إظهار الرسائل ذات التسميات أخبار. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات أخبار. إظهار كافة الرسائل
الأربعاء، 6 مايو 2026
لكي تظل تهدئة غزواني استثناء كما كانت رغم المستجدات/ عثمان جدو
لا جدال في كون الحياة السياسية في الدول النامية، وخاصة الإفريقية منها تعتبر مجالًا خصبًا للتوترات والصراعات الناتجة عن تعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتباين الرؤى بين الفاعلين السياسيين، وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز نهج التهدئة السياسية كخيار تسعى الأنظمة السياسية من خلاله إلى ترسيخ نهج الاستقرار وبناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، وفي هذا الاتجاه شكّل أسلوب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجًا لافتًا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل تهدئته السياسية استثناءً أم أنها امتداد لمسار قابل للتجذر والاستمرار رغم الاضطرابات المستجدة من حين لآخر؟.
لقد تميزت التجربة السياسية في موريتانيا، خلال فترات متعددة، بحدة التجاذبات بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى أزمات سياسية عطّلت مسار التنمية. غير أن وصول الرئيس الحالي السيد محمد ول الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم حمل معه مقاربة مختلفة، تقوم على التهدئة والحوار بدل التصعيد والمواجهة، حيث عمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية، وتبني خطابا معتدلا، يُجنّب البلاد الانقسامات الحادة، والصراعات الخطيرة، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستقرار العام.
ومما يمكن تأكيده أن هذا النهج الغزواني لم يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوزه إلى السياسة الخارجية، حيث اعتمد الغزواني أسلوب الدبلوماسية الهادئة القائمة على التوازن والانفتاح، في محيط إقليمي يتسم بكثرة الاضطرابات والانقلابات؛ التي أصبحت سمة تتميز بها منطقة الساحل التي نحن جزء منها، ومن هنا تظهر حقيقة هذا التوجه؛ فيبدو متميزًا مقارنة بما تشهده بعض دول الجوار، حيث يغلب عليها الطابع التصادمي في إدارتها لشؤونها السياسية الداخلية؛ وحتى في بعض علاقاتها الخارجية.
ولإن كان التاريخ السياسي الموريتاني عَرف بدوره محطات من التوافق والحوار إلا أن جو التهدئة الذي أرساه فخامة الرئيس الغزواني عند مجيئه للسلطة شكَّل استثناء محمودا ورغم كل ما حمله من مزايا إيجابية فإن اعتباره استثناءً مطلقًا قد لا يكون مستساغا عند البعض؛ خاصة بعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي دفعت بارتفاع الأسعار وما حصل من إجراءات ضريبية كان لتزامنها وقعه الشديد على المواطن البسيط التي تتأثر مواقفه السياسية باضطراب مصادر قوته اليومي، مما يجعل أزيز المرجل مسموعا، وصرير الأمعاء مؤثرا على الرضا والقبول وهو الوتر الحساس الذي تلعب عليه المعارضة من خلال دعوتها لمهرجان جماهيري توحدت حول الدعوة له؛ رغم عدم اليقين بالسماح له في هذا الظرف الخاص من عدم ذلك.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتماد خطاب التهدئة فحسب وإن كان ذلك مهما جدا، بل لابد من التمكن والقدرة على تحويل خطاب وجو التهدئة إلى نتائج ملموسة تعالج القضايا البنيوية، كالفقر والبطالة وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإذا لم تُترجم هذه السياسة إلى إصلاحات عميقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد نسيم مرحلي لا يلبث أن يفقد تأثيره المنعش.
ثم إن التطورات اللاحقة في الأسبوع الماضي بخصوص قضية النائبتين البرلمانيتين قد تضفي بظلالها على المسار العام لهذه التهدئة التي استمرت خلال السنوات الفائتة من حكم غزواني بهدوء لم تكدره الوقائع والمستجدات الماضية، فهذه القضية المرتبطة بسجن النائبتين المعارضتين التابعتين حتى النخاع لبرام الداه اعبيد تمثل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لنهج التهدئة السياسية الذي عُرف به محمد ولد الشيخ الغزواني، واستوجب من برام نفسه التصريح يومها بالرضا والقبول حينما قال وهو بكامل وعيه (أجبرت صاحبي) فهذا الاختبار يمكن اعتباره نقطة تحوّل تستحق التحليل العميق؛ فوقائع هذه القضية التي تمثلت في إصدار حكم قضائي بسجن نائبتين برلمانيتين معارضتين بعد اتهامهما بإهانة فخامة رئيس الجمهورية والمساس بالرموز الوطنية ونشر خطاب تحريضي؛ أثارت ردود فعل متباينة، حيث رأت المعارضة فيها انتهاكًا للحصانة البرلمانية وتصعيدًا سياسيًا يهدد مناخ الانفتاح، بينما اعتبرتها السلطة وأنصارها مسألة قانونية بحتة تندرج ضمن حماية النظام العام وصون الوحدة الوطنية.
ومن هنا تتجلى قراءتان متناقضتان لهذا الحدث البارز:
القراءة الأولى ترى فيه تراجعًا عن نهج التهدئة التي رسمها الرئيس نفسه طيلة السنوات الماضية من حكمه؛ إذ إن سجن شخصيات سياسية منتخبة يبعث برسائل سلبية حول حرية التعبير، ويُقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويعيد أجواء الاحتقان التي سعى النظام إلى تجاوزها.
أما القراءة الثانية فتؤكد أن التهدئة لا تعني مطلقا التساهل مع ما قد يُفسَّر على أنه تجاوز للقانون أو تهديد للاستقرار، وأن الدولة مطالبة بفرض هيبتها عبر مؤسساتها القضائية حتى في مواجهة إي كان من الشخصيات السياسية، ومما تؤكد عليه السلطة في كل تعليقاتها على الأحكام القضائية أن القضاء الموريتاني قضاء مستقل تماما؛ لا وصاية للجهاز الحكومي على توجهه، ولا دخل لها في تحديد متجه مساره.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا الحدث ذاته بقدر ما تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ثلاث ركائز أساسية هي:
أولا: حرية التعبير باعتبارها جوهر العمل الديمقراطي.
ثانيا: هيبة الدولة التي تضمن احترام القانون.
ثالثا: استمرارية التهدئة كخيار استراتيجي لتجنب الانقسامات.
فإذا اختل هذا التوازن، فقد تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب نظري فاقد التأثير، أو يتحول القانون إلى أداة تُفهم على أنها موجهة سياسيًا، وهو ما يضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
وخلاصة القول، إن تهدئة الغزواني السياسية تعتبر خيارا قياديا مميزا في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار، وتبقى قيمتها الحقيقية رهينة بمدى قدرتها على إرساء دعائم إصلاح شامل ومستدام، يحول التوافق السياسي إلى إنجازات واقعية تعود بالنفع على المواطن وتدعم مسار الدولة نحو الاستقرار والتنمية، وعدم ترك المجال لقضية سجن البرلمانيتين في رسم حدود مساحة التهدئة، فتأثيرات هذه القضية قد تظهر نهج التهدئة على أنه سقف محدود ومعين تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار مثلا.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، بما يضمن ترسيخ دولة القانون دون التفريط في مناخ الحريات، حتى تظل التهدئة خيارًا فعّالًا لا شعارًا ظرفيًا.
ومما يتبادر للذهن طرحه كسؤال مركب للمرحلة: هل نحن أمام تراجع عن سياسة التهدئة أملته التجاذبات السياسية، أم أننا أمام تطبيق صارم للقانون في إطار الحفاظ على هيبة الدولة؟
*التكافل* إلى أي حد نجح البرنامج/ عثمان جدو
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول النامية، يبرز التضامن الاجتماعي كأداة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق الطبقية عبر برامج موجهة لدعم الفئات الهشة، ويُعدّ برنامج (تكافل)التابع لتآزر نموذجًا بارزًا في هذا السياق.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى نجح هذا البرنامج في تحقيق أهدافه؟
وكيف ينظر إلى تجربة الراحل المرحوم: مولاي الحسن ولد زيدان في تنسيق هذا البرنامج الهام جدا؟ وهل ترك بصمته في سبيل تحقيق مقاصد برنامج فخامة رئيس الجمهورية؟.
يُعتبر برنامج (تكافل) أحد أبرز البرامج الاجتماعية التي تُجسّد تعهدات وطموحات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في سعيه إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية وتعزيز التضامن بين مختلف فئات المجتمع.
فهذا البرنامج يهدف إلى تقديم تحويلات نقدية مباشرة للأسر الأكثر فقرًا، مما يساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية مثل الغذاء والتعليم والصحة، ويُعدُّ خطوة نوعية في الانتقال من المقاربات التقليدية إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافًا وفعالية، تعتمد على قواعد بيانات دقيقة لتحديد المستفيدين الحقيقيين، كما يعكس التزام الدولة بتكريس مبدأ العدالة الاجتماعية، حيث يسعى إلى تقليص الفوارق بين الطبقات والحد من الهشاشة الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، يُجسّد هذا البرنامج طُموح فخامة رئيس الجمهورية في بناء دولة قريبة من المواطن، تستمع لانشغالاته وتعمل على تحسين حياته اليومية.
فقد جاء (تكافل) ضمن حزمة من الإصلاحات الاجتماعية التي تهدف إلى ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
وقد ارتبط نجاح هذا البرنامج بجهود القائمين عليه، وعلى رأسهم منسقه الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي ترك بصمة واضحة في مسار العمل الاجتماعي، فقد حقق نجاحًا معتبرًا على عدة مستويات، حيث أسهم في توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، كالأسر الفقيرة والأرامل، مما عزز مبدأ العدالة الاجتماعية وقلّص من مظاهر التهميش، وساعدت التحويلات النقدية المنتظمة التي يُقدمها في تحسين القدرة الشرائية للمستفيدين، والتخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة التي يقبعون فيها، خاصة في فترات الأزمات؛ كالحروب التي يعيشها العالم الآنوالتي أدت إلى ارتفاع ألأسعار، وسببت أزمة عالمية في المحروقات، إضافة إلى ذلك، لم يقتصر هذا البرنامج على الدعم المالي فقط، بل سعى إلي الاستثمار في الإنسان، من خلال ربط المساعدات بمجالات حيوية كالتعليم والصحة، وهو ما يُعزز بناء رأس مال بشري قادر على الإسهام في التنمية مستقبلاً، كما شهد البرنامج تطورًا ملحوظًا في آليات التنفيذ، خاصة عبر إدخال الوسائل الرقمية التي سهلت وصول الدعم ورفعت من مستوى الشفافية.
ويمكن أن يعتبر هذا البرنامج خطوة متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية، باستهدافه آلاف الأسر الفقيرة من خلال هذه التحويلات النقدية المنتظمة، وفي هذا الإطار، برز دور المنسق الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي عُرف بكفاءته الإدارية وقدرته على تنظيم العمل وتطوير آليات التنفيذ.
فقد عمل الراحل على تعزيز شفافية البرنامج، وتحسين طرق استهداف المستفيدين، مما مكّن من إيصال الدعم إلى شرائح واسعة كانت في أمسّ الحاجة إليه.
وتُشير العديد من التقييمات إلى أن فترة إشرافه شهدت نقلة نوعية، سواء من حيث توسيع قاعدة المستفيدين أو من حيث تحسين الأداء الميداني، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا حرصه الدائم -رحمه الله تعالى- على المتابعة الدقيقة والتنسيق المحكم بين مختلف الجهات المتدخلة.
وخلاصة القول فإن المرحوم مولاي الحسن ولد زيدان نجح إلى حدّ كبير في تنسيق برنامج (تكافل)، وأسهم في جعله أداة فعالة للتخفيف من وطأة الفقر وتعزيز روح التضامن الاجتماعي. وبالتالي ترك بصمة ناصعة في سبيل إرساء مقاصد طموح فخامة رئيس الجمهورية وكذا تعهداته لمواطنيه، هذا مع أن سقف الطلب كان كبيرا فتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة يظل رهينًا بسياسات متكاملة تتجاوز حدود البرامج الظرفية، لتشمل إصلاحات اقتصادية وتنموية عميقة، وبذلك يبقى نجاحه تجربة رائدة تستحق التقدير، وتشكل أساسًا يمكن البناء عليه مستقبلًا.
وفي الأخير فإن برنامج (تكافل) يمثل خطوة مهمة في مسار محاربة الفقر وتعزيز التضامن الاجتماعي في بلادنا، وقد نجح إلى حد كبير في التخفيف من معاناة الفئات الهشة،ولكيلا يظل هذا النجاح نسبيًا في أعين البعض، فإنه يحتاج إلى تعزيز الانتشار وتوسيع التغطية، وتحسين آليات الاستهداف، وربطه ببرامج تنموية منتجة تخلق فرص العمل أكثر فأكثر وتضمن الاستدامة، فالتنمية الحقيقية لا تقوم فقط على الدعم، بل على تمكين الإنسان ليكون فاعلًا أساسيا في بناء مستقبله بنفسه.
الخميس، 23 أبريل 2026
نهج غزواني في تسيير العلاقات الخارجية (مقال)
تنحو السياسة الموريتانية في السنوات الأخيرة منحى يُظهر يوما بعد يوم قدرا كبيرا من الحكمة في تسيير العلاقات الخارجية؛ حيث اتسمت بالاعتدال والتوازن والبراغماتية، بعيدًا عن التوترات والصراعات الإقليمية، ويعكس هذا المسار الهادئ وجود شخصية مُتَّزنة وقادرة على التحكم في الانفعالات، وهي سمة يُقدّرها القادة في العلاقات الدولية، حيث تُبنى القرارات الكبرى على التعقل لا التسرّع، فالقائد الذي يتحدث بهدوء ويستمع أكثر مما يتكلم، يُنظر إليه كشريك موثوق يُمكن التفاهم معه.
وهذا النهج الهادئ والمتزن؛ هو ما يميز الحكمة التي تُدار بها البلاد الآن إذ يعتمد الغزواني على الدبلوماسية الناعمة بدل التصعيد، فيتعامل مع مختلف القضايا الدولية بروح الحوار والتفاهم، مما أكسب موريتانيا احترامًا متزايدًا على الساحة الدولية، وهذه الصورة تعكسها طريقة التعامل مع استفزازات بعض دول الجوار بأسلوب طائش، قابله الرئيس بحكمة ناضجة.
ومن نافلة القول إن شخصية القائد تُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاحه داخليًا وخارجيًا، إذ لا تقتصر القيادة على اتخاذ القرارات فحسب، بل تشمل أيضًا أسلوب التعامل وطريقة التواصل مع الآخرين.
وفي عالم تسوده التوترات والتحديات، يبرز الهدوء كصفة نادرة ومُؤثرة في كسب الثقة والاحترام، ومن هذا المنطلق، يُعدّ هدوء محمد ولد الشيخ الغزواني وحكمته في تقدير المواقف من أبرز السمات التي أسهمت في تعزيز مكانته على الساحة الدولية.
كما تتجلى هذه الحكمة في تنويع الشراكات الدولية، حيث لم تقتصر علاقات موريتانيا على طرف واحد، بل عملت على تعزيز التعاون مع دول متعددة مثل فرنسا وإسبانيا، والمحيط الإفريقي والعمق العربي إلى جانب الانفتاح على شركاء جدد في مختلف بقاع العالم، بما يخدم المصالح الوطنية ويقلل من التبعية.
ومعلوم أن الدبلوماسية الحديثة تنسجم مع الهدوء والتفاوض الناعم أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يجعل حضور القائد الذي يتشبع بهذه المميزات في اللقاءات الدولية مقبولًا ومريحًا، خاصة عند التعامل مع قضايا معقدة كالأمن في منطقة الساحل، مثلا؛ التي تحيط بنا وتفرض علينا التفكير دوما بما يقتضيه لزوم العيش المشترك أو التعاون الاقتصادي الدولي الذي هو الشغل الشاغل لكل دول العالم.
وهذا النهج القويم يُساهم لا محالة وبشكل كبير في تعزيز صورة موريتانيا كدولة مُستقرة ومُتزنة، وهو أمر مهم في كسب ثقة الشركاء الدوليين وجذب الاستثمارات والدعم،فالسياسة الناجحة تعمل على تحقيق التوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، بحيث تُسخّر العلاقات الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية المحلية وجلب المنافع، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.
ومما لا شك فيه أيضا أن طريقة التسيير التي اعتمدها غزواني كفلسفة راسخة لديه أظهرت التركيز على البعد الأمني والاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل، حيث تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم، دون الانجرار إلى سياسات المواجهة الحادة؛ مع عدم اغفال أهمية مسايرة ذلك بمفاتيح التنمية؛ كضامن أساسي لترسيخ الأمن الفعال والمؤثر، تأثيرا إيجابيا ينفع الناس ويمكث في الأرض.
بالإضافة إلى ما تقدم حمل تصريح محمد ولد الشيخ الغزواني في دكار رسائل دبلوماسية نموذجية مُؤكدة على ما سبق ومن ذلك أنه (لا يمكن تحقيق الاستقرار بالاقتصار على المقاربة الأمنية) ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقاً بأن الأزمات في منطقة الساحل ليست أمنية فقط، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية.
فالفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، كُلها تُغذي بيئات الهشاشة التي تستغلها الجماعات المتطرفة، لذلك، فإن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها قد يحدّ من التهديد مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة بشكل نهائي.
وفي الجانب الآخر من هذه المعالجة يلزمنا أن نُشير إلى أن هذا النهج الرزين الذي رسم ملامح تسيير غزواني للسياسة الخارجية، وكذا القضايا الوطنية، وجد سندا قريبا، قويا،وعونا سديدا، تمثل فيما لعبته وتلعبه السيدة الأولى مريم منت الداه إلى جانب زوجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كعامل داعم وإيجابي في عدة مجالات، ولأن السيدة الأولى في أي دولة تلعب دورًا رمزيًا وإنسانيًا مهمًا، يتجاوز البروتوكول العادي إلى الإسهام في دعم صورة الدولة وتعزيز جهود القيادة السياسية، فقد برز دور منت الداه جليا في الأمور التالية:
أولًا: الدعم المعنوي والسياسي: إذ تُعد السيدة الأولى سندًا معنويًا للرئيس، حيث ظهرت خلال الزيارات الرئاسية بصورة مُتزنة ومحافظة تعكس القيم الثقافية الأصيلة والنظيفةللمجتمع الموريتاني، وما ذلك إلا من طيب منبعها، وطبعا ماء العود من حيث يعصر؛ ولقد ساهمت بذلك في تعزيز حضوره الاجتماعي والإنساني، وهي عندما ترافقه في بعض الأنشطة الرسمية، تُعطي صورة ناصعة عن التماسك والاستقرار داخل مؤسسة الرئاسة، وهذا الظهور المتوازن يعكس انسجامًا ينعكس إيجابيًا على ثقة المواطنين، ويُساهم أيضا في تقديم صورة إيجابية عن البلاد لدى الرأي العام الدولي.
ثانيًا: العمل الاجتماعي والإنساني: لقد عُرفت السيدة الأولى بانخراطها الدائم في مجالات اجتماعية كثيرة مثل دعم الفئات الهشة، والعناية بالمرأة والطفل، وتشجيع العمل الخيري، وتبني قضايا أصحاب الهمم، كل هذه الجهود تُكمّل السياسات الحكومية وتُضفي عليها بُعدًا إنسانيًا، مما يقرب الدولة من المواطن ويُحسن صورتها في ذهنه.
ثالثًا: تحسين صورة موريتانيا خارجيًا: فمن خلال مشاركاتها في الأنشطة الدولية واستقبالها لشخصيات أجنبية، تساهم السيدة الأولى في تقديم صورة إيجابية عن موريتانيا، تعكس قيم التضامن والانفتاح، وتدعم الدبلوماسية الناعمة التي تسعى الدولة إلى إظهارها كخيار آمن وفعال، ومنهج مُؤثر يصلح به ما أفسده غيره من الخيارات الخشنة، أو المتهورة.
رابعًا: تعزيز قضايا المرأة: حيث يُشكل حضورها فرصة لإبراز دور المرأة الموريتانية الريادي، وإيجابيتها المميزة في المجتمع، والدفع نحو تمكينها في مختلف المجالات، سواء عبر التوعية أو دعم المبادرات النسوية ورعايتها، والانخراط الفعال في إنجازها.
أخيرا يمكن القول إن دور السيدة الأولى مريم منت الداه يتكامل مع جهود الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث يُضيف بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا للسياسات العامة، ويُساهم في ترسيخ صورة إيجابية عن الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو ما يجعل هذا الدور عنصرًا مهمًا في دعم القيادة وتعزيز حضورها، وبالتالي فإن دور السيدة الأولى لم يكن يوما شكليًا، بل ساهم فعليًا في دعم صورة موريتانيا كدولة مستقرة، متضامنة اجتماعيًا، ومنفتحة على العالم، وذلك من خلال توظيف “القوة الناعمة” إلى جانب الجهود السياسية للرئيس.
PartagerFacebookTwitterWhatsApp
الأحد، 19 أبريل 2026
هدم المنازل واختتام زيارة الرئيس: التزامن المربك / عثمان جدو
تعيش المجتمعات أحيانًا على وقع أحداث متزامنة؛ تثير تساؤلات متعددة، وتفتح الباب أمام التأويلات المختلفة، ومن ذلك ما شهدته وتشهده الساحة الموريتانية في الآونة الأخيرة من جدلٍ واسع حول قضية هدم المنازل، خاصة ما شهدته مقاطعة تيارت من عمليات هدم لبعض المنازل، بالتزامن مع عودة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من زيارته لفرنسا يثير كثيرا من التساؤلات؛ عن جدوى استهداف مساكن المواطنين البسطاء أولا؛ بدل ملاحقة السماسرة الذين يقفون وراء بيع الأراضي بطرق غير قانونية، وكذا التوقيت، فلماذا مثلا تطبيق هذا الإجراء على هذا المكان في هذا الزمان؟ وهو الزمان الذي يعكس لحظة تنتشي فيها البلاد بصدى نتائج زيارة الدولة التي أداها فخامة الرئيس لفرنسا بكل نجاح.
إن هذه الإشكالية تطرح أبعادًا قانونية واجتماعية وأخلاقية تستحق التحليل لفهم خلفياتها وتداعياتها، وطبعا يدفع هذا التزامن بين الهدم واختتام الزيارة بنجاح بعض المتابعين إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر بإجراء إداري داخلي روتيني أم أنه محاولة للتشويش على نتائج الزيارة، عن قصد أو خلافه؟ ولن يستساغ القصد مهما تجلى سوء التقدير والحماقة في توظيف التوقيت، فلا يعقل أبدا أن تعمل مصالح إدارية للدولة على التشويش المتعمد على زيارة رئاسية بهذا الحجم وهذه القيمة وذاك النجاح؛ لكن التحليل وضرورة بسط الرؤى ومعالجة الأفكار يقودنا إلى طرح كل الاحتمالات بتجرد وموضوعية.
وبالتالي فإن هدم المنازل يبدو للوهلة الأولى كإجراء قاسٍ يطال الفئات الضعيفة، خصوصًا أولئك الذين اقتنوا أراضيهم بحسن نية، معتقدين أن معاملاتهم سليمة، لكن عندما نعلم أو تستظهر لنا الجهات المعنية ببيان يوضح أن الدولة تستند في هذا الإجراء إلى تطبيق القانون، الذي تعتبر البناء على أراضٍ غير مرخصة مخالفة صريحة تستوجب الإزالة، وأن هذا هو لب القضية، وحقيقة الحدث، حينها نفهم أن هذا الخيارأي خيار الهدم يُعد الخيار الأسرع من حيث التنفيذ وربما التأثير، حيث يحقق هدف فرض النظام وإظهار هيبة الدولة في مواجهة الفوضى العمرانية، وبالتالي فإن عمليات هدم المنازل في المدن ظاهرة ترتبط غالبًا باعتبارات تنظيمية وعمرانية، إذ تسعى السلطات إلى محاربة البناء العشوائي، وتطبيق مخططات التهيئة الحضرية، أو تنفيذ مشاريع تنموية تتطلب إعادة تنظيم المجال.
وعليه، فإن هذه الإجراءات تدخل في إطار السياسات الداخلية التي تُنفَّذ بشكل دوري، بغض النظر عن السياقات السياسية أو الدبلوماسية.
لكن في المقابل، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا يتم التركيز على السماسرة الذين تسببوا في هذه الأزمة؟ وإن كانت الحقيقة أن ملاحقة هؤلاء ليست بالأمر السهل، نظرًا لاعتمادهم أساليب ملتوية، مثل العمل عبر وسطاء متعددين أو غياب وثائق رسمية واضحة تثبت تورطهم.
كما أن ضعف نظام التوثيق العقاري يساهم في تعقيد المسألة، إذ تنتشر في بعض المناطق وثائق متضاربة أو غير مكتملة، ما يفتح الباب أمام عمليات احتيال يصعب تتبعها قانونيًا.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال احتمال وجود تقصير إداري أو حتى تواطؤ في بعض الحالات، حيث يُطرح سؤال مشروع حول كيفية السماح أصلًا ببيع هذه الأراضي، وأحيانا يدعي أحدهم الحصول على إذن بناء فكيف تم ذلك؟ وعلى أي أساس سليم مُنح؟، هذا العامل يزيد من حساسية الملف، ويجعل معالجته تتطلب إصلاحات عميقة بدل الاكتفاء بإجراءات ظاهرية، ضحيتها من زاويتين المواطن الضعيف.
وعليه، فإن الاقتصار على هدم المنازل دون معالجة جذور المشكلة لا يؤدي إلا إلى تفاقم الشعور بالظلم لدى المواطنين، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لحمايتهم أو تعويضهم.
ومن جهة أخرى فإن الزيارات الرسمية التي يقوم بها رؤساء الدول، مثل زيارة الرئيس الغزواني إلى فرنسا، تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية، وتهدف أساسًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وجذب الاستثمارات، وتوطيد التعاون في مجالات حيوية.
وهذه الملفات تُدار على مستوى عالٍ من التنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا ترتبط عادة بقرارات إدارية محلية محدودة.
غير أن التزامن الزمني بين الحدثين قد يدفع بعض الأطراف إلى الربط بينهما، خاصة في ظل حساسية القضايا الاجتماعية مثل هدم المنازل، التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
كما أن التغطية الإعلامية المكثفة لمثل هذه القضايا قد تطغى أو تشوش على الأحداث السياسية، رغم أهميتها؛ مما يعزز هذا الربط في أذهان البعض، حتى وإن لم يكن قائمًا على أدلة موضوعية.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن هدم المنازل في تيارت يُرجَّح أن يكون جزءًا من سياسات داخلية تهدف إلى تنظيم المجال العمراني، وليس محاولة متعمدة للتشويش على نتائج زيارة خارجية. ومع ذلك، يبقى من الضروري مراعاة البعد الاجتماعي لهذه القرارات، وضمان الشفافية والعدالة في تنفيذها، حتى لا تتحول إلى مصدر توتر أو سوء فهم لدى المواطنين.
فالقضية ليست مجرد تطبيق بسيط للقانون، بل هي إشكالية مركبة تتداخل فيها مسؤوليات متعددة، وحلها العادل والناجع لا يكمن في استهداف الحلقة الأضعف، بل في تبني مقاربة شاملة تقوم على محاسبة السماسرة، وإصلاح نظام العقار، وتعزيز الشفافية الإدارية، مع توفير الحماية للمواطنين الذين اشتروا هذه القطع الأرضية بحسن نية؛ إذ لا يعقل أبدا أن يجازفوا بأموالهم، لكنهم ضحايا مغرر بهم، وبهذا فقط يمكن تحقيق التوازن بين فرض القانون وضمان العدالة الاجتماعية.
وفي الأخير نشير إلى أنه كان بالإمكان أحسن كثيرا مما كان فكان الأولى فيما حصل أن تُحلَّ هذه القضية دون هدم المنازل القائمة، فآخر الدواء الكي، وكان الأفضل والأنسب ألا تعالج هذه المعالجة التي أظهرت خشونة وقسوة في لحظة فرح وطنية ونشوة بنتائج زيارة فخامة الرئيس؛ التي كان يلهو بأحداثها وتفاصيلها كل المواطنين ويجعلونها مائدة يُشرب عليها الشاي بهدوء وفرح، قبل أن تنغص على المشهد تلك المقاطع المصورة لعملية الهدم وما تتخللها من مشادات وتجاذبات وصراعات عجت بها منصات التواصل الاجتماعي مع كامل الأسف على سوء تقدير قيمة اللحظة الثمينة!!.
البعد الأمني في زيارة غزواني لفرنسا ورمزية إهداء كتاب ديغول
البعد الأمني في زيارة غزواني لفرنسا ورمزية إهداء كتاب ديغول/ عثمان جدو
تكتسي الزيارات الرسمية لرؤساء الدول أهمية بالغة، وتزداد قيمة ومعنى عندما تصل الزيارة إلى درجة زيارة دولة، ومن هنا تأتي أهمية زيارة فخامة الرئيس غزواني لفرنسا، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المتقلبة التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، لتعكس جملة من الأبعاد، من أبرزها البعد الأمني الذي أصبح يشكّل أولوية الأولويات في العلاقات الدولية، نظرًا لتصاعد التهديدات العابرة للحدود، ولضرورة تجديد وتوثيق عرى الشراكات الأمنية، وهو ما يعكس حرص موريتانيا على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوطيد شراكاتها الاستراتيجية لمواجهة مختلف التهديدات، فمسألة الأمن والاستقرار أصبحت تاج المشكلات، وذروة الأولويات في هذه منطقتنا، وفي العالم بأسره.
ومن المظاهر التي تتجلى فيها الأبعاد الأمنية لهذه الزيارة:
أولًا: مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة
يلاحظ سعي موريتانيا إلى تعزيز التعاون الأمني مع شركائها الدوليين، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث أصبحت هذه التحديات تمثل خطرًا حقيقيًا على بلادنا؛ التي تعتبر جزءا من فضاء الساحل، الذي يشهد نشاطا متزايدا للجماعات المتطرفة، التي تشكل خطرا علينا وعلى استقرار المنطقة المحيطة بنا، ومن هنا تتجه موريتانيا إلى تقوية التنسيق مع فرنسا، خاصة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير أساليب المواجهة، وكل ما يلحق بذلك من أنواع التعاون العملياتي.
ثانيًا: دعم قدرات الجيش والأمن الموريتاني
تهدف هذه الزيارة إلى دعم قدرات الجيش والأجهزة الأمنية الموريتانية، من خلال الاستفادة من الخبرة الفرنسية في مجالات التدريب والتجهيز، فتعزيز الكفاءة العسكرية يعدّ عنصرًا أساسيًا لضمان حماية البلاد والدفاع عنها في وجه التهديدات المتزايدة، فهذه التحديات تتطلب تعاونًا دوليًا وتنسيقًا مستمرًا، وهو ما تطمح له موريتانيا كما تسعى من خلال هذه الزيارة إلى الحصول على دعم تقني ولوجستي، مثل التدريب العسكري والتجهيزات الحديثة، وطبعا يُنظر إلى فرنسا كشريك قادر على المساهمة في تطوير جاهزية القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على حماية الحدود، وتبادل الخبرات، والتجارب في مجال التكوين العسكري والتقني، بما يساهم في رفع جاهزية القوات المسلحة الموريتانية، وتعزيز قدراتها الدفاعية.
ثالثًا: تأمين الحدود ومواجهة التهديدات العابرة
تواجه موريتانيا تحديات مرتبطة بالهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة المنظمة ومن هنا، فإن التعاون مع فرنسا يشمل مراقبة الحدود وتبادل الخبرات في مجال الأمن الحدودي، خاصة مع تزايد الضغوط والتحديات والاستفزازات في منطقة الساحل، فالاهتمام بتأمين الحدود ومكافحة كل أنواع الجريمة المنظمة بتعقيداتها وتحدياتها، والتهريب بأشكاله وألوانه يعد أمرا في منتهى الضرورة الأمنية، ولا يقتصر الأمر على الأمن الوطني فقط، بل يمتد إلى دعم الاستقرار الإقليمي، حيث تلعب موريتانيا دورًا مهمًا في منطقة الساحل باعتبارها نموذجًا حيا للاستقرار، ومن شأن التعاون مع فرنسا أن يسهم في تعزيز هذا الدور وتكريس مكانة موريتانيا كشريك أساسي في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن في المنطقة برمتها.
رابعًا: دعم الاستقرار الإقليمي
تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في الحفاظ على الأمن مقارنة ببعض دول الجوار التي تشهد اضطرابا مقلقا، والتعاون مع فرنسا يعزز هذا الدور ويُكسبه بعدًا دوليًا، من خلال تبني مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والتنمية إلى جانب العمل العسكري.
ومن خلال هذه الزيارة تتولد فرصة لتعزيز الشراكات الاستراتيجية التي تضمن دعمًا لوجستيًا وتقنيًا، مما يساعد على مواجهة التحديات الأمنية بكفاءة أكبر، وبلورة جهود أوسع لتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل.
خامسًا: الانخراط في الشراكات الأمنية الدولية
تعكس الزيارة أيضا رغبة موريتانيا في تعزيز حضورها ضمن الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، سواء عبر الشراكات الثنائية أو من خلال أطر متعددة الأطراف، وهو ما يعزز مكانتها كشريك موثوق.
أخيرا نشير إلى الدلالة الرمزية العميقة جدا والتي حملها إهداء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكتاب (نحو جيش مهني) إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني فهو حدث أكثر من مجرد مجاملة دبلوماسية؛ بل هو فعل رمزي غني بالدلالات السياسية والاستراتيجية التي منها:
- استحضار الفكر العسكري الاستراتيجي
فكتاب (نحو جيش مهني) يُعد من أهم كتابات ديغول، حيث دعا فيه إلى بناء جيش محترف قائم على الكفاءة والانضباط بدل الجيوش التقليدية، وإهداء هذا الكتاب يرمز إلى أهمية تطوير المؤسسة العسكرية على أسس حديثة، خاصة في منطقة الساحل التي تواجه تهديدات أمنية معقدة.
- رسالة ضمنية حول الاحترافية والاستقرار
ديغول في التراث الفرنسي لم يكن مجرد عسكري، بل رجل دولة ربط بين قوة الجيش واستقرار الدولة، ومن خلال هذا الإهداء، قد يكون ماكرون يلمّح إلى أن الاحتراف العسكري عنصر أساسي في ضمان الاستقرار السياسي، وهو أمر مهم لدول مثل موريتانيا في محيط إقليمي مضطرب.
- تأكيد الشراكة الأمنية بين البلدين
فرنسا تعتبر موريتانيا شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب في الساحل، وهذا الإهداء يعكس رغبة باريس في تعزيز التعاون العسكري والأمني، وربما تشجيع نواكشوط على مواصلة تحديث جيشها وتعزيز جاهزيته.
- بعد شخصي وسياسي لغزواني
الرئيس الغزواني نفسه ذو خلفية عسكرية، ما يجعل اختيار هذا الكتاب تحديدًا ذا دلالة خاصة، وكأن ماكرون يخاطبه بلغة يفهمها جيدًا: لغة المؤسسة العسكرية، والانضباط، والتخطيط الاستراتيجي.
- استدعاء رمزية ديغول
ديغول يمثل في الذاكرة الفرنسية نموذج القائد الذي جمع بين الشرعية العسكرية والقيادة السياسية، واستحضار اسمه في هذا السياق قد يحمل إشارة إلى أهمية القيادة القوية والمتوازنة في إدارة التحديات الوطنية.
ختاما: يتضح أن إهداء هذا الكتاب ليس تصرفا عابرًا، بل هو رسالة متعددة الأبعاد، ودعوة إلى الاحتراف العسكري، وتأكيد على الشراكة، وإشارة إلى دور القيادة في تحقيق الاستقرار.
إنه مثال على كيف يمكن لرمز ثقافي بسيط ككتاب أن يحمل مضامين سياسية عميقة في العلاقات الدولية.
ويتضح من كل ما تقدم أن البعد الأمني يشكّل ركيزة أساسية في زيارة الرئيس محمد ولد الغزواني، حيث تعكس هذه الزيارة وعيًا متزايدًا بأهمية التعاون الدولي في مواجهة التهديدات الأمنية.
كما تؤكد التزام موريتانيا بلعب دور فعّال في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، بما يخدم مصالحها الوطنية والإقليمية.
الخميس، 16 أبريل 2026
الشراكة الموريتانية الفرنسية في ظل زيارة غزواني الحالية
تحمل زيارة فخامة الرئيس الغزواني لفرنسا في طياتها عدة أبعاد ودلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية، وهي في ذات الوقت تعبر عن متانة الشراكة والصداقة الموريتانية الفرنسية، وهي تأتي في هذا الظرف الدولي الحساس والمضطرب الذي يشهده العالم، وكذا ما تمرّ به منطقة الساحل من ظرف خاص ومعقد؛ وهي المنطقة التي تشكل مجال موريتانيا الجغرافي الملامس والمحيط؛ مما يمنحها أهمية خاصة، نظرًا للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة منذ فترة، ويزيدها إشكالا ما يعيشه العالم بأسره، وسنحاول تحليل وتلخيص أبعاد هذه الزيارة، وتلك الشراكة من زوايا مختلفة على النحو التالي:
أولًا: البعد السياسي والدبلوماسي
لا شك أن هذه الزيارة تعكس متانة العلاقات التاريخية بين موريتانيا وفرنسا، والتي تعود إلى فترة ما قبل الاستقلال، كما تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي وتأكيد حضور موريتانيا كشريك موثوق في المنطقة، خاصة في ظل التغيرات السياسية التي تعرفها منطقة الساحل، وهي تعبر عن رغبة مشتركة بين البلدين في الحفاظ على شراكة متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة، في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة، ومما بات معروفا لدى الجميع أن موريتانيا في ظل قيادة الرئيس غزواني اتسمت علاقاتها الخارجية بالحكمة والهدوء والانفتاح على الجميع، مع ضبط النفس بمستوى عالٍ؛ رغم الاستفزازات المتكررة شرقا وغربا، ومن المؤكد أن موريتانيا تسعى دوما إلى تنويع شركائها الدوليين دون التفريط في علاقاتها التاريخية مع فرنسا التي هي محل هذه الزيارة الآن، وموضوع هذا الحديث أيضا.
ثانيًا: البعد الأمني والاستراتيجي
يمكن القول إن هذه الزيارة تأتي في سياق معالجة التحديات الأمنية في منطقة الساحل، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة، وأن موريتانيا تسعى من خلالها إلى تعزيز التنسيق الأمني مع فرنسا، التي ما تزال فاعلًا مهمًا في قضايا الأمن الإقليمي، رغم إعادة تموضعها العسكري في المنطقة، فموريتانيا تمثل نموذجًا ناجحا للاستقرار، والضبط الأمني في الساحل، وهو ما يجعلها شريكًا مهمًا لفرنسا في جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي، فالتعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين يساهم بشكل كبير في الحد من التهديدات العابرة للحدود، ويضمن صيانة المصالح المشتركة.
ثالثًا: البعد الاقتصادي والتنموي
تشكل فرنسا شريكًا اقتصاديًا مهمًا لموريتانيا، حيث يمكن أن تفتح هذه الزيارة آفاقًا جديدة لزيادة الاستثمار، خاصة في مجالات الطاقة، الصيد، والبنية التحتية، كما قد تساهم في جذب الدعم المالي والتقني للمشاريع التنموية، ففرنسا كما هو معلوم تتدخل في دعم بعض المشاريع التنموية في موريتانيا، خاصة في مجالات التعليم والبنية التحتية والطاقة، وهذا ما يجعل موريتانيا ستستفيد من هذا التعاون في جذب استثمارات جديدة، وتعزيز قدراتها الاقتصادية.
رابعًا: البعد الرمزي والدولي
تحمل الزيارة دلالة رمزية تتعلق بمكانة موريتانيا على الساحة الدولية، إذ تعكس رغبة القيادة في الانفتاح على القوى الكبرى وتعزيز حضور البلاد في المحافل الدولية.
وقد تُفهم الزيارة أيضًا كرسالة إلى دول الجوار، مفادها أن موريتانيا تسعى إلى الحفاظ على التوازن في علاقاتها الخارجية، وعدم الانخراط في محاور متصارعة، بل تبني سياسة خارجية قائمة على الشراكة والتعاون؛ فمنطقة الساحل الإفريقي تشهد منذ فترة ليست بالقريبة اضطرابات متزايدة، من بينها تنامي خطر الجماعات المسلحة، وتداعيات الانقلابات العسكرية، وتراجع الاستقرار في بعض الدول، كما أن التحولات في موازين القوى الدولية دفعت ببعض دول المنطقة إلى إعادة ترتيب تحالفاتها؛ مما أبعد فرنسا من حسابات البعض وأدخل شركاء جددا خاصة في المجال الأمني والاستراتيجي، ومع ذلك لم يكونوا الخيار الأنسب ولا الحل السحري المفقود؛ بل زادوا المنطقة تعقيدا، وأضافوا سخونة طائشة للأوضاع.
وختاما، فإن زيارة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لفرنسا ليست مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل هي خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية متعددة، تعكس سعي موريتانيا لتعزيز موقعها السياسي والاقتصادي، ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية بروح من التعاون والانفتاح بصبغة شمولية، تؤكد وضوح الرؤية، والتبصر والحكمة في العلاقات الدولية.
وتؤكد هذه الزيارة أنه في ظل الأوضاع الراهنة في الساحل، ستظل شراكة موريتانيا وفرنسا عاملًا مهمًا في دعم الاستقرار وتعزيز التنمية، في ظل الاحترام المتبادل ومراعاة مصالح الشعوب، بما يضمن استمراريتها وفعاليتها في مواجهة التحديات المستقبلية؛ بندية تامة تصون الكرامة وتحفظ حقوق وحدود وخصوصية الجميع.
السبت، 2 أغسطس 2025
إلزامية المراسلات باللغة العربية الدلالة والحجية/ عثمان جدو
تكتسي اللغة العربية أهميتها كأي لغة أم لأي مجتمع؛ وتزيد على ذلك بميزات تفضيلية اختصت بها دون غيرها؛
فاللغة العربية تعتبر لغة أم للمجتمع الموريتاني دون استثناء بفعل محوريتها في الدين الإسلامي، فهي اللغة التي أُنزل بها القرآن الكريم، والمجتمع الموريتاني عموما، مجتمع مسلم، مسالم، يتعبد الله بتلاوة القرآن في صلوات اليوم الخمس، أي آناء الليل وأطراف النهار، وفي أوقات التبتل الأخرى، وطبعا لا يوجد في مجتمعنا حسب الظاهر والمعلن إلى اليوم من يقرأ القرآن بغير اللغة العربية، فنحن نختلف عن غيرنا من المجتمعات التي تدفعها ضرورتها اللغوية إلى ترجمة القرآن وتفاسيره وكل ما هو ضروري من نصوص وأمور الدين.
ومن منطلق أن اللغة هي سبيل التواصل والتفاهم الذي يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، وهي الوعاء المنهجي لتمرير الأفكار، وتجسيد المعتقدات، فمن خلالها يمكن تحويل الأفكار من مجرد خيال ذهني إلى واقع عملي ملموس ومحسوس؛ وبها يمكن التعبير عن المشاعر والأحاسيس المختلفة حسب مبتغى الشخص، واللغة هي الميراث الشرعي للثقافة وهي الحاضن الرئيسي للتراث، وثراء اللغة هو نتاج منطقي لثراء الثقافة، ولا يمكن لأجيال الأمة أن تفهم تاريخها أو تستوعب مضامين حضارتها دون فهم وإتقان لغتها، فاللغة هي المرآة الناصعة العاكسة لقيمة الأمة، وكلما زاد مستخدموها زادت قيمتها وانتشرت وكثر تداولها .
لقد أدرك الكثير من دول العالم، ومنظماته، وهيئاته الأممية؛ قيمة ومحورية لغة الأم، ومدى ارتباطها بتحقيق الأهداف التربوية الكبرى لأي مجتمع، وما كان ذلك وليد الصدفة بل جاء نتاج تجارب،ودراسات، تناولت الموضوع عن كثب؛ حتى تجلت للجميع قيمة لغة الأم في كونها تشكل حافزا أساسيا على الإبداع، ومعينا مباشرا على جودة اكتساب العلوم والمعارف، ولذلك أدرجت الدول الرائدة فيمجال التنمية التركيز على لغاتها الأم، لخلق فضاء إبداعي أكثر اطمئنانا إلى جودة المخرجات.
ولقد حسمت التقارير والدراسات الأممية الأمر حول أهمية لغة الأم في التدريس، وفي التعامل، والتداول،وكان من ذلك ما أوصت به اليونسكو اثناء تخليدها لليوم العالمي للغة الأم في 21 فبراير 2016 حيث قضت؛ تسليما، بضرورة التدريس بلغة الأم، وعزت في تقاريرها حيال الموضوع؛ الأفضلية الناتجة في دول الريادة إلى تدريسها لمناهجها التعليمية بلغاتها الأم.
إننا إذ نقف اليوم على القرار الريادي، والمنصف، والشجاع، الذي أرسل به وزير الاقتصاد والمالية؛تعميما، إداريا، مُضيئا، ومُلزما، بقوة القانون، وما كان له أن يتجه إلى هذا الاتجاه لولا إدراكه العميق،ويقينه التام بمطابقة هذا القصد لإرادة فخامة رئيس الجمهورية التي تنصب حول إعزاز وتقديس اللغة العربية، وهو في ذلك أيضا يتكئ على ركن شرعي وقانوني متين، فالدستور الموريتاني ينص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، وبذلك يجب أن تكون هي لغة العمل، والتعلم، وتداول الوثائق، وكونها لغة القرآن التي تشكل وعاء حاضنا قيضه الله جل وعلا لحفظ ألفاظه وفهم معانيه، فهي بذلك تلتحف بستار سميك من الطهارة، والحرمة، والقداسة، ومن ناحية مؤهلاتها الذاتية، مقارنة باللغات الأخرى، فهي اللغة المُدرجة ضمن ست لغات أممية رسمية، وهي أشملهم ثراء، وأكثرهم جذورا، فجذور اللغة العربية المتفق عليها 16 ألف جذر، وبعضهم رفعها إلى أكثر من ذلك بكثير، أما مفرداتها دون تكرار فتصل 12 مليون كلمة، وتصنف الأولى عالميا من حيث دقة المعاني، هذا مقارنة باللغة الفرنسية مثلا التي لا تتجاوز مفرداتها 150 ألف،وجذورها 2500 تقريبا، والإنكليزية اللغة الأكثر انتشارا عالميا مفرداتها 600 ألف، وجذورها تقدر 3 آلاف.
من هنا تتضح أسرار اللغة العربية العجيبة، ومؤهلاها الفريدة، وخصوصياتها الفذة، ودررها الثمينة.
الاثنين، 28 يوليو 2025
انواذيبو..عندما يرتوي الظمآن
#انواذيبو.. عندما يرتوي الظمآن/ عثمان جدو
🛑قبل تسع سنوات من الآن أصبحت مقيما في انواذيبو لضرورة مباشرة العمل؛ وكانت يومياتنا مع طلب الماء في عاصمة البلاد الاقتصادية، مدينة انواذيبو بكامل زخم التسمية؛ أشبه بحياة الريف عند جلب الماء، وما يعتري ذلك من صعوبة ومشقة مع استثناءات قليلة في بعض المناطق والأحياء، فعندما ينقطع الماء عن الحي، أو المنزل الذي تسكنه، أو المرفق الذي تداوم فيه، وما أكثر أيام ذلك المشهد، فإن الكبير والصغير والرجل والمرأة كل يحمل وعاءه لجلب الماء من مكان قد يكون بعيدا جدا، أو دون ذلك إذا تحرك الحظ؛ معتمدا في عملية الجلب هذه على سواعد لم تتعود ذلك غالبا.
لقد ازدادت معاناة بسطاء المواطنين مع توفر الماء الذي يشهد ضآلة في أحسن الأحوال على مدار العام، وندرة شديدة إبان الصيف، هذا طبعا مقارنة مع حاجيات الساكنة التي تنمو وتتعزز كأي ساكنة في أي مدينة كبيرة، أحرى أن تكون مدينة مرغوبة، ومحبوبة.. زادت المعاناة واتسعت رقعتها عند ما دخلت على خط الاستثمار في هذه المدينة شركات ومصانع دقيق السمك (موكا) التي تتطلب في معالجتها الصناعية كميات كبيرة من إكسير الحياة.
تطورت هذه الحالة في بعض أحياء انواذيبو، خاصة الأحياء الفقيرة حتى نسي بعضهم طريقة فتح صنابير المياه، وكان حظ المحظوظين أن تصلهم المياه عبر الصهاريج، والسيارات ثلاثية العجلات (واو) التي تولت بلدية انواذيبو توفير الماء من خلالها لسنوات؛ بعدالة تامة ومهنية كبيرة، والحق يُقال دون محاباة أو مجاملة؛
ولو أن ساكنة انواذيبو استقبلت من سنواتها ما استدبرت وتجاهلتها سقاية البلدية أو عجزت عن توفير هذا النزر القليل الذي سقتها به لهلكت عطشا.
بوادر الأمل
عندما أدى فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني زيارة عمل لمدينة انواذيبو، والتقى في ليل يومها الأول بالمواطنين للاستماع إلى مشاكلهم ومشاغلهم، عن كثب، دون حجاب أو ترجمان؛ تعهد لهم في معرض رده على ما طُرِح من هموم وشواغل الساكنة أن عطش انواذيبو سينتهي، وأن ظلام ليلها سيزول.. لقد تعهد فخامة الرئيس بحل المشكل بعد أن اعترف بوجوده طيلة حقب ما كان ينبغي تجاوز مداها قبل حله حلا نهائيا، بوصفه أولى الأولويات، وتاج الحاجات التي يلزم الدولة إشباعها لمواطنيها.
بعد فترة ألزم فخامة الرئيس لجنة وزارية رفيعة المستوى بمتابعة مدى تنفيذ التعهدات وحل المشكلات التي تغض مضجع المواطن في عروس مدننا الساحلية، وعاصمتنا الاقتصادية، وقبل أقل من ثلاث سنوات من الآن تحديدا شهر دجمبر 2022 وضع فخامة الرئيس الحجر الأساس لمشروع ينهي معاناة ساكنة انواذيبو مع العطش كليا من خلال استجلاب الماء بالكيفية التي ينبغي أن يستجلب بها من بحيرة بلنوار، لا عن طريق الأوعية اليدوية الأهلية، ولا عن طريق الصهاريج، ولا السيارات ذات العجلات الثلاثية.
إن أكثر المتفائلين الموالين للنظام لم يكن يتوقع أن يكون هذا المشروع نشازا من التعثر الكلي، أو على الأقل التأخر النسبي، فالمشاريع الوطنية غالبا ما لا تنهيها الجهات المنفذة لها وفق دفتر التزاماتها في تاريخها المحدد، بل عودتنا على زيادة في الأجل المحدد عند ما يقترب موعد الانتهاء، وهذا المشروع الاستراتيجي الهام جدا جدا انتهى قبل موعده بخمسة أشهر؛ إذ المفروض أصلا أن يسلم في دجمبر 2025 كما بدأ في دجمبر 2022 وحدد لإنجازه حسب المعلن المُذاع ثلاث سنوات، وهذا شيء مهم في إنجاز المشاريع الوطنية يجب التوقف عنده والإشادة به؛ لرمزية الاهتمام بدقة الوقت في الالتزام.
إنجاز الوعد والوفاء بالعهد
قبل أشهر من الآن، تحديدا نوفمبر من العام الماضي، كُنَّا هنا في انواذيبو على موعد مشهود مع حدث هام؛ في سبيل إرواء عطش السكان، مع تدشين فخامة رئيس الجمهورية لمشروع في ذات المضمار الذي ينساق فيه هذا المشروع العملاق، ألا وهو تحلية المياه الذي أضاف إلى الموجود سعة 50% أي إضافة 5000 متر مكعب يوميا.
أما هذا المشروع المائي الكبير الذي دُشِّن اليوم فقد أُعِدت العدة لأن يكون فتكة بكرا بالعطش والمعاناة في هذه المدينة؛ فكان الأنبوب الناقل للماء من الآبار الارتوازية العشر؛ المدعمة للموجودة أصلا، والحاضن لعصب الحياة بقطر 800 ملم، وبقدرة ضح تصل 30000 ثلاثين ألف متر مكعب يوميا، دون طاقة ضح بل تتضاعف القدرة لتصل 60000 ستين ألف متر مكعب يوميا مع وجود طاقة للضخ، ويمكن للملاحظ البسيط أن يدرك الفرق؛ فالأنبوب الأول مع طاقة ضخ كان يصل أعلى ما يصل إلى 20000متر مكعب يوميا فقط.
لقد ولى عهد المعاناة مع العطش إلى غير رجعة بإذن الله تعالى، ولقد وعد فخامة الرئيس فوفى بوعده لشعب يستحق كل ذلك، فالدولة لا ينظر إليها أنها حارسة للمواطن، توفر له الأمن فقط، أو تقيده متى ما ظهر لها أن ذلك أولى؛ وتتركه يصارع عاديات الزمن مع قساوة الأيام، بل إن من آكد الحقوق المترتبة للمواطن على الدولة؛ إشباع حاجات المواطنين من صحة، وتعليم، وماء، وكهرباء، وغيرها من أساسيات الحياة التي تنعدم بعدم وجودها.
في هذا اليوم المشهود دشن فخامة الرئيس كابلا بحريا هاما جدا، يضمن بحول الله تدفق الأنترنت بسعة كبيرة وجودة عاليا، مجسدا السيادة الوطنية الرقمية، وموفرا أمان الاستقلال الذي لم يكن حاصلا قبل هذا بالاعتماد على الكابل البحري الأحادي اليتيم الذي كنا نُطل من خلاله على العالم؛ رقميا، إطلالة تشاركية، ومن خلال هذا الكابل والخدمات التي سيوفر لبلادنا؛ الانفتاح على السوق الأمريكية اللاتينية بعرى حبل وطني رقمي متين؛ مكتمل السيادة الوطنية.
لم تقتصر تدشينات هذا اليوم الوطني المشهود في انواذيبو على مشروع المياه والكابل البحري رغم أهميتهما، كل في مجاله؛ بل اتجه فخامة الرئيس مباشرة إلى تدشين مصنع للسمك؛ يُعد من أكبر المصانع في البلاد، وهو منشأة لمعالجة منتوج الصيد السطحي، مُنجز بشراكة وطنية وعربية، ومنه توجه إلى وضع الحجر الأساس لإعادة تأهيل الرصيف التجاري لميناء انواذيبو المستقل، وهو الميناء الذي أنشئ في ستينيات القرن الماضي ولم يستفد منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا من ترميم أو إعادة تأهيل وهو الذي يعول عليه في استقبال البواخر الكبيرة والعملاقة جدا، ومعروف ما لذلك من قيمة ومردودية على الحركة المينائية خصوصا، والدورة الاقتصادية الوطنية عموما.
ختام هذه التدشينات كان وضع الحجر الأساس لمدرسة التعليم الفني والتكوين المهني لتقنيات الإعلام والاتصال، وتعد هذه المدرسة مرفقا علميا تكوينيا يُؤَمِّنُ عدم هجرة البنات خاصة إلى العاصمة والذي عادة ما يكون الحل الواقعي إن نجت الطالبة من التوقف عن الدراسة كخيار أو السفر بعيدا عن الحاضنة الأسرية، وهذه المنشأة في ذات الوقت توفر للفتيان من أبناء المدينة ومن غيرهم تعليما فنيا وتقنيا وتكوينا مهنيا عالٍ في مراتع الصبا بين الأهل والخلان..
أخيرا علينا جميعا أن نفرح بكل حجر وضع اليوم وبكل ستار أزيح؛ فالشيء الأكيد أن كل مُنجزٍ باقٍ، ولكل مواطن فيه حظ ونصيب، بعيدا عن وهم التجاذبات السياسية، وولاءاتها الضيقة؛ باختلاف مشارب أهلها، وعدم إنصاف المخالف منهم
الثلاثاء، 28 يناير 2025
السبت، 5 أكتوبر 2024
الأربعاء، 25 سبتمبر 2024
الأربعاء، 18 سبتمبر 2024
الثلاثاء، 30 يوليو 2024
الأربعاء، 27 مارس 2024
الأربعاء، 20 مارس 2024
الجمعة، 16 فبراير 2024
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


















