الأربعاء، 6 مايو 2026

هل تظل تهدئة غزواني استثناء كما كانت رغم المستجدات؟/ عثمان جدو

لا جدال في كون الحياة السياسية في الدول النامية، وخاصة الإفريقية منها تعتبر مجالًا خصبًا للتوترات والصراعات الناتجة عن تعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتباين الرؤى بين الفاعلين السياسيين، وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز نهج التهدئة السياسية كخيار تسعى الأنظمة السياسية من خلاله إلى ترسيخ نهج الاستقرار وبناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، وفي هذا الاتجاه شكّل أسلوب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجًا لافتًا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل تهدئته السياسية استثناءً أم أنها امتداد لمسار قابل للتجذر والاستمرار رغم الاضطرابات المستجدة من حين لآخر؟. لقد تميزت التجربة السياسية في موريتانيا، خلال فترات متعددة، بحدة التجاذبات بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى أزمات سياسية عطّلت مسار التنمية. غير أن وصول الرئيس الحالي السيد محمد ول الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم حمل معه مقاربة مختلفة، تقوم على التهدئة والحوار بدل التصعيد والمواجهة، حيث عمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية، وتبني خطابا معتدلا، يُجنّب البلاد الانقسامات الحادة، والصراعات الخطيرة، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستقرار العام. ومما يمكن تأكيده أن هذا النهج الغزواني لم يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوزه إلى السياسة الخارجية، حيث اعتمد الغزواني أسلوب الدبلوماسية الهادئة القائمة على التوازن والانفتاح، في محيط إقليمي يتسم بكثرة الاضطرابات والانقلابات؛ التي أصبحت سمة تتميز بها منطقة الساحل التي نحن جزء منها، ومن هنا تظهر حقيقة هذا التوجه؛ فيبدو متميزًا مقارنة بما تشهده بعض دول الجوار، حيث يغلب عليها الطابع التصادمي في إدارتها لشؤونها السياسية الداخلية؛ وحتى في بعض علاقاتها الخارجية. ولإن كان التاريخ السياسي الموريتاني عَرف بدوره محطات من التوافق والحوار إلا أن جو التهدئة الذي أرساه فخامة الرئيس الغزواني عند مجيئه للسلطة شكَّل استثناء محمودا ورغم كل ما حمله من مزايا إيجابية فإن اعتباره استثناءً مطلقًا قد لا يكون مستساغا عند البعض؛ خاصة بعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي دفعت بارتفاع الأسعار وما حصل من إجراءات ضريبية كان لتزامنها وقعه الشديد على المواطن البسيط التي تتأثر مواقفه السياسية باضطراب مصادر قوته اليومي، مما يجعل أزيز المرجل مسموعا، وصرير الأمعاء مؤثرا على الرضا والقبول وهو الوتر الحساس الذي تلعب عليه المعارضة من خلال دعوتها لمهرجان جماهيري توحدت حول الدعوة له؛ رغم عدم اليقين بالسماح له في هذا الظرف الخاص من عدم ذلك. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتماد خطاب التهدئة فحسب وإن كان ذلك مهما جدا، بل لابد من التمكن والقدرة على تحويل خطاب وجو التهدئة إلى نتائج ملموسة تعالج القضايا البنيوية، كالفقر والبطالة وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإذا لم تُترجم هذه السياسة إلى إصلاحات عميقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد نسيم مرحلي لا يلبث أن يفقد تأثيره المنعش. ثم إن التطورات اللاحقة في الأسبوع الماضي بخصوص قضية النائبتين البرلمانيتين قد تضفي بظلالها على المسار العام لهذه التهدئة التي استمرت خلال السنوات الفائتة من حكم غزواني بهدوء لم تكدره الوقائع والمستجدات الماضية، فهذه القضية المرتبطة بسجن النائبتين المعارضتين التابعتين حتى النخاع لبرام الداه اعبيد تمثل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لنهج التهدئة السياسية الذي عُرف به محمد ولد الشيخ الغزواني، واستوجب من برام نفسه التصريح يومها بالرضا والقبول حينما قال وهو بكامل وعيه (أجبرت صاحبي) فهذا الاختبار يمكن اعتباره نقطة تحوّل تستحق التحليل العميق؛ فوقائع هذه القضية التي تمثلت في إصدار حكم قضائي بسجن نائبتين برلمانيتين معارضتين بعد اتهامهما بإهانة فخامة رئيس الجمهورية والمساس بالرموز الوطنية ونشر خطاب تحريضي؛ أثارت ردود فعل متباينة، حيث رأت المعارضة فيها انتهاكًا للحصانة البرلمانية وتصعيدًا سياسيًا يهدد مناخ الانفتاح، بينما اعتبرتها السلطة وأنصارها مسألة قانونية بحتة تندرج ضمن حماية النظام العام وصون الوحدة الوطنية. ومن هنا تتجلى قراءتان متناقضتان لهذا الحدث البارز: القراءة الأولى ترى فيه تراجعًا عن نهج التهدئة التي رسمها الرئيس نفسه طيلة السنوات الماضية من حكمه؛ إذ إن سجن شخصيات سياسية منتخبة يبعث برسائل سلبية حول حرية التعبير، ويُقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويعيد أجواء الاحتقان التي سعى النظام إلى تجاوزها. أما القراءة الثانية فتؤكد أن التهدئة لا تعني مطلقا التساهل مع ما قد يُفسَّر على أنه تجاوز للقانون أو تهديد للاستقرار، وأن الدولة مطالبة بفرض هيبتها عبر مؤسساتها القضائية حتى في مواجهة إي كان من الشخصيات السياسية، ومما تؤكد عليه السلطة في كل تعليقاتها على الأحكام القضائية أن القضاء الموريتاني قضاء مستقل تماما؛ لا وصاية للجهاز الحكومي على توجهه، ولا دخل لها في تحديد متجه مساره. غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا الحدث ذاته بقدر ما تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ثلاث ركائز أساسية هي: أولا: حرية التعبير باعتبارها جوهر العمل الديمقراطي. ثانيا: هيبة الدولة التي تضمن احترام القانون. ثالثا: استمرارية التهدئة كخيار استراتيجي لتجنب الانقسامات. فإذا اختل هذا التوازن، فقد تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب نظري فاقد التأثير، أو يتحول القانون إلى أداة تُفهم على أنها موجهة سياسيًا، وهو ما يضعف الثقة في مؤسسات الدولة. وخلاصة القول، إن تهدئة الغزواني السياسية تعتبر خيارا قياديا مميزا في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار، وتبقى قيمتها الحقيقية رهينة بمدى قدرتها على إرساء دعائم إصلاح شامل ومستدام، يحول التوافق السياسي إلى إنجازات واقعية تعود بالنفع على المواطن وتدعم مسار الدولة نحو الاستقرار والتنمية، وعدم ترك المجال لقضية سجن البرلمانيتين في رسم حدود مساحة التهدئة، فتأثيرات هذه القضية قد تظهر نهج التهدئة على أنه سقف محدود ومعين تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار مثلا. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، بما يضمن ترسيخ دولة القانون دون التفريط في مناخ الحريات، حتى تظل التهدئة خيارًا فعّالًا لا شعارًا ظرفيًا. ومما يتبادر للذهن طرحه كسؤال مركب للمرحلة: هل نحن أمام تراجع عن سياسة التهدئة أملته التجاذبات السياسية، أم أننا أمام تطبيق صارم للقانون في إطار الحفاظ على هيبة الدولة؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق