحة في استمرار الظلم والتهميش والاحتقار لهذه المكونة الاجتماعية الهامة جدا، وهذا ما وعاه النظام القائم وعمل على تقليص الفجوة الناتجة عن أخطاء الماضي وتراكمات العقود الماضية.
لم تكن كلمة ولد بي هي الوحيدة في هذا الاتجاه، بل لها رديفات حيث ذهب في ذات المنوال ولد بربص شأنهما في ذلك شأن بيرام الذي كان يُغذي هذه النزعة الشرائحية دومًا، ومُخطئ من ظن يوم أن هؤلاء يتحركون فقط لإنصاف المظلومين من أبناء هذا المكون المجيد المسالم النزيه؛ الذي يستحق على هذا النظام وعلى كل من سبقه من الأنظمة وعلى المجتمع بأكمله كل ما يليق بأبناء الشعب البررة المسالمين من الإكرام والتبجيل، فسلمية لحراطين ظلت وستظل مضرب المثل الأول ولن تُفسدها أو تغير من مسارها الراسخ دعوات هؤلاء لأنها ببساطة دعوات إن لم تحمل الفتنة في طياتها فهي تذكي شرارة الانقسام والتنافر ولا تأتي أبدا بإصلاح ولا إنصاف.
يمكن أن نتفق أن الدعوات الشرائحية قد يكون لها ما يبررها، إذا كان هناك إقصاء شامل ظاهر ومتعمد، فذلك من شأنه إشعار فئة ما بالإقصاء والتهميش، لكن ذلك مرآته الأساسية انعدام أو ضآلة الوجود في مجالات التعليم والإدارة والاقتصاد، وليس معنى ذلك ضرورة أن يكون فلان أو علان رئيس حكومة أو رئيس دولة، أو هو خازن المال أو المتحكم في اتجاه الأعمال!!، ومن نافلة القول تمثيل كل الشرائح في بلادنا في كل المناصب القيادية وإن تفاوت ذلك تبعا لإكراهات السياسة وتوازن تبعات النفوذ.
صحيح أن بعض المكونات في بلادنا عانت من الإقصاء والتهميش المطلق في الماضي ولذلك أسباب منها النظرة التمييزية والهاجس العفن المعشعش في مخيال بعض من تولوا تسيير البلاد في فترات محدودة أو من كانوا ظلا لهم، لكن اليوم هناك رواسب وتبعات تزاوجت في كثير من الحالات مع ضعف مستويات التعليم لتفرز أسباب جديدة لإقصاء غير ممنهج ولا هو بالمؤدلج سياسيا وإنما نتاج حتمي لظاهرة لما يقضى على كامل أسبابها، وهذا ما سعى ويسعى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى معالجة آثاره ومنح المواطنين ما أمكن من حقوقهم بصورة تشعرهم بأن حقهم كمواطنين هو ما يخولهم ذلك وليس ألوانهم ولا اعراقهم، وبذلك استفاد خلق كبير من تعميم الضمان الصحي عن طريق السجل الاجتماعي لما يزيد على مئة ألف أسرة؛ سوادها الأعظم كان من هذه المهمشة في الماضي والتي تعيش فترة محاولة العناية والإنصاف وتغيير العقلية تُجاهها وتجاه غيرها من الشرائح التي ينظر إليها مرضى العقول ومشوهي العقائد بما لا يليق شرعا ولا يستمر قانونا ولا يسلم إنسانية.
ثم إن المعالجات التي يضيق حصرها والتي تذيب الفوارق بين المواطنين من شأنها أن تقضي على رواسب التفاوت والظلم والغبن الضارب في القدم؛ لكن ذلك لا يتحقق في ظرف ومني وجير وإنما ببطء تسير البيضة.
وكلنا يدرك أن كل البرامج الاجتماعية التي وجه إليها فخامة الرئيس أو رعاها بنفسه تحمل في طياتها معالجة لهذه الرواسب؛ فحتى توزيع المبالغ المالية مؤخرا على المدرسين بخصوص السكن وإن كانت تلبية لرغبة موظفين فإنها تنصف خلقا كثيرا من هؤلاء المتاجر بهم من أبناء هذا المكون المجيد، وما اعتماد برنامج جسور وكذا التمييز الإيجابي لولوج أبناء المهمشين المسجلين في السجل الاجتماعي إلى مدارس الامتياز برعاية فخامة الرئيس وتوجيهه إلا معالجة راسخة مستديمة لأسباب التأخر في بعض أبناء لحراطين الذي زاد من حدته ضعف التحصيل العلمي لمناطق انتشار الفقر والحاجة.
إن ما نشاهده اليوم من تحويلٍ للانتماء الشرائحي إلى أداة للصراع السياسي أو للتعبئة الاجتماعية يحمل مخاطر كبيرة على تماسك المجتمع الموريتاني فالمبالغة في الخطاب الشرائحي قد تؤدي إلى نشر الكراهية وتعميق الانقسامات وإضعاف روح المواطنة الجامعة.
كما أن تأسيس المطالب على أساس الشرائح بدل الكفاءة والمواطنة قد يُهدد مشروع الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز وهذا ما ننشده وندعو فخامة الرئيس إلى زيادة وتيرته، ولقد قطعت بلادنا أشواطا معتبرة في ذلك، تُعد مكسبا ينبغي أن يصان لا أن يُبدد أو يعود القهقرى.
وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُغذَّى فيها النزعات الفئوية والطائفية تصبح أكثر عرضة للتوترات والصراعات، بينما تنجح الدول التي تجعل المواطنة والعدالة الاجتماعية أساسًا للعلاقة بين أفرادها، لذلك فإن معالجة المظالم الحقيقية لا ينبغي أن تتم عبر تأجيج الانقسامات، بل من خلال إصلاحات وطنية شاملة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع، فموريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع يعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي، لكنه يرفض تحويل هذا التنوع إلى سبب للتفرقة والصراع، فالمطلوب ليس إنكار وجود مشاكل اجتماعية، بل معالجتها ضمن إطار الوحدة الوطنية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين.
ومما لا شك فيه أيضا أن دعوة الساموري ولد بي إلى الحماية الدولية قد تمثل خطرا على البلاد من عدة زوايا:
أولًا: المساس بالسيادة الوطنية من خلال تقديم البلاد للآخرين على أساس أنها غير قادرة على معالجة مشكلاتها الداخلية بنفسها.
ثانيًا: فتح الباب للتدويل الذي يؤدي إلى تدويل الأزمات الوطنية، وهو أمر قد تستغله بعض القوى الأجنبية للضغط السياسي أو الاقتصادي، أو للتأثير في القرار الوطني.
ثالثًا: تهديد السلم الأهلي فالخطابات التي تقوم على الشعور بالمظلومية الجماعية أو التمييز قد تؤدي - إذا لم تُعالج بالحوار - إلى زيادة الاحتقان بين مكونات المجتمع، وفي مجتمع متنوع مثل موريتانيا، فإن أي خطاب تصعيدي قد يُفسَّر على أنه دعوة للاستقطاب العرقي أو الاجتماعي، وهو ما يهدد التماسك الوطني.
رابعًا: إضعاف الثقة في المؤسسات فالدعوة إلى الحماية الدولية تحمل ضمنيًا رسالة مفادها أن القضاء الوطني أو النظام السياسي عاجز عن تحقيق العدالة أو حماية الحقوق، وهذا قد يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، بدل الدفع نحو إصلاحها من الداخل.
ومع أن المدافعين عن مثل هذه الدعوات أو الرافعين لها يُبررون ذلك بأنها تأتي نتيجة الشعور بالتهميش وغياب الإنصاف، وأن اللجوء إلى المجتمع الدولي يَستخدمونه كوسيلة ضغط من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان وتحقيق المساواة.
وبين هذا وذاك يبقى الحفاظ على وحدة موريتانيا واستقرارها مسؤولية جماعية، تقتضي معالجة الأزمات بالحوار الوطني والإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن خطابات التصعيد أو الاستقواء بالخارج، فالدول القوية تُبنى بالتوافق الداخلي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، لا بتدويل الخلافات الداخلية، التي أثبتت الوقائع في كثير من الدول الإفريقية أنها أتت بنتائج عكسية.
الاثنين، 11 مايو 2026
تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو
تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو
تعتبر المدرسة الجمهورية مشروعًا وطنيًا يهدف إلى بناء مجتمع مُوحّد يقوم على قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وذلك من خلال توفير تعليم عصري يضمن لجميع أبنائنا الحق في التعلّم دون تمييز.
غير أن نجاح هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير الظروف المناسبة للمدرس، باعتباره حجر الزاوية في العملية التربوية، فهو الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي ناجح، لأنه صانع الأجيال وحامل رسالة التنوير وجسر المعرفة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن المدرسة الجمهورية لا يمكن أن يكتمل دون الاهتمام الحقيقي بأوضاع المدرسين المادية والاجتماعية ومن أهم ذلك توفير سكن لائق للمدرسين، لما له من أثر مباشر على استقرارهم النفسي والمهني، وعلى جودة عطائهم داخل المدرسة.
فالسكن ليس مجرد حاجة معيشية، بل هو عنصر استقرار نفسي واجتماعي ينعكس بصورة مباشرة على أداء المدرس داخل الفصل، وعلى جودة العملية التربوية عمومًا.
ولذلك أصبح توفير السكن للمدرسين أحد أهم العوامل المساعدة على تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية القائمة على الإنصاف والجودة وترسيخ قيم المواطنة، ويمكن القول إنه ضرورة تربوية ووطنية تُسهم بقوة في ترسيخ دعائم المدرسة الجمهورية، ويُمثل عامل استقرار أساسي يساعد المدرسين على أداء رسالتهم التربوية في ظروف مريحة، فالمدرس الذي يعيش معاناة البحث عن الإيجار أو التنقل اليومي لمسافات طويلة يفقد جزءًا كبيرًا من طاقته وتركيزه، مما ينعكس سلبًا على مردوديته داخل الفصل، أما عندما يتوفر له سكن مناسب وإن أراد جعله قريبا من مقر عمله، فإنه يصبح أكثر قدرة على الالتزام والانضباط والتحضير الجيد للدروس.
كما أن توفير السكن عموما يُشجع المدرسين على العمل في المناطق الريفية والنائية، التي غالبًا ما تعاني من نقص الطواقم التربوية بسبب صعوبة ظروف العيش، وبذلك يسهم في تحقيق العدالة التعليمية بين مختلف مناطق الوطن، وهو أحد أهم أهداف المدرسة الجمهورية التي تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
ومن جهة أخرى، فإن الاهتمام بهذا الموضوع أصلا يعكس تقدير الدولة لمكانة المدرس ودوره في بناء الأجيال، فالمدرس عندما يشعر بالعناية والاحترام يزداد ارتباطه بمهنته، ويرتفع مستوى عطائه وإخلاصه، مما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والتربية، من خلال خلق بيئة تربوية مستقرة تساعد على الحد من التغيب والتنقل المستمر، وتضمن استمرارية العملية التعليمية طوال السنة الدراسية، فالاستقرار الوظيفي للمدرس يؤدي إلى استقرار التلميذ نفسه، ويعزز الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها فضاءً للتكوين والتربية وغرس قيم المواطنة والوحدة الوطنية.
وفي إطار المدرسة الجمهورية، لا يقتصر دور المدرس على التعليم فقط، بل يتعداه إلى التربية على القيم والأخلاق والانتماء الوطني، وبالتالي بناء مواطن متعلم، متشبث بهويته الوطنية، ومنفتح على العصر، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون مدرس مرتاح نفسيًا ومطمئن اجتماعيًا ولذلك فإن توفير ظروف عيش كريمة له، وفي مقدمتها السكن، يُعد استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء المدرسة، وبناء المدرسة يبدأ من الاهتمام بالمدرس.
وبناء على ما تقدم تتنزل أهمية توزيع مبالغ مالية على المدرسين كدفعة أولى من صندوق السكن فالحدث يُعد خطوة مهمة في طريق تحسين الظروف الاجتماعية للمدرسين، لما لذلك من أثر مباشر على الاستقرار النفسي والمهني لهذه الفئة التي تُعدّ أساس العملية التعليمية ومحور نجاحها.
فمشكل السكن ظلّ لسنوات من أبرز التحديات التي تواجه المدرسين في موريتانيا، خاصة مع ارتفاع أسعار الإيجار وضعف القدرة الشرائية، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء الكثير منهم. ومن هنا تأتي أهمية صندوق السكن باعتباره آلية اجتماعية تهدف إلى تمكين المدرسين من الحصول على سكن لائق يحفظ كرامتهم ويُوفر لهم الاستقرار.
وفي يوم الأربعاء 6 مايو 2026 أشرف فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنفسه على توزيع الدفعة الأولى من الدعم المالي المخصص لتوفير سكن لائق للمدرسين وهي خطوة كريمة حملت عدة دلالات إيجابية؛ بكونها تعكس اهتمام الدولة بتحسين أوضاع المدرسين والوفاء بجزء من التعهدات المتعلقة بهم؛ والتي قطعها فخامة الرئيس على نفسه من أجل النهوض بالقطاع التربوي، وبالتالي يجسد هذا التوزيع البداية العملية لتحويل الوعود إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المدرس ويعيشها في حياته اليومية، و سيسهم هذا الدعم لا محالة في تخفيف الأعباء المعيشية عن الأسرة التربوية، ويمنح المدرسين قدرة على امتلاك سكن مستقبلي بدل البقاء تحت ضغط الإيجار والتنقل المستمر.
ومع أهمية هذه الخطوة، فإن نجاح صندوق السكن مع ما يتطلبه من الشفافية والعدالة في اختيار المستفيدين، وتوسيع دائرة الدعم تدريجيًا لتشمل أكبر عدد ممكن من المدرسين في مختلف الولايات، فإنه يتطلب إعادة النظر في بعض جزئياته؛ فمثلا ما المانع مستقبلا من أن يشمل هذا الصندوق كل المدرسين وعدم تقييد الاستفادة ب 15 سنة خدمة في الميدان التي أقصت كثيرين، فيكفي مثلا أن الميداني يُمنح المبلغ كاملا والإداري يحصل على النصف فقط، أو ليس الذي تولى شؤونا إدارية لخدمة العملية التربوية، يخدم بذلك المنظومة التربوية، ويُجسد حقيقة المدرسة الجمهورية ذات الطبيعة العمومية؟.
الأربعاء، 6 مايو 2026
لكي تظل تهدئة غزواني استثناء كما كانت رغم المستجدات/ عثمان جدو
لا جدال في كون الحياة السياسية في الدول النامية، وخاصة الإفريقية منها تعتبر مجالًا خصبًا للتوترات والصراعات الناتجة عن تعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتباين الرؤى بين الفاعلين السياسيين، وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز نهج التهدئة السياسية كخيار تسعى الأنظمة السياسية من خلاله إلى ترسيخ نهج الاستقرار وبناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، وفي هذا الاتجاه شكّل أسلوب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجًا لافتًا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل تهدئته السياسية استثناءً أم أنها امتداد لمسار قابل للتجذر والاستمرار رغم الاضطرابات المستجدة من حين لآخر؟.
لقد تميزت التجربة السياسية في موريتانيا، خلال فترات متعددة، بحدة التجاذبات بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى أزمات سياسية عطّلت مسار التنمية. غير أن وصول الرئيس الحالي السيد محمد ول الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم حمل معه مقاربة مختلفة، تقوم على التهدئة والحوار بدل التصعيد والمواجهة، حيث عمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية، وتبني خطابا معتدلا، يُجنّب البلاد الانقسامات الحادة، والصراعات الخطيرة، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستقرار العام.
ومما يمكن تأكيده أن هذا النهج الغزواني لم يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوزه إلى السياسة الخارجية، حيث اعتمد الغزواني أسلوب الدبلوماسية الهادئة القائمة على التوازن والانفتاح، في محيط إقليمي يتسم بكثرة الاضطرابات والانقلابات؛ التي أصبحت سمة تتميز بها منطقة الساحل التي نحن جزء منها، ومن هنا تظهر حقيقة هذا التوجه؛ فيبدو متميزًا مقارنة بما تشهده بعض دول الجوار، حيث يغلب عليها الطابع التصادمي في إدارتها لشؤونها السياسية الداخلية؛ وحتى في بعض علاقاتها الخارجية.
ولإن كان التاريخ السياسي الموريتاني عَرف بدوره محطات من التوافق والحوار إلا أن جو التهدئة الذي أرساه فخامة الرئيس الغزواني عند مجيئه للسلطة شكَّل استثناء محمودا ورغم كل ما حمله من مزايا إيجابية فإن اعتباره استثناءً مطلقًا قد لا يكون مستساغا عند البعض؛ خاصة بعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي دفعت بارتفاع الأسعار وما حصل من إجراءات ضريبية كان لتزامنها وقعه الشديد على المواطن البسيط التي تتأثر مواقفه السياسية باضطراب مصادر قوته اليومي، مما يجعل أزيز المرجل مسموعا، وصرير الأمعاء مؤثرا على الرضا والقبول وهو الوتر الحساس الذي تلعب عليه المعارضة من خلال دعوتها لمهرجان جماهيري توحدت حول الدعوة له؛ رغم عدم اليقين بالسماح له في هذا الظرف الخاص من عدم ذلك.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتماد خطاب التهدئة فحسب وإن كان ذلك مهما جدا، بل لابد من التمكن والقدرة على تحويل خطاب وجو التهدئة إلى نتائج ملموسة تعالج القضايا البنيوية، كالفقر والبطالة وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإذا لم تُترجم هذه السياسة إلى إصلاحات عميقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد نسيم مرحلي لا يلبث أن يفقد تأثيره المنعش.
ثم إن التطورات اللاحقة في الأسبوع الماضي بخصوص قضية النائبتين البرلمانيتين قد تضفي بظلالها على المسار العام لهذه التهدئة التي استمرت خلال السنوات الفائتة من حكم غزواني بهدوء لم تكدره الوقائع والمستجدات الماضية، فهذه القضية المرتبطة بسجن النائبتين المعارضتين التابعتين حتى النخاع لبرام الداه اعبيد تمثل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لنهج التهدئة السياسية الذي عُرف به محمد ولد الشيخ الغزواني، واستوجب من برام نفسه التصريح يومها بالرضا والقبول حينما قال وهو بكامل وعيه (أجبرت صاحبي) فهذا الاختبار يمكن اعتباره نقطة تحوّل تستحق التحليل العميق؛ فوقائع هذه القضية التي تمثلت في إصدار حكم قضائي بسجن نائبتين برلمانيتين معارضتين بعد اتهامهما بإهانة فخامة رئيس الجمهورية والمساس بالرموز الوطنية ونشر خطاب تحريضي؛ أثارت ردود فعل متباينة، حيث رأت المعارضة فيها انتهاكًا للحصانة البرلمانية وتصعيدًا سياسيًا يهدد مناخ الانفتاح، بينما اعتبرتها السلطة وأنصارها مسألة قانونية بحتة تندرج ضمن حماية النظام العام وصون الوحدة الوطنية.
ومن هنا تتجلى قراءتان متناقضتان لهذا الحدث البارز:
القراءة الأولى ترى فيه تراجعًا عن نهج التهدئة التي رسمها الرئيس نفسه طيلة السنوات الماضية من حكمه؛ إذ إن سجن شخصيات سياسية منتخبة يبعث برسائل سلبية حول حرية التعبير، ويُقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويعيد أجواء الاحتقان التي سعى النظام إلى تجاوزها.
أما القراءة الثانية فتؤكد أن التهدئة لا تعني مطلقا التساهل مع ما قد يُفسَّر على أنه تجاوز للقانون أو تهديد للاستقرار، وأن الدولة مطالبة بفرض هيبتها عبر مؤسساتها القضائية حتى في مواجهة إي كان من الشخصيات السياسية، ومما تؤكد عليه السلطة في كل تعليقاتها على الأحكام القضائية أن القضاء الموريتاني قضاء مستقل تماما؛ لا وصاية للجهاز الحكومي على توجهه، ولا دخل لها في تحديد متجه مساره.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا الحدث ذاته بقدر ما تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ثلاث ركائز أساسية هي:
أولا: حرية التعبير باعتبارها جوهر العمل الديمقراطي.
ثانيا: هيبة الدولة التي تضمن احترام القانون.
ثالثا: استمرارية التهدئة كخيار استراتيجي لتجنب الانقسامات.
فإذا اختل هذا التوازن، فقد تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب نظري فاقد التأثير، أو يتحول القانون إلى أداة تُفهم على أنها موجهة سياسيًا، وهو ما يضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
وخلاصة القول، إن تهدئة الغزواني السياسية تعتبر خيارا قياديا مميزا في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار، وتبقى قيمتها الحقيقية رهينة بمدى قدرتها على إرساء دعائم إصلاح شامل ومستدام، يحول التوافق السياسي إلى إنجازات واقعية تعود بالنفع على المواطن وتدعم مسار الدولة نحو الاستقرار والتنمية، وعدم ترك المجال لقضية سجن البرلمانيتين في رسم حدود مساحة التهدئة، فتأثيرات هذه القضية قد تظهر نهج التهدئة على أنه سقف محدود ومعين تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار مثلا.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، بما يضمن ترسيخ دولة القانون دون التفريط في مناخ الحريات، حتى تظل التهدئة خيارًا فعّالًا لا شعارًا ظرفيًا.
ومما يتبادر للذهن طرحه كسؤال مركب للمرحلة: هل نحن أمام تراجع عن سياسة التهدئة أملته التجاذبات السياسية، أم أننا أمام تطبيق صارم للقانون في إطار الحفاظ على هيبة الدولة؟
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






