الجمعة، 22 مايو 2026

العشر الأُول من ذي الحجة أيام الدنيا البهية/ عثمان جدو

العشر الأُوَل من ذي الحجة هي بحقٍّ أيّامُ الدنيا البهيّة، ومواسمُ النفحات الربانية، اختصّها الله تعالى بالفضل العظيم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام، ففيها تتنزّل الرحمات، وتتضاعف الحسنات، وتصفو القلوب بالطاعة والذكر والإنابة، وهي من أعظم أيام السنة، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها على سائر الأيام فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني عشر ذي الحجة الأولى من الشهر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل أو كما قال عليه الصلاة والسلام. إن أفضل ما يتقرب به الإنسان فيها هو الإكثار من الطاعات والقربات، ومن أهم ذلك: المحافظة على الصلوات المكتوبات، فأداء الصلوات في وقتها لا يسبقه عمل في الأهمية، وكذا الإكثار من النوافل وقيام الليل، فكل ذلك من أعظم وأجل القربات إلى الله. ثم إن الصيام في هذه الأيام من الأهمية بمكان خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد قال النبي إنه يكفّر ذنوب سنتين: الماضية والباقية، وتواترت على ذلك الأحاديث الصحيحة وبالتالي يعد فرصة عظيمة تتجلى في صوم يوم واحد يكفر الله به ذنوب سنتين، مع أنه يجب أن ننتبه إلى أن الكبائر لا بد لها من توبة خاصة؛ تكون بالإقلاع عنها، والندم عليها، والنية وهي العزم على ألا يعود إليها، وإن كانت ترتبط بحق لآدمي رده إليه. فكثير من الناس يجترحون المعاصي ويأكلون المال العام ويتعدون على حقوق العباد ثم يترصدون صيام عرفة؛ دون توبة أو إقلاع عن كبريات المعاصي وفي استمرار على ظلم الناس واحتقارهم، وهذا لعمري رقة في الدين وفقد للبوصلة الإيمانية، فالصلاة المكتوبة أعظم من الصيام، وصيام رمضان أفضل من صيام عرفة، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فدل ذلك على أن المقصود بالتكفير هم الذنوب الصغائر وأما الكبائر فلا بد لها من برنامج خاص. ثم إن قراءة القرآن والصدقة والإحسان كلها مطلوبة ومرغب فيها في هذه الأيام؛ فهي موسم عظيم لمضاعفة الأجر، والقرآن من أفضل الأعمال ومساعدة الفقراء، وإطعام المحتاجين، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس كل ذلك يجب الإكثار منه واغتنام فرصة هذه الأيام بتعهده والمداومة عليه. ولئن كانت كل هذه القربات من صلاة وصيام وصدقة وإحسان وقراءة للقرآن هي معترك التنافس لكسب الحسنات ورفعة الدرجات فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإكثار من الذكر في هذه الأيام ودوام التكبير؛ فالإكثار من قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وكذلك التهليل والتسبيح والاستغفار، كلها أمور رغَّب فيها صلى الله عليه وسلم وحث على الإكثار منها، وبين في مواقف أخرى أن الذكر خير الأعمال عند الله وأزكاها وأنه خير من إنفاق الذهب والفضة وخير من لقاء العدو وضرب اعناقهم وبذل النفوس في سبيل الله بملاقاتهم، ولذلك اعتبر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذكر هو أكثر وسائل النجاة من عذاب الله، ومن الملاحظ أن الذكر كله لا يتطلب جهدا عضليا كبيرا، ولا يمكن أن يصعب على الإنسان بفعل التقدم في السن أو المرض ونحوه، كما لا تشغل عنه الشواغل؛ ولذلك أمكن الإكثار منه كل وقت وحين. وجدير بالتذكير أن هذه الأيام من مواسم إجابة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ومن أجمل ما يفعله المسلم فيها أن يجمع بين العبادة وحسن الخلق، لأن الدين ليس طقوسًا فقط، بل معاملة ورحمة وإصلاح للنفس والمجتمع، وفي هذه الأيام كما تقدم تجتمع أعظم العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، لذلك كانت موسماً فريداً لا يشبهه موسم. ومن أجمل ما يميزها: يوم عرفة، خير يوم طلعت عليه الشمس، تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار، ويوم النحر، أعظم أيام السنة عند الله، وخير ما يفعل فيه إهراق الدم تقربا إلى الله. فشعيرة الأضحية تُحيي معاني الطاعة والتضحية والتكافل، ويجب أن تسلم من العيوب التي تمنع الإجزاء وحتى العيوب التي تنقص قيمتها. إن هذه الأيام بحقٍ أيامٌ تُذكّر المسلم بأن العمر فرص، وأن أبواب الخير تُفتح لعباده ليتزودوا بالتقوى والإيمان، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، وعمّر ساعاته فيها بالذكر والاستغفار والدعاء. فهي ليست مجرد أيامٍ تمرّ، بل هي مواسمُ نورٍ ورحمة، وأيّامُ الدنيا البهيّة التي تتجدّد فيها الأرواح، وتقترب فيها القلوب من الله تعالى.

الخميس، 14 مايو 2026

ما دلالة تسمية السيدة الأولى سفيرة للنيات الحسنة؟/ عثمان جدو

تتميّز السيدة الأولى مريم بنت الداه عن كثير من سابقاتها بعدّة جوانب جعلت حضورها مختلفًا في المشهد العام، سواء من حيث الأسلوب أو طبيعة الأدوار التي تضطلع بها، فحضورها الهادئ بعيدًا عن الاستعراض؛ حيث تتجنب الظهور الإعلامي المفرط أو الدخول في السجالات السياسيةمنح صورتها طابعًا من الوقار والتحفظ، مقارنة ببعض التجارب السابقة التي كان حضورها أكثر صخبًا أو ارتباطًا بالتجاذبات السياسية. ثم إن تركيزها على العمل الإنساني والاجتماعي خاصة ما يتعلق بدعم الفئات الهشة، والعمل الخيري، وقضايا المرأة والطفولة والصحة، ساهم في إعطاء صورة اجتماعية لدور السيدة الأولى بدل الصورة البروتوكولية التقليدية التي كانت عالقة في أذهاننا. ولقد انسجم حضور السيدة الأولى مريم منت الداه مع النهج السياسي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائم على التهدئة والانفتاح، فبدت بعيدة عن الاستقطاب السياسي، ولم تُعرف بدعم تيار سياسي أو قبلي بشكل علني، وهو ما عزز صورتها كشخصية جامعة. ويرى كثيرون أن اهتمامها بالقيم التربوية والاجتماعية، ودعم المبادرات ذات الطابع الثقافي والتعليمي، منح دورها بعدًا أكثر ارتباطًا ببناء المجتمع، وليس فقط بالمناسبات الرسمية. ولقد شكَّل ابتعاد السيدة الأولى عن النفوذ السياسي المباشر نقطة بارزة ميزت تجربتها لحد الآن فلم تُتهم بمحاولة التأثير المباشر في التعيينات أو القرار السياسي، وهو أمر كان يُثار أحيانًا حول أدوار بعض السيدات الأول سابقًا في دول المنطقة، بل وحتى في النقاشات المحلية. ثم إن حضورها الدولي المتزايد جعلها تحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو، وهو ما يعكس سعي موريتانيا إلى تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الاجتماعية والثقافية عبر السيدة الأولى، فتسمية مريم منت الداه سفيرةً للنوايا الحسنة لدى هذه المنظمة يحمل دلالة سياسية وثقافية وإنسانية مهمة، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل أعمق تتعلق بصورة موريتانيا ومكانتها داخل العالم الإسلامي والإفريقي. أولًا: دلالة الثقة الدولية في موريتانيا: فاختيار شخصية موريتانية لهذا المنصب يعكس مستوى الثقة التي أصبحت بلادنا تحظى بها في المؤسسات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الحضور الدبلوماسي المتزايد للبلاد خلال السنوات الأخيرة، كما يُفهم منه أن موريتانيا باتت تُقدَّم كنموذج للاستقرار والانفتاح والاعتدال في منطقة الساحل. ثانيًا: الاعتراف بالدور الاجتماعي والإنساني للسيدة الأولى هذا التعيين أو هذه التسمية تمثل اعترافًا بالأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت باسم السيدة الأولى، خصوصًا في مجالات دعم الفئات الهشة، وتمكين المرأة، والعناية بالأطفال، والعمل الخيري، فمناصب -سفراء النياتالحسنة- تُمنح غالبًا لشخصيات يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التأثير الإيجابي ونشر قيم التضامن والتنمية. ثالثًا: تعزيز القوة الناعمة لموريتانيا: فمن الناحية السياسية، يساهم هذا التعيين في تقوية *القوة الناعمة* لموريتانيا، أي حضورها عبر الثقافة والتعليم والعمل الإنساني بدل الاقتصار على الأدوات السياسية التقليدية، فالإيسيسكومنظمة ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي، والارتباط بها يمنح موريتانيا واجهة ثقافية وحضارية مهمة. رابعًا: إبراز مكانة المرأة الموريتانية: يحمل هذا القرار كذلك بعدًا رمزيًا يتعلق بتعزيز صورة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل البلد في المحافل الدولية، وهو ما يُقرأ باعتباره تشجيعًا لحضور النساء في مجالات العمل الدبلوماسي والإنساني والثقافي. خامسًا: خدمة قضايا التعليم والثقافة والتنمية: وبما أن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة تُعنى بالتربية والثقافة والعلوم، فإن هذا الدور قد يفتح المجال أمام مبادرات وشراكات جديدة تخدم التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، خاصة في القضايا المرتبطة بالطفولة وتمكين الشباب والنساء. وفي الأخير فإن تقييم أي سيدة أولى مرتبطً تماما بطبيعة المرحلة السياسية، وحجم الصلاحيات غير المعلنة، ومدى تأثيرها الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذلك فإن صورة مريم بنت الداه لدى الرأي العام تشكلت أساسًا من رمزيتها الاجتماعية المتمثلة في محيط أسري عُرفِ بالفضل ومكارم الأخلاق والعز والشرف، وما هدوء حضورها الطاغي إلا ثمرة تليدة لذلك تميزها أكثر من ارتباطها بالفعل السياسي المباشر. ختاما إن تعيين مريم منت الداه سفيرةً للنيات الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ليس مجرد تكريم شخصي، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية وثقافية متعددة، تعكس تحسن صورة موريتانيا خارجيًا، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الناعمة والعمل الاجتماعي في تعزيز مكانة الدول والشعوب. PartagerFacebookTwitterWhatsAppEmail

إلى متى التدثر بالشرائحية وما مُبرر تدويلها؟

تابعت كغيري من المهتمين بالشأن الوطني ما تناقلته المواقع الوطنية من مضامين لكلمة مصورة صادرة عن المناضل العمالي الساموري ولد بي، والتي قال فيها ما يمكن تفهمه نسبيا وأكثر ما صدر منه لا يمكن أبدا تبريره ولا استساغته تحت أي ظرف أو في أي سياق. لقد ذهب هذا الرجل المسن الذي خبر التمثيليات العمالية، والتشابكات الاجتماعية، والتداخلات العائلية وروابطها؛ التي تُولد وُدًا دائما تذوب أمامه جميع الدعوات اللونية التحريضية إلى قول يُنكر عليه، ورضي بأن يصدر عنه أن مجتمعا بعينه كمكون لحراطين يمكن تهميشه بالطريقة الذي ذكر أو استهدافه بما يستميح من فرضيات مخيال تولدت منه فكرة أقرب إلى ما كان يقع في العصور الوسطى، فهذا المكون الذي ذكرت أيها الوالد لا يمكن سحقه ولا التصدق عليه بحقوقة، فله من الوجود والقوة والتأثير ما لا يمكن أبدا أن تنسفه الأنظمة المتعاقبة إن سعت وعملت على ذلك، ولو افترضنا جدلا أن ذلك ممكن الوقوع فلمصلحة من؟ ومعروف أن الأنظمة التي تعاقبت على هذه البلاد لم تكن لها أية مصلحة في استمرار الظلم والتهميش والاحتقار لهذه المكونة الاجتماعية الهامة جدا، وهذا ما وعاه النظام القائم وعمل على تقليص الفجوة الناتجة عن أخطاء الماضي وتراكمات العقود الماضية. لم تكن كلمة ولد بي هي الوحيدة في هذا الاتجاه، بل لها رديفات حيث ذهب في ذات المنوال ولد بربص شأنهما في ذلك شأن بيرام الذي كان يُغذي هذه النزعة الشرائحية دومًا، ومُخطئ من ظن يوم أن هؤلاء يتحركون فقط لإنصاف المظلومين من أبناء هذا المكون المجيد المسالم النزيه؛ الذي يستحق على هذا النظام وعلى كل من سبقه من الأنظمة وعلى المجتمع بأكمله كل ما يليق بأبناء الشعب البررة المسالمين من الإكرام والتبجيل، فسلمية لحراطين ظلت وستظل مضرب المثل الأول ولن تُفسدها أو تغير من مسارها الراسخ دعوات هؤلاء لأنها ببساطة دعوات إن لم تحمل الفتنة في طياتها فهي تذكي شرارة الانقسام والتنافر ولا تأتي أبدا بإصلاح ولا إنصاف. يمكن أن نتفق أن الدعوات الشرائحية قد يكون لها ما يبررها، إذا كان هناك إقصاء شامل ظاهر ومتعمد، فذلك من شأنه إشعار فئة ما بالإقصاء والتهميش، لكن ذلك مرآته الأساسية انعدام أو ضآلة الوجود في مجالات التعليم والإدارة والاقتصاد، وليس معنى ذلك ضرورة أن يكون فلان أو علان رئيس حكومة أو رئيس دولة، أو هو خازن المال أو المتحكم في اتجاه الأعمال!!، ومن نافلة القول تمثيل كل الشرائح في بلادنا في كل المناصب القيادية وإن تفاوت ذلك تبعا لإكراهات السياسة وتوازن تبعات النفوذ. صحيح أن بعض المكونات في بلادنا عانت من الإقصاء والتهميش المطلق في الماضي ولذلك أسباب منها النظرة التمييزية والهاجس العفن المعشعش في مخيال بعض من تولوا تسيير البلاد في فترات محدودة أو من كانوا ظلا لهم، لكن اليوم هناك رواسب وتبعات تزاوجت في كثير من الحالات مع ضعف مستويات التعليم لتفرز أسباب جديدة لإقصاء غير ممنهج ولا هو بالمؤدلج سياسيا وإنما نتاج حتمي لظاهرة لما يقضى على كامل أسبابها، وهذا ما سعى ويسعى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى معالجة آثاره ومنح المواطنين ما أمكن من حقوقهم بصورة تشعرهم بأن حقهم كمواطنين هو ما يخولهم ذلك وليس ألوانهم ولا اعراقهم، وبذلك استفاد خلق كبير من تعميم الضمان الصحي عن طريق السجل الاجتماعي لما يزيد على مئة ألف أسرة؛ سوادها الأعظم كان من هذه المهمشة في الماضي والتي تعيش فترة محاولة العناية والإنصاف وتغيير العقلية تُجاهها وتجاه غيرها من الشرائح التي ينظر إليها مرضى العقول ومشوهي العقائد بما لا يليق شرعا ولا يستمر قانونا ولا يسلم إنسانية. ثم إن المعالجات التي يضيق حصرها والتي تذيب الفوارق بين المواطنين من شأنها أن تقضي على رواسب التفاوت والظلم والغبن الضارب في القدم؛ لكن ذلك لا يتحقق في ظرف ومني وجير وإنما ببطء تسير البيضة. وكلنا يدرك أن كل البرامج الاجتماعية التي وجه إليها فخامة الرئيس أو رعاها بنفسه تحمل في طياتها معالجة لهذه الرواسب؛ فحتى توزيع المبالغ المالية مؤخرا على المدرسين بخصوص السكن وإن كانت تلبية لرغبة موظفين فإنها تنصف خلقا كثيرا من هؤلاء المتاجر بهم من أبناء هذا المكون المجيد، وما اعتماد برنامج جسور وكذا التمييز الإيجابي لولوج أبناء المهمشين المسجلين في السجل الاجتماعي إلى مدارس الامتياز برعاية فخامة الرئيس وتوجيهه إلا معالجة راسخة مستديمة لأسباب التأخر في بعض أبناء لحراطين الذي زاد من حدته ضعف التحصيل العلمي لمناطق انتشار الفقر والحاجة. إن ما نشاهده اليوم من تحويلٍ للانتماء الشرائحي إلى أداة للصراع السياسي أو للتعبئة الاجتماعية يحمل مخاطر كبيرة على تماسك المجتمع الموريتاني فالمبالغة في الخطاب الشرائحي قد تؤدي إلى نشر الكراهية وتعميق الانقسامات وإضعاف روح المواطنة الجامعة. كما أن تأسيس المطالب على أساس الشرائح بدل الكفاءة والمواطنة قد يُهدد مشروع الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز وهذا ما ننشده وندعو فخامة الرئيس إلى زيادة وتيرته، ولقد قطعت بلادنا أشواطا معتبرة في ذلك، تُعد مكسبا ينبغي أن يصان لا أن يُبدد أو يعود القهقرى. وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُغذَّى فيها النزعات الفئوية والطائفية تصبح أكثر عرضة للتوترات والصراعات، بينما تنجح الدول التي تجعل المواطنة والعدالة الاجتماعية أساسًا للعلاقة بين أفرادها، لذلك فإن معالجة المظالم الحقيقية لا ينبغي أن تتم عبر تأجيج الانقسامات، بل من خلال إصلاحات وطنية شاملة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع، فموريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع يعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي، لكنه يرفض تحويل هذا التنوع إلى سبب للتفرقة والصراع، فالمطلوب ليس إنكار وجود مشاكل اجتماعية، بل معالجتها ضمن إطار الوحدة الوطنية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين. ومما لا شك فيه أيضا أن دعوة الساموري ولد بي إلى الحماية الدولية قد تمثل خطرا على البلاد من عدة زوايا: أولًا: المساس بالسيادة الوطنية من خلال تقديم البلاد للآخرين على أساس أنها غير قادرة على معالجة مشكلاتها الداخلية بنفسها. ثانيًا: فتح الباب للتدويل الذي يؤدي إلى تدويل الأزمات الوطنية، وهو أمر قد تستغله بعض القوى الأجنبية للضغط السياسي أو الاقتصادي، أو للتأثير في القرار الوطني. ثالثًا: تهديد السلم الأهلي فالخطابات التي تقوم على الشعور بالمظلومية الجماعية أو التمييز قد تؤدي - إذا لم تُعالج بالحوار - إلى زيادة الاحتقان بين مكونات المجتمع، وفي مجتمع متنوع مثل موريتانيا، فإن أي خطاب تصعيدي قد يُفسَّر على أنه دعوة للاستقطاب العرقي أو الاجتماعي، وهو ما يهدد التماسك الوطني. رابعًا: إضعاف الثقة في المؤسسات فالدعوة إلى الحماية الدولية تحمل ضمنيًا رسالة مفادها أن القضاء الوطني أو النظام السياسي عاجز عن تحقيق العدالة أو حماية الحقوق، وهذا قد يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، بدل الدفع نحو إصلاحها من الداخل. ومع أن المدافعين عن مثل هذه الدعوات أو الرافعين لها يُبررون ذلك بأنها تأتي نتيجة الشعور بالتهميش وغياب الإنصاف، وأن اللجوء إلى المجتمع الدولي يَستخدمونه كوسيلة ضغط من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان وتحقيق المساواة. وبين هذا وذاك يبقى الحفاظ على وحدة موريتانيا واستقرارها مسؤولية جماعية، تقتضي معالجة الأزمات بالحوار الوطني والإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن خطابات التصعيد أو الاستقواء بالخارج، فالدول القوية تُبنى بالتوافق الداخلي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، لا بتدويل الخلافات الداخلية، التي أثبتت الوقائع في كثير من الدول الإفريقية أنها أتت بنتائج عكسية.

الاثنين، 11 مايو 2026

تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو

تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو تعتبر المدرسة الجمهورية مشروعًا وطنيًا يهدف إلى بناء مجتمع مُوحّد يقوم على قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وذلك من خلال توفير تعليم عصري يضمن لجميع أبنائنا الحق في التعلّم دون تمييز. غير أن نجاح هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير الظروف المناسبة للمدرس، باعتباره حجر الزاوية في العملية التربوية، فهو الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي ناجح، لأنه صانع الأجيال وحامل رسالة التنوير وجسر المعرفة. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن المدرسة الجمهورية لا يمكن أن يكتمل دون الاهتمام الحقيقي بأوضاع المدرسين المادية والاجتماعية ومن أهم ذلك توفير سكن لائق للمدرسين، لما له من أثر مباشر على استقرارهم النفسي والمهني، وعلى جودة عطائهم داخل المدرسة. فالسكن ليس مجرد حاجة معيشية، بل هو عنصر استقرار نفسي واجتماعي ينعكس بصورة مباشرة على أداء المدرس داخل الفصل، وعلى جودة العملية التربوية عمومًا. ولذلك أصبح توفير السكن للمدرسين أحد أهم العوامل المساعدة على تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية القائمة على الإنصاف والجودة وترسيخ قيم المواطنة، ويمكن القول إنه ضرورة تربوية ووطنية تُسهم بقوة في ترسيخ دعائم المدرسة الجمهورية، ويُمثل عامل استقرار أساسي يساعد المدرسين على أداء رسالتهم التربوية في ظروف مريحة، فالمدرس الذي يعيش معاناة البحث عن الإيجار أو التنقل اليومي لمسافات طويلة يفقد جزءًا كبيرًا من طاقته وتركيزه، مما ينعكس سلبًا على مردوديته داخل الفصل، أما عندما يتوفر له سكن مناسب وإن أراد جعله قريبا من مقر عمله، فإنه يصبح أكثر قدرة على الالتزام والانضباط والتحضير الجيد للدروس. كما أن توفير السكن عموما يُشجع المدرسين على العمل في المناطق الريفية والنائية، التي غالبًا ما تعاني من نقص الطواقم التربوية بسبب صعوبة ظروف العيش، وبذلك يسهم في تحقيق العدالة التعليمية بين مختلف مناطق الوطن، وهو أحد أهم أهداف المدرسة الجمهورية التي تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ. ومن جهة أخرى، فإن الاهتمام بهذا الموضوع أصلا يعكس تقدير الدولة لمكانة المدرس ودوره في بناء الأجيال، فالمدرس عندما يشعر بالعناية والاحترام يزداد ارتباطه بمهنته، ويرتفع مستوى عطائه وإخلاصه، مما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والتربية، من خلال خلق بيئة تربوية مستقرة تساعد على الحد من التغيب والتنقل المستمر، وتضمن استمرارية العملية التعليمية طوال السنة الدراسية، فالاستقرار الوظيفي للمدرس يؤدي إلى استقرار التلميذ نفسه، ويعزز الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها فضاءً للتكوين والتربية وغرس قيم المواطنة والوحدة الوطنية. وفي إطار المدرسة الجمهورية، لا يقتصر دور المدرس على التعليم فقط، بل يتعداه إلى التربية على القيم والأخلاق والانتماء الوطني، وبالتالي بناء مواطن متعلم، متشبث بهويته الوطنية، ومنفتح على العصر، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون مدرس مرتاح نفسيًا ومطمئن اجتماعيًا ولذلك فإن توفير ظروف عيش كريمة له، وفي مقدمتها السكن، يُعد استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء المدرسة، وبناء المدرسة يبدأ من الاهتمام بالمدرس. وبناء على ما تقدم تتنزل أهمية توزيع مبالغ مالية على المدرسين كدفعة أولى من صندوق السكن فالحدث يُعد خطوة مهمة في طريق تحسين الظروف الاجتماعية للمدرسين، لما لذلك من أثر مباشر على الاستقرار النفسي والمهني لهذه الفئة التي تُعدّ أساس العملية التعليمية ومحور نجاحها. فمشكل السكن ظلّ لسنوات من أبرز التحديات التي تواجه المدرسين في موريتانيا، خاصة مع ارتفاع أسعار الإيجار وضعف القدرة الشرائية، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء الكثير منهم. ومن هنا تأتي أهمية صندوق السكن باعتباره آلية اجتماعية تهدف إلى تمكين المدرسين من الحصول على سكن لائق يحفظ كرامتهم ويُوفر لهم الاستقرار. وفي يوم الأربعاء 6 مايو 2026 أشرف فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنفسه على توزيع الدفعة الأولى من الدعم المالي المخصص لتوفير سكن لائق للمدرسين وهي خطوة كريمة حملت عدة دلالات إيجابية؛ بكونها تعكس اهتمام الدولة بتحسين أوضاع المدرسين والوفاء بجزء من التعهدات المتعلقة بهم؛ والتي قطعها فخامة الرئيس على نفسه من أجل النهوض بالقطاع التربوي، وبالتالي يجسد هذا التوزيع البداية العملية لتحويل الوعود إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المدرس ويعيشها في حياته اليومية، و سيسهم هذا الدعم لا محالة في تخفيف الأعباء المعيشية عن الأسرة التربوية، ويمنح المدرسين قدرة على امتلاك سكن مستقبلي بدل البقاء تحت ضغط الإيجار والتنقل المستمر. ومع أهمية هذه الخطوة، فإن نجاح صندوق السكن مع ما يتطلبه من الشفافية والعدالة في اختيار المستفيدين، وتوسيع دائرة الدعم تدريجيًا لتشمل أكبر عدد ممكن من المدرسين في مختلف الولايات، فإنه يتطلب إعادة النظر في بعض جزئياته؛ فمثلا ما المانع مستقبلا من أن يشمل هذا الصندوق كل المدرسين وعدم تقييد الاستفادة ب 15 سنة خدمة في الميدان التي أقصت كثيرين، فيكفي مثلا أن الميداني يُمنح المبلغ كاملا والإداري يحصل على النصف فقط، أو ليس الذي تولى شؤونا إدارية لخدمة العملية التربوية، يخدم بذلك المنظومة التربوية، ويُجسد حقيقة المدرسة الجمهورية ذات الطبيعة العمومية؟.

الأربعاء، 6 مايو 2026

لكي تظل تهدئة غزواني استثناء كما كانت رغم المستجدات/ عثمان جدو

لا جدال في كون الحياة السياسية في الدول النامية، وخاصة الإفريقية منها تعتبر مجالًا خصبًا للتوترات والصراعات الناتجة عن تعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتباين الرؤى بين الفاعلين السياسيين، وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز نهج التهدئة السياسية كخيار تسعى الأنظمة السياسية من خلاله إلى ترسيخ نهج الاستقرار وبناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، وفي هذا الاتجاه شكّل أسلوب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجًا لافتًا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل تهدئته السياسية استثناءً أم أنها امتداد لمسار قابل للتجذر والاستمرار رغم الاضطرابات المستجدة من حين لآخر؟. لقد تميزت التجربة السياسية في موريتانيا، خلال فترات متعددة، بحدة التجاذبات بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى أزمات سياسية عطّلت مسار التنمية. غير أن وصول الرئيس الحالي السيد محمد ول الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم حمل معه مقاربة مختلفة، تقوم على التهدئة والحوار بدل التصعيد والمواجهة، حيث عمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية، وتبني خطابا معتدلا، يُجنّب البلاد الانقسامات الحادة، والصراعات الخطيرة، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستقرار العام. ومما يمكن تأكيده أن هذا النهج الغزواني لم يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوزه إلى السياسة الخارجية، حيث اعتمد الغزواني أسلوب الدبلوماسية الهادئة القائمة على التوازن والانفتاح، في محيط إقليمي يتسم بكثرة الاضطرابات والانقلابات؛ التي أصبحت سمة تتميز بها منطقة الساحل التي نحن جزء منها، ومن هنا تظهر حقيقة هذا التوجه؛ فيبدو متميزًا مقارنة بما تشهده بعض دول الجوار، حيث يغلب عليها الطابع التصادمي في إدارتها لشؤونها السياسية الداخلية؛ وحتى في بعض علاقاتها الخارجية. ولإن كان التاريخ السياسي الموريتاني عَرف بدوره محطات من التوافق والحوار إلا أن جو التهدئة الذي أرساه فخامة الرئيس الغزواني عند مجيئه للسلطة شكَّل استثناء محمودا ورغم كل ما حمله من مزايا إيجابية فإن اعتباره استثناءً مطلقًا قد لا يكون مستساغا عند البعض؛ خاصة بعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي دفعت بارتفاع الأسعار وما حصل من إجراءات ضريبية كان لتزامنها وقعه الشديد على المواطن البسيط التي تتأثر مواقفه السياسية باضطراب مصادر قوته اليومي، مما يجعل أزيز المرجل مسموعا، وصرير الأمعاء مؤثرا على الرضا والقبول وهو الوتر الحساس الذي تلعب عليه المعارضة من خلال دعوتها لمهرجان جماهيري توحدت حول الدعوة له؛ رغم عدم اليقين بالسماح له في هذا الظرف الخاص من عدم ذلك. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتماد خطاب التهدئة فحسب وإن كان ذلك مهما جدا، بل لابد من التمكن والقدرة على تحويل خطاب وجو التهدئة إلى نتائج ملموسة تعالج القضايا البنيوية، كالفقر والبطالة وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإذا لم تُترجم هذه السياسة إلى إصلاحات عميقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد نسيم مرحلي لا يلبث أن يفقد تأثيره المنعش. ثم إن التطورات اللاحقة في الأسبوع الماضي بخصوص قضية النائبتين البرلمانيتين قد تضفي بظلالها على المسار العام لهذه التهدئة التي استمرت خلال السنوات الفائتة من حكم غزواني بهدوء لم تكدره الوقائع والمستجدات الماضية، فهذه القضية المرتبطة بسجن النائبتين المعارضتين التابعتين حتى النخاع لبرام الداه اعبيد تمثل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لنهج التهدئة السياسية الذي عُرف به محمد ولد الشيخ الغزواني، واستوجب من برام نفسه التصريح يومها بالرضا والقبول حينما قال وهو بكامل وعيه (أجبرت صاحبي) فهذا الاختبار يمكن اعتباره نقطة تحوّل تستحق التحليل العميق؛ فوقائع هذه القضية التي تمثلت في إصدار حكم قضائي بسجن نائبتين برلمانيتين معارضتين بعد اتهامهما بإهانة فخامة رئيس الجمهورية والمساس بالرموز الوطنية ونشر خطاب تحريضي؛ أثارت ردود فعل متباينة، حيث رأت المعارضة فيها انتهاكًا للحصانة البرلمانية وتصعيدًا سياسيًا يهدد مناخ الانفتاح، بينما اعتبرتها السلطة وأنصارها مسألة قانونية بحتة تندرج ضمن حماية النظام العام وصون الوحدة الوطنية. ومن هنا تتجلى قراءتان متناقضتان لهذا الحدث البارز: القراءة الأولى ترى فيه تراجعًا عن نهج التهدئة التي رسمها الرئيس نفسه طيلة السنوات الماضية من حكمه؛ إذ إن سجن شخصيات سياسية منتخبة يبعث برسائل سلبية حول حرية التعبير، ويُقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويعيد أجواء الاحتقان التي سعى النظام إلى تجاوزها. أما القراءة الثانية فتؤكد أن التهدئة لا تعني مطلقا التساهل مع ما قد يُفسَّر على أنه تجاوز للقانون أو تهديد للاستقرار، وأن الدولة مطالبة بفرض هيبتها عبر مؤسساتها القضائية حتى في مواجهة إي كان من الشخصيات السياسية، ومما تؤكد عليه السلطة في كل تعليقاتها على الأحكام القضائية أن القضاء الموريتاني قضاء مستقل تماما؛ لا وصاية للجهاز الحكومي على توجهه، ولا دخل لها في تحديد متجه مساره. غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا الحدث ذاته بقدر ما تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ثلاث ركائز أساسية هي: أولا: حرية التعبير باعتبارها جوهر العمل الديمقراطي. ثانيا: هيبة الدولة التي تضمن احترام القانون. ثالثا: استمرارية التهدئة كخيار استراتيجي لتجنب الانقسامات. فإذا اختل هذا التوازن، فقد تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب نظري فاقد التأثير، أو يتحول القانون إلى أداة تُفهم على أنها موجهة سياسيًا، وهو ما يضعف الثقة في مؤسسات الدولة. وخلاصة القول، إن تهدئة الغزواني السياسية تعتبر خيارا قياديا مميزا في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار، وتبقى قيمتها الحقيقية رهينة بمدى قدرتها على إرساء دعائم إصلاح شامل ومستدام، يحول التوافق السياسي إلى إنجازات واقعية تعود بالنفع على المواطن وتدعم مسار الدولة نحو الاستقرار والتنمية، وعدم ترك المجال لقضية سجن البرلمانيتين في رسم حدود مساحة التهدئة، فتأثيرات هذه القضية قد تظهر نهج التهدئة على أنه سقف محدود ومعين تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار مثلا. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، بما يضمن ترسيخ دولة القانون دون التفريط في مناخ الحريات، حتى تظل التهدئة خيارًا فعّالًا لا شعارًا ظرفيًا. ومما يتبادر للذهن طرحه كسؤال مركب للمرحلة: هل نحن أمام تراجع عن سياسة التهدئة أملته التجاذبات السياسية، أم أننا أمام تطبيق صارم للقانون في إطار الحفاظ على هيبة الدولة؟

*التكافل* إلى أي حد نجح البرنامج/ عثمان جدو

في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول النامية، يبرز التضامن الاجتماعي كأداة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق الطبقية عبر برامج موجهة لدعم الفئات الهشة، ويُعدّ برنامج (تكافل)التابع لتآزر نموذجًا بارزًا في هذا السياق. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى نجح هذا البرنامج في تحقيق أهدافه؟ وكيف ينظر إلى تجربة الراحل المرحوم: مولاي الحسن ولد زيدان في تنسيق هذا البرنامج الهام جدا؟ وهل ترك بصمته في سبيل تحقيق مقاصد برنامج فخامة رئيس الجمهورية؟. يُعتبر برنامج (تكافل) أحد أبرز البرامج الاجتماعية التي تُجسّد تعهدات وطموحات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في سعيه إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية وتعزيز التضامن بين مختلف فئات المجتمع. فهذا البرنامج يهدف إلى تقديم تحويلات نقدية مباشرة للأسر الأكثر فقرًا، مما يساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية مثل الغذاء والتعليم والصحة، ويُعدُّ خطوة نوعية في الانتقال من المقاربات التقليدية إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافًا وفعالية، تعتمد على قواعد بيانات دقيقة لتحديد المستفيدين الحقيقيين، كما يعكس التزام الدولة بتكريس مبدأ العدالة الاجتماعية، حيث يسعى إلى تقليص الفوارق بين الطبقات والحد من الهشاشة الاقتصادية. ومن جهة أخرى، يُجسّد هذا البرنامج طُموح فخامة رئيس الجمهورية في بناء دولة قريبة من المواطن، تستمع لانشغالاته وتعمل على تحسين حياته اليومية. فقد جاء (تكافل) ضمن حزمة من الإصلاحات الاجتماعية التي تهدف إلى ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة. وقد ارتبط نجاح هذا البرنامج بجهود القائمين عليه، وعلى رأسهم منسقه الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي ترك بصمة واضحة في مسار العمل الاجتماعي، فقد حقق نجاحًا معتبرًا على عدة مستويات، حيث أسهم في توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، كالأسر الفقيرة والأرامل، مما عزز مبدأ العدالة الاجتماعية وقلّص من مظاهر التهميش، وساعدت التحويلات النقدية المنتظمة التي يُقدمها في تحسين القدرة الشرائية للمستفيدين، والتخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة التي يقبعون فيها، خاصة في فترات الأزمات؛ كالحروب التي يعيشها العالم الآنوالتي أدت إلى ارتفاع ألأسعار، وسببت أزمة عالمية في المحروقات، إضافة إلى ذلك، لم يقتصر هذا البرنامج على الدعم المالي فقط، بل سعى إلي الاستثمار في الإنسان، من خلال ربط المساعدات بمجالات حيوية كالتعليم والصحة، وهو ما يُعزز بناء رأس مال بشري قادر على الإسهام في التنمية مستقبلاً، كما شهد البرنامج تطورًا ملحوظًا في آليات التنفيذ، خاصة عبر إدخال الوسائل الرقمية التي سهلت وصول الدعم ورفعت من مستوى الشفافية. ويمكن أن يعتبر هذا البرنامج خطوة متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية، باستهدافه آلاف الأسر الفقيرة من خلال هذه التحويلات النقدية المنتظمة، وفي هذا الإطار، برز دور المنسق الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي عُرف بكفاءته الإدارية وقدرته على تنظيم العمل وتطوير آليات التنفيذ. فقد عمل الراحل على تعزيز شفافية البرنامج، وتحسين طرق استهداف المستفيدين، مما مكّن من إيصال الدعم إلى شرائح واسعة كانت في أمسّ الحاجة إليه. وتُشير العديد من التقييمات إلى أن فترة إشرافه شهدت نقلة نوعية، سواء من حيث توسيع قاعدة المستفيدين أو من حيث تحسين الأداء الميداني، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا حرصه الدائم -رحمه الله تعالى- على المتابعة الدقيقة والتنسيق المحكم بين مختلف الجهات المتدخلة. وخلاصة القول فإن المرحوم مولاي الحسن ولد زيدان نجح إلى حدّ كبير في تنسيق برنامج (تكافل)، وأسهم في جعله أداة فعالة للتخفيف من وطأة الفقر وتعزيز روح التضامن الاجتماعي. وبالتالي ترك بصمة ناصعة في سبيل إرساء مقاصد طموح فخامة رئيس الجمهورية وكذا تعهداته لمواطنيه، هذا مع أن سقف الطلب كان كبيرا فتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة يظل رهينًا بسياسات متكاملة تتجاوز حدود البرامج الظرفية، لتشمل إصلاحات اقتصادية وتنموية عميقة، وبذلك يبقى نجاحه تجربة رائدة تستحق التقدير، وتشكل أساسًا يمكن البناء عليه مستقبلًا. وفي الأخير فإن برنامج (تكافل) يمثل خطوة مهمة في مسار محاربة الفقر وتعزيز التضامن الاجتماعي في بلادنا، وقد نجح إلى حد كبير في التخفيف من معاناة الفئات الهشة،ولكيلا يظل هذا النجاح نسبيًا في أعين البعض، فإنه يحتاج إلى تعزيز الانتشار وتوسيع التغطية، وتحسين آليات الاستهداف، وربطه ببرامج تنموية منتجة تخلق فرص العمل أكثر فأكثر وتضمن الاستدامة، فالتنمية الحقيقية لا تقوم فقط على الدعم، بل على تمكين الإنسان ليكون فاعلًا أساسيا في بناء مستقبله بنفسه.

الخميس، 30 أبريل 2026

من ميثاق لحراطين إلى ميثاق المواطنة/ عثمان جدو

لا شك أن مسألة العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات الحديثة، وخاصة في الدول التي عانت من تراكمات تاريخية أثّرت على تماسكها الاجتماعي، وفي موريتانيا، برزت عدة مبادرات ووثائق تسعى إلى معالجة هذه الإشكالات، من أبرزها ميثاق لحراطين ثم ميثاق المواطنة المتكافئة، وبين هذين الميثاقين تتضح أوجه اختلاف واتفاق تعكس طبيعة التحديات المطروحة وآفاق الحلول الممكنة. يُعتبر ميثاق لحراطين وثيقة مطلبية تعبّر عن فئة اجتماعية عانت من التهميش والإقصاء عبر فترات طويلة، حيث يُركّز هذا الميثاق على ضرورة الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرّض لها لحراطين، والعمل على إنصافهم من خلال تمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وضمان حضورهم العادل في مختلف مؤسسات الدولة، كما يدعو إلى محاربة بقايا العبودية وكل أشكال التمييز المرتبطة بها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة. فميثاق لحراطين برز في موريتانيا كصرخة وعيٍ جماعي ومبادرة نضالية تهدف إلى إنصاف فئة عانت طويلًا من آثار العبودية والتهميش، وسعت إلى استعادة حقوقها المشروعة في الكرامة والمواطنة الكاملة، واتسم الواقع الاجتماعي الذي جاء فيه ميلاد الميثاق بعدم تكافؤ الفرص، حيث ظلت فئة لحراطين تواجه تحديات متعددة، من أبرزها ضعف الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية، واستمرار بعض مظاهر التمييز الذي كانت تعكسه المظاهر الإدارية والتعيينات الأسبوعية، والحظوة في الصفقات العمومية، وبعض الامتيازات الأخرى التي كانت مرآة عاكسة لكل أشكال التمييز المخلة والمعيقة لتقدم ونماء الدولة. ولقد عبّر هذا الميثاق عن تطلعات هذه الفئة نحو التغيير، من خلال مجموعة من المبادئ والمطالب التي تؤكد على ضرورة القضاء على كل أشكال العبودية ومخلفاتها، وتطبيق القوانين الرادعة بشكل فعلي. كما دعا الميثاق إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير التعليم الجيد وفرص العمل اللائقة، بما يضمن تمكين أبناء لحراطين من المساهمة الفاعلة في بناء الوطن. ولم يغفل كذلك عن أهمية التمثيل السياسي، حيث شدد على ضرورة إشراك هذه الفئة في مراكز صنع القرار، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الموريتاني، الذي ينبغي أن يكون تنوعه مصدر قوة لا معول هدم بفعل سياسات التمييز القبيحة التي انتهجتها الأنظمة السابقة. ومن جهة أخرى، شكّل هذا الميثاق خطوة مهمة في مسار النضال الحقوقي، إذ أسهم في رفع مستوى الوعي الوطني والدولي بقضية لحراطين، ودفع نحو فتح نقاشات جادة حول سبل تحقيق الإنصاف والمساواة، كما ساعد في تعزيز روح التضامن بين مختلف مكونات المجتمع، على أساس أن العدالة لا تتجزأ، وأن تقدم أي مجتمع رهين بإنصاف جميع أبنائه دون استثناء. ومما لا شك فيه أن هذه المضامين التي تأسس عليها ميثاق لحراطين من أجل رفع التهميش التاريخي عن أحفاد العبيد السابقين والمطالبة بعدالة اجتماعية حقيقية تنصفهم ضد التمييز والإقصاء والحرمان ومحاربة بقايا العبودية والإشراك في التمثيل داخل مؤسسات الدولة؛ كل هذه المطالب وجدت صدى من الاهتمام ومحاولة المعالجة؛ خاصة في السنوات الأخيرة، حيث حاول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذهاب أبعد من التقيد بمعالجة قضايا فئة محدودة إلى محاولة إحداث مصالحة وطنية مع جميع فئات المجتمع تجسد ذلك في خطاباته في مدائن التراث وفي لقاءاته مع المواطنين خلال زياراته التي تتواصل فيها القمة مع القاعدة، كزيارة النعمة وزيارة كيهيدي، وبالتالي قُطعت أشواطا كبيرة في معالجة المشكل الذي كان قائما قبل انبثاق هذا الميثاق المنادي بهذه الحقوق التي تحقق كثير منها بهدوء مما يستدعي إعادة النظر في بقائه على نفس الوتيرة، وفي ذات المنوال، وداخل نفس الدائرة. وفي المقابل، يأتي ميثاق المواطنة المتكافئة برؤية أوسع وأكثر شمولًا، إذ لا يقتصر على فئة بعينها، بل يُخاطب جميع مكونات المجتمع الموريتاني، ويهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، ونبذ كل أشكال التمييز، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال بناء دولة قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين، فهو يسعى إلى معالجة الاختلالات بشكل عام، دون التركيز على فئة محددة. والمواطنة المتكافئة يمكن اعتبارها من الركائز الأساسية لبناء دولة عادلة ومستقرة، إذ تقوم على مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز، فميثاق المواطنة المتكافئة يقوم على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها المساواة أمام القانون، ورفض جميع أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي، فالمواطن، بموجب هذا الميثاق، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيره، مثل الحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية. ومن خلال مضامينه يدعو ميثاق المواطنة إلى تعزيز الوحدة الوطنية باحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، واعتباره مصدر غنى لا سببًا للفرقة، ويؤكد كذلك على أهمية العدالة الاجتماعية، عبر توزيع عادل للثروات والفرص، بما يضمن تقليص الفوارق بين فئات المجتمع. ومن جهة أخرى، لا يقتصر هذا الميثاق على الحقوق فقط، بل يشدد على الواجبات، مثل احترام القوانين، والمساهمة في تنمية الوطن، والحفاظ على السلم الأهلي، فالمواطنة الحقيقية تقوم على التوازن بين ما يطلبه الفرد من حقوق وما يقدمه لوطنه من واجبات. وفي السياق العملي، يتطلب تطبيق ميثاق المواطنة إرادة سياسية صادقة؛ وهذه توفرت بوادرها في ظل قيادة الرئيس الحالي السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دعا مرارا وتكرارا إلى تجاوز أخطاء الماضي، واعتبار قيمة المواطن من خلال ما يقدمه لوطنه، ودعم ذلك بإصلاحات قانونية تمثلت في تجريم كل ما يعيد الذاكرة إلى ممارسات التمييز السابقة، وأنشأ محاكم لذات الغرض، ورصدت العقوبات الرادعة لذلك، وسخَّر مؤسسات تضمن المساواة الفعلية، سواء من خلال تمكين المواطن من حقوقه والدفاع عنها، من خلال إصلاح المنظومة القضائية أو من خلال محو الفوارق بالتآزر والرعاية الصحية الشاملة للفئات ذات الأولوية، ومد جسور الامتياز في التعليم إلى أبناء المشمولين في السجل الاجتماعي من ضحايا تاريخ التهميش ليلتحق ابناءهم بأبناء أصحاب الحظوة والتمكين في أرقى تجارب التعليم عندنا، كل ذلك إلى جانب تنشيط دور المجتمع المدني ليكون فعالا في نشر ثقافة المواطنة والتسامح. ورغم هذا الاختلاف في النطاق، فإن هذين الميثاقين يلتقيان في عدة نقاط جوهرية، أبرزها الدعوة إلى العدالة والإنصاف، ورفض الإقصاء والتهميش، والسعي إلى إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يُظهر أن العلاقة بينها ليست علاقة تعارض، بل هي علاقة تكامل وتدرّج؛ إذ إن تحقيق العدالة لفئة لحراطين كما هو الحال لبقية الفئات الأخرى يُعدّ خطوة ضرورية في سبيل بناء مجتمع تسوده المواطنة المتكافئة، ومن ثمّ، فإن نجاح أي مشروع وطني في موريتانيا يظل رهينًا بقدرته على الجمع بين معالجة القضايا الخاصة وتحقيق المصلحة العامة، في إطار من الوحدة والعدالة والمساواة، وهذا ما وعاه فخامة رئيس الجمهورية وشدد على إنزاله على أرض الواقع من خلال البرامج التي تباشرها حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي وكل مؤسسات الدولة التي يُناط بها هم الوطن والمواطن من قريب أو من بعيد.

لكي ننهض بقطاعنا الخاص ونُعزز سيادتنا الغذائية/ عثمان جدو

في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها موريتانيا، يبرز النهوض بالقطاع الخاص كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة، فالقطاع الخاص ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الحديثة، إذ يساهم في خلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتعزيز الابتكار، غير أن النهوض به يتطلب جملة من الإصلاحات والإجراءات التي تهيئ بيئة مناسبة لنموه وازدهاره. إن أُولى خطوات تطوير القطاع الخاص تتمثل في تحسين بيئة الأعمال، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، والحد من البيروقراطية، وتقليص الوقت والتكاليف لإنشاء الشركات عبر رقمنة الخدمات، وفرض الشفافية في الصفقات العمومية، واستقرار القوانين: فالمستثمر يحتاج وضوحًا وثباتًا في القوانين الضريبية، والاستثمارية بصفة عامة، وكذا تعزيز الشفافية لمحاربة الفساد، وسواء كان المستثمر محليًا أو أجنبيًا، فإنه يحتاج إلى مناخ قانوني مستقر وواضح يضمن حقوقه ويُشجعه على توسيع دائرة نشاطه. كما يُعدّ التمويل من أبرز التحديات التي تعيق نمو المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مما يستدعي توفير آليات تمويل مُيسّرة؛ كصناديق التمويل والاقتراض الإنتاجي، وتشجيع البنوك على دعم المشاريع الإنتاجية بدل الاقتصار على الأنشطة التجارية، ويمكن كذلك تطوير صيغ تمويل بديلة تتماشى مع خصوصيات مجتمعنا كالتمويل الإسلامي لملاءمته مع واقعنا المحلي. ولا يقلّ تطوير البنية التحتية أهمية عن غيره، كتوفر الكهرباء بشكل دائم ومستقر وقليل التكلفة، فالكهرباء بالذات في بلادنا مرتفعة التكلفة، ومن أساسيات تطوير البنية التحتية المعينة على الاستثمار؛ تحسين شبكات النقل من موانئ وطرق، وتوسيع خدمات الانترنت وما يتعلق بها من ضرورات الرقمنة، فهذه الأمور كلها عوامل تسهم في تقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الشركات، وتضمن جودة المخرجات. ومن جهة أخرى، يظهر الاستثمار في العنصر البشري كأساس ثابت لكل نهضة اقتصادية، ولن يتأتى ذلك إلا بإصلاح منظومة التعليم والتكوين المهني لتتلاءم مع متطلبات سوق العمل، وكذا تشجيع روح المبادرة لدى الشباب، وربط المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد بالقطاع الخاص، بالإضافة إلى التركيز على القطاعات الواعدة في البلاد، مثل الزراعة والصيد والمعادن والسياحة، والعمل على تطويرها عبر التصنيع والتحويل بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، مما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة تمتص بطالة الشباب، وتُحرِّك عجلة التنمية. إن تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في رسم السياسات، من شأنه أن يخلق انسجامًا أكبر ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. وخلاصة القول في هذا الباب؛ إن النهوض بالقطاع الخاص في موريتانيا يمثل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولن يتحقق ذلك إلا مع إرادة سياسية قوية، وإصلاحات شاملة تضمن بيئة أعمال مُحفِّزة، وتمويلًا كافيًا، وبنية تحتية متطورة، وموارد بشرية مؤهلة، فمتى ما توفرت هذه الشروط، أصبح القطاع الخاص قادرًا على القيام بدوره الكامل كمحرك رئيسي للنمو والازدهار. وعلى ذكر القطاعات الواعدة في بلادنا تبرز أهمية الزراعة أكثر من غيرها لامتلاك بلادنا كل المقومات الطبيعية، والإرادة السياسية الداعمة؛ ملدن القيادة الوطنية ممثلة في طموح فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن خلال سعي حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى تنزيل ذلك على أرض الواقع، كل ذلك من أجل إحداث نهضة كبرى في مجال الزراعة، وتحقيق السيادة الغذائية، وإحداث قطيعة تامة مع حالة الاعتماد على منتوج غيرنا من دول الجوار. ومعلوم أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، جعلت كل دول العالم تسعى جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة، باعتباره ركيزة أساسية للاستقلال والسيادة، وموريتانيا ليست بدعا عن ذلك، بل هي من بين الدول التي خطت مؤخرا خطوات معتبرة في هذا الاتجاه، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية وبرامجها التنموية الطموحة. فلقد شهد القطاع الزراعي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، نتيجة اعتماد سياسات تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في الزراعة، فعملت الدولة على استصلاح مساحات زراعية واسعة، خاصة في الضفة، ووفرت البذور المحسنة، وعززت استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة عموما، وزراعة الخضروات خصوصا. كما ساهمت الجهود الحكومية في دعم المزارعين من خلال التمويل والتأطير الفني، إضافة إلى إطلاق مشاريع كبرى تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الأساسية مثل الأرز والخضروات، ولم يعد القطاع الزراعي في بلادنا نشاطًا تقليديًا فحسب، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على الخارج. ومن جهة أخرى، فإن تحقيق السيادة الغذائية لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضًا تحسين سلاسل التوزيع والتخزين، والحد من الهدر، وتعزيز الصناعات الغذائية المحلية، وفي هذا السياق، بدأت موريتانيا تخطو خطوات مهمة نحو بناء منظومة غذائية متكاملة. ويمكن القول إن موريتانيا باتت بالفعل قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي، غير أن هذا الهدف يظل رهينًا بمواصلة الإصلاحات، وتعزيز الاستثمار، ومواجهة التحديات المناخية، فبإرادة قوية وتخطيط سليم، يمكن للبلاد أن تحقق سيادتها الغذائية وتؤمّن مستقبلها الاقتصادي بكل ثقة وأمان.

الخميس، 23 أبريل 2026

نهج غزواني في تسيير العلاقات الخارجية (مقال)

تنحو السياسة الموريتانية في السنوات الأخيرة منحى يُظهر يوما بعد يوم قدرا كبيرا من الحكمة في تسيير العلاقات الخارجية؛ حيث اتسمت بالاعتدال والتوازن والبراغماتية، بعيدًا عن التوترات والصراعات الإقليمية، ويعكس هذا المسار الهادئ وجود شخصية مُتَّزنة وقادرة على التحكم في الانفعالات، وهي سمة يُقدّرها القادة في العلاقات الدولية، حيث تُبنى القرارات الكبرى على التعقل لا التسرّع، فالقائد الذي يتحدث بهدوء ويستمع أكثر مما يتكلم، يُنظر إليه كشريك موثوق يُمكن التفاهم معه. وهذا النهج الهادئ والمتزن؛ هو ما يميز الحكمة التي تُدار بها البلاد الآن إذ يعتمد الغزواني على الدبلوماسية الناعمة بدل التصعيد، فيتعامل مع مختلف القضايا الدولية بروح الحوار والتفاهم، مما أكسب موريتانيا احترامًا متزايدًا على الساحة الدولية، وهذه الصورة تعكسها طريقة التعامل مع استفزازات بعض دول الجوار بأسلوب طائش، قابله الرئيس بحكمة ناضجة. ومن نافلة القول إن شخصية القائد تُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاحه داخليًا وخارجيًا، إذ لا تقتصر القيادة على اتخاذ القرارات فحسب، بل تشمل أيضًا أسلوب التعامل وطريقة التواصل مع الآخرين. وفي عالم تسوده التوترات والتحديات، يبرز الهدوء كصفة نادرة ومُؤثرة في كسب الثقة والاحترام، ومن هذا المنطلق، يُعدّ هدوء محمد ولد الشيخ الغزواني وحكمته في تقدير المواقف من أبرز السمات التي أسهمت في تعزيز مكانته على الساحة الدولية. كما تتجلى هذه الحكمة في تنويع الشراكات الدولية، حيث لم تقتصر علاقات موريتانيا على طرف واحد، بل عملت على تعزيز التعاون مع دول متعددة مثل فرنسا وإسبانيا، والمحيط الإفريقي والعمق العربي إلى جانب الانفتاح على شركاء جدد في مختلف بقاع العالم، بما يخدم المصالح الوطنية ويقلل من التبعية. ومعلوم أن الدبلوماسية الحديثة تنسجم مع الهدوء والتفاوض الناعم أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يجعل حضور القائد الذي يتشبع بهذه المميزات في اللقاءات الدولية مقبولًا ومريحًا، خاصة عند التعامل مع قضايا معقدة كالأمن في منطقة الساحل، مثلا؛ التي تحيط بنا وتفرض علينا التفكير دوما بما يقتضيه لزوم العيش المشترك أو التعاون الاقتصادي الدولي الذي هو الشغل الشاغل لكل دول العالم. وهذا النهج القويم يُساهم لا محالة وبشكل كبير في تعزيز صورة موريتانيا كدولة مُستقرة ومُتزنة، وهو أمر مهم في كسب ثقة الشركاء الدوليين وجذب الاستثمارات والدعم،فالسياسة الناجحة تعمل على تحقيق التوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، بحيث تُسخّر العلاقات الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية المحلية وجلب المنافع، مع الحفاظ على السيادة الوطنية. ومما لا شك فيه أيضا أن طريقة التسيير التي اعتمدها غزواني كفلسفة راسخة لديه أظهرت التركيز على البعد الأمني والاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل، حيث تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم، دون الانجرار إلى سياسات المواجهة الحادة؛ مع عدم اغفال أهمية مسايرة ذلك بمفاتيح التنمية؛ كضامن أساسي لترسيخ الأمن الفعال والمؤثر، تأثيرا إيجابيا ينفع الناس ويمكث في الأرض. بالإضافة إلى ما تقدم حمل تصريح محمد ولد الشيخ الغزواني في دكار رسائل دبلوماسية نموذجية مُؤكدة على ما سبق ومن ذلك أنه (لا يمكن تحقيق الاستقرار بالاقتصار على المقاربة الأمنية) ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقاً بأن الأزمات في منطقة الساحل ليست أمنية فقط، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية. فالفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، كُلها تُغذي بيئات الهشاشة التي تستغلها الجماعات المتطرفة، لذلك، فإن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها قد يحدّ من التهديد مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة بشكل نهائي. وفي الجانب الآخر من هذه المعالجة يلزمنا أن نُشير إلى أن هذا النهج الرزين الذي رسم ملامح تسيير غزواني للسياسة الخارجية، وكذا القضايا الوطنية، وجد سندا قريبا، قويا،وعونا سديدا، تمثل فيما لعبته وتلعبه السيدة الأولى مريم منت الداه إلى جانب زوجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كعامل داعم وإيجابي في عدة مجالات، ولأن السيدة الأولى في أي دولة تلعب دورًا رمزيًا وإنسانيًا مهمًا، يتجاوز البروتوكول العادي إلى الإسهام في دعم صورة الدولة وتعزيز جهود القيادة السياسية، فقد برز دور منت الداه جليا في الأمور التالية: أولًا: الدعم المعنوي والسياسي: إذ تُعد السيدة الأولى سندًا معنويًا للرئيس، حيث ظهرت خلال الزيارات الرئاسية بصورة مُتزنة ومحافظة تعكس القيم الثقافية الأصيلة والنظيفةللمجتمع الموريتاني، وما ذلك إلا من طيب منبعها، وطبعا ماء العود من حيث يعصر؛ ولقد ساهمت بذلك في تعزيز حضوره الاجتماعي والإنساني، وهي عندما ترافقه في بعض الأنشطة الرسمية، تُعطي صورة ناصعة عن التماسك والاستقرار داخل مؤسسة الرئاسة، وهذا الظهور المتوازن يعكس انسجامًا ينعكس إيجابيًا على ثقة المواطنين، ويُساهم أيضا في تقديم صورة إيجابية عن البلاد لدى الرأي العام الدولي. ثانيًا: العمل الاجتماعي والإنساني: لقد عُرفت السيدة الأولى بانخراطها الدائم في مجالات اجتماعية كثيرة مثل دعم الفئات الهشة، والعناية بالمرأة والطفل، وتشجيع العمل الخيري، وتبني قضايا أصحاب الهمم، كل هذه الجهود تُكمّل السياسات الحكومية وتُضفي عليها بُعدًا إنسانيًا، مما يقرب الدولة من المواطن ويُحسن صورتها في ذهنه. ثالثًا: تحسين صورة موريتانيا خارجيًا: فمن خلال مشاركاتها في الأنشطة الدولية واستقبالها لشخصيات أجنبية، تساهم السيدة الأولى في تقديم صورة إيجابية عن موريتانيا، تعكس قيم التضامن والانفتاح، وتدعم الدبلوماسية الناعمة التي تسعى الدولة إلى إظهارها كخيار آمن وفعال، ومنهج مُؤثر يصلح به ما أفسده غيره من الخيارات الخشنة، أو المتهورة. رابعًا: تعزيز قضايا المرأة: حيث يُشكل حضورها فرصة لإبراز دور المرأة الموريتانية الريادي، وإيجابيتها المميزة في المجتمع، والدفع نحو تمكينها في مختلف المجالات، سواء عبر التوعية أو دعم المبادرات النسوية ورعايتها، والانخراط الفعال في إنجازها. أخيرا يمكن القول إن دور السيدة الأولى مريم منت الداه يتكامل مع جهود الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث يُضيف بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا للسياسات العامة، ويُساهم في ترسيخ صورة إيجابية عن الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو ما يجعل هذا الدور عنصرًا مهمًا في دعم القيادة وتعزيز حضورها، وبالتالي فإن دور السيدة الأولى لم يكن يوما شكليًا، بل ساهم فعليًا في دعم صورة موريتانيا كدولة مستقرة، متضامنة اجتماعيًا، ومنفتحة على العالم، وذلك من خلال توظيف “القوة الناعمة” إلى جانب الجهود السياسية للرئيس. PartagerFacebookTwitterWhatsApp

الأحد، 19 أبريل 2026

هدم المنازل واختتام زيارة الرئيس: التزامن المربك / عثمان جدو

تعيش المجتمعات أحيانًا على وقع أحداث متزامنة؛ تثير تساؤلات متعددة، وتفتح الباب أمام التأويلات المختلفة، ومن ذلك ما شهدته وتشهده الساحة الموريتانية في الآونة الأخيرة من جدلٍ واسع حول قضية هدم المنازل، خاصة ما شهدته مقاطعة تيارت من عمليات هدم لبعض المنازل، بالتزامن مع عودة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من زيارته لفرنسا يثير كثيرا من التساؤلات؛ عن جدوى استهداف مساكن المواطنين البسطاء أولا؛ بدل ملاحقة السماسرة الذين يقفون وراء بيع الأراضي بطرق غير قانونية، وكذا التوقيت، فلماذا مثلا تطبيق هذا الإجراء على هذا المكان في هذا الزمان؟ وهو الزمان الذي يعكس لحظة تنتشي فيها البلاد بصدى نتائج زيارة الدولة التي أداها فخامة الرئيس لفرنسا بكل نجاح. إن هذه الإشكالية تطرح أبعادًا قانونية واجتماعية وأخلاقية تستحق التحليل لفهم خلفياتها وتداعياتها، وطبعا يدفع هذا التزامن بين الهدم واختتام الزيارة بنجاح بعض المتابعين إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر بإجراء إداري داخلي روتيني أم أنه محاولة للتشويش على نتائج الزيارة، عن قصد أو خلافه؟ ولن يستساغ القصد مهما تجلى سوء التقدير والحماقة في توظيف التوقيت، فلا يعقل أبدا أن تعمل مصالح إدارية للدولة على التشويش المتعمد على زيارة رئاسية بهذا الحجم وهذه القيمة وذاك النجاح؛ لكن التحليل وضرورة بسط الرؤى ومعالجة الأفكار يقودنا إلى طرح كل الاحتمالات بتجرد وموضوعية. وبالتالي فإن هدم المنازل يبدو للوهلة الأولى كإجراء قاسٍ يطال الفئات الضعيفة، خصوصًا أولئك الذين اقتنوا أراضيهم بحسن نية، معتقدين أن معاملاتهم سليمة، لكن عندما نعلم أو تستظهر لنا الجهات المعنية ببيان يوضح أن الدولة تستند في هذا الإجراء إلى تطبيق القانون، الذي تعتبر البناء على أراضٍ غير مرخصة مخالفة صريحة تستوجب الإزالة، وأن هذا هو لب القضية، وحقيقة الحدث، حينها نفهم أن هذا الخيارأي خيار الهدم يُعد الخيار الأسرع من حيث التنفيذ وربما التأثير، حيث يحقق هدف فرض النظام وإظهار هيبة الدولة في مواجهة الفوضى العمرانية، وبالتالي فإن عمليات هدم المنازل في المدن ظاهرة ترتبط غالبًا باعتبارات تنظيمية وعمرانية، إذ تسعى السلطات إلى محاربة البناء العشوائي، وتطبيق مخططات التهيئة الحضرية، أو تنفيذ مشاريع تنموية تتطلب إعادة تنظيم المجال. وعليه، فإن هذه الإجراءات تدخل في إطار السياسات الداخلية التي تُنفَّذ بشكل دوري، بغض النظر عن السياقات السياسية أو الدبلوماسية. لكن في المقابل، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا يتم التركيز على السماسرة الذين تسببوا في هذه الأزمة؟ وإن كانت الحقيقة أن ملاحقة هؤلاء ليست بالأمر السهل، نظرًا لاعتمادهم أساليب ملتوية، مثل العمل عبر وسطاء متعددين أو غياب وثائق رسمية واضحة تثبت تورطهم. كما أن ضعف نظام التوثيق العقاري يساهم في تعقيد المسألة، إذ تنتشر في بعض المناطق وثائق متضاربة أو غير مكتملة، ما يفتح الباب أمام عمليات احتيال يصعب تتبعها قانونيًا. إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال احتمال وجود تقصير إداري أو حتى تواطؤ في بعض الحالات، حيث يُطرح سؤال مشروع حول كيفية السماح أصلًا ببيع هذه الأراضي، وأحيانا يدعي أحدهم الحصول على إذن بناء فكيف تم ذلك؟ وعلى أي أساس سليم مُنح؟، هذا العامل يزيد من حساسية الملف، ويجعل معالجته تتطلب إصلاحات عميقة بدل الاكتفاء بإجراءات ظاهرية، ضحيتها من زاويتين المواطن الضعيف. وعليه، فإن الاقتصار على هدم المنازل دون معالجة جذور المشكلة لا يؤدي إلا إلى تفاقم الشعور بالظلم لدى المواطنين، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لحمايتهم أو تعويضهم. ومن جهة أخرى فإن الزيارات الرسمية التي يقوم بها رؤساء الدول، مثل زيارة الرئيس الغزواني إلى فرنسا، تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية، وتهدف أساسًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وجذب الاستثمارات، وتوطيد التعاون في مجالات حيوية. وهذه الملفات تُدار على مستوى عالٍ من التنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا ترتبط عادة بقرارات إدارية محلية محدودة. غير أن التزامن الزمني بين الحدثين قد يدفع بعض الأطراف إلى الربط بينهما، خاصة في ظل حساسية القضايا الاجتماعية مثل هدم المنازل، التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر. كما أن التغطية الإعلامية المكثفة لمثل هذه القضايا قد تطغى أو تشوش على الأحداث السياسية، رغم أهميتها؛ مما يعزز هذا الربط في أذهان البعض، حتى وإن لم يكن قائمًا على أدلة موضوعية. وفي ضوء ما سبق، يتضح أن هدم المنازل في تيارت يُرجَّح أن يكون جزءًا من سياسات داخلية تهدف إلى تنظيم المجال العمراني، وليس محاولة متعمدة للتشويش على نتائج زيارة خارجية. ومع ذلك، يبقى من الضروري مراعاة البعد الاجتماعي لهذه القرارات، وضمان الشفافية والعدالة في تنفيذها، حتى لا تتحول إلى مصدر توتر أو سوء فهم لدى المواطنين. فالقضية ليست مجرد تطبيق بسيط للقانون، بل هي إشكالية مركبة تتداخل فيها مسؤوليات متعددة، وحلها العادل والناجع لا يكمن في استهداف الحلقة الأضعف، بل في تبني مقاربة شاملة تقوم على محاسبة السماسرة، وإصلاح نظام العقار، وتعزيز الشفافية الإدارية، مع توفير الحماية للمواطنين الذين اشتروا هذه القطع الأرضية بحسن نية؛ إذ لا يعقل أبدا أن يجازفوا بأموالهم، لكنهم ضحايا مغرر بهم، وبهذا فقط يمكن تحقيق التوازن بين فرض القانون وضمان العدالة الاجتماعية. وفي الأخير نشير إلى أنه كان بالإمكان أحسن كثيرا مما كان فكان الأولى فيما حصل أن تُحلَّ هذه القضية دون هدم المنازل القائمة، فآخر الدواء الكي، وكان الأفضل والأنسب ألا تعالج هذه المعالجة التي أظهرت خشونة وقسوة في لحظة فرح وطنية ونشوة بنتائج زيارة فخامة الرئيس؛ التي كان يلهو بأحداثها وتفاصيلها كل المواطنين ويجعلونها مائدة يُشرب عليها الشاي بهدوء وفرح، قبل أن تنغص على المشهد تلك المقاطع المصورة لعملية الهدم وما تتخللها من مشادات وتجاذبات وصراعات عجت بها منصات التواصل الاجتماعي مع كامل الأسف على سوء تقدير قيمة اللحظة الثمينة!!.

البعد الأمني في زيارة غزواني لفرنسا ورمزية إهداء كتاب ديغول

البعد الأمني في زيارة غزواني لفرنسا ورمزية إهداء كتاب ديغول/ عثمان جدو تكتسي الزيارات الرسمية لرؤساء الدول أهمية بالغة، وتزداد قيمة ومعنى عندما تصل الزيارة إلى درجة زيارة دولة، ومن هنا تأتي أهمية زيارة فخامة الرئيس غزواني لفرنسا، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المتقلبة التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، لتعكس جملة من الأبعاد، من أبرزها البعد الأمني الذي أصبح يشكّل أولوية الأولويات في العلاقات الدولية، نظرًا لتصاعد التهديدات العابرة للحدود، ولضرورة تجديد وتوثيق عرى الشراكات الأمنية، وهو ما يعكس حرص موريتانيا على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوطيد شراكاتها الاستراتيجية لمواجهة مختلف التهديدات، فمسألة الأمن والاستقرار أصبحت تاج المشكلات، وذروة الأولويات في هذه منطقتنا، وفي العالم بأسره. ومن المظاهر التي تتجلى فيها الأبعاد الأمنية لهذه الزيارة: أولًا: مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة يلاحظ سعي موريتانيا إلى تعزيز التعاون الأمني مع شركائها الدوليين، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث أصبحت هذه التحديات تمثل خطرًا حقيقيًا على بلادنا؛ التي تعتبر جزءا من فضاء الساحل، الذي يشهد نشاطا متزايدا للجماعات المتطرفة، التي تشكل خطرا علينا وعلى استقرار المنطقة المحيطة بنا، ومن هنا تتجه موريتانيا إلى تقوية التنسيق مع فرنسا، خاصة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير أساليب المواجهة، وكل ما يلحق بذلك من أنواع التعاون العملياتي. ثانيًا: دعم قدرات الجيش والأمن الموريتاني تهدف هذه الزيارة إلى دعم قدرات الجيش والأجهزة الأمنية الموريتانية، من خلال الاستفادة من الخبرة الفرنسية في مجالات التدريب والتجهيز، فتعزيز الكفاءة العسكرية يعدّ عنصرًا أساسيًا لضمان حماية البلاد والدفاع عنها في وجه التهديدات المتزايدة، فهذه التحديات تتطلب تعاونًا دوليًا وتنسيقًا مستمرًا، وهو ما تطمح له موريتانيا كما تسعى من خلال هذه الزيارة إلى الحصول على دعم تقني ولوجستي، مثل التدريب العسكري والتجهيزات الحديثة، وطبعا يُنظر إلى فرنسا كشريك قادر على المساهمة في تطوير جاهزية القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على حماية الحدود، وتبادل الخبرات، والتجارب في مجال التكوين العسكري والتقني، بما يساهم في رفع جاهزية القوات المسلحة الموريتانية، وتعزيز قدراتها الدفاعية. ثالثًا: تأمين الحدود ومواجهة التهديدات العابرة تواجه موريتانيا تحديات مرتبطة بالهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة المنظمة ومن هنا، فإن التعاون مع فرنسا يشمل مراقبة الحدود وتبادل الخبرات في مجال الأمن الحدودي، خاصة مع تزايد الضغوط والتحديات والاستفزازات في منطقة الساحل، فالاهتمام بتأمين الحدود ومكافحة كل أنواع الجريمة المنظمة بتعقيداتها وتحدياتها، والتهريب بأشكاله وألوانه يعد أمرا في منتهى الضرورة الأمنية، ولا يقتصر الأمر على الأمن الوطني فقط، بل يمتد إلى دعم الاستقرار الإقليمي، حيث تلعب موريتانيا دورًا مهمًا في منطقة الساحل باعتبارها نموذجًا حيا للاستقرار، ومن شأن التعاون مع فرنسا أن يسهم في تعزيز هذا الدور وتكريس مكانة موريتانيا كشريك أساسي في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن في المنطقة برمتها. رابعًا: دعم الاستقرار الإقليمي تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في الحفاظ على الأمن مقارنة ببعض دول الجوار التي تشهد اضطرابا مقلقا، والتعاون مع فرنسا يعزز هذا الدور ويُكسبه بعدًا دوليًا، من خلال تبني مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والتنمية إلى جانب العمل العسكري. ومن خلال هذه الزيارة تتولد فرصة لتعزيز الشراكات الاستراتيجية التي تضمن دعمًا لوجستيًا وتقنيًا، مما يساعد على مواجهة التحديات الأمنية بكفاءة أكبر، وبلورة جهود أوسع لتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل. خامسًا: الانخراط في الشراكات الأمنية الدولية تعكس الزيارة أيضا رغبة موريتانيا في تعزيز حضورها ضمن الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، سواء عبر الشراكات الثنائية أو من خلال أطر متعددة الأطراف، وهو ما يعزز مكانتها كشريك موثوق. أخيرا نشير إلى الدلالة الرمزية العميقة جدا والتي حملها إهداء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكتاب (نحو جيش مهني) إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني فهو حدث أكثر من مجرد مجاملة دبلوماسية؛ بل هو فعل رمزي غني بالدلالات السياسية والاستراتيجية التي منها: - استحضار الفكر العسكري الاستراتيجي فكتاب (نحو جيش مهني) يُعد من أهم كتابات ديغول، حيث دعا فيه إلى بناء جيش محترف قائم على الكفاءة والانضباط بدل الجيوش التقليدية، وإهداء هذا الكتاب يرمز إلى أهمية تطوير المؤسسة العسكرية على أسس حديثة، خاصة في منطقة الساحل التي تواجه تهديدات أمنية معقدة. - رسالة ضمنية حول الاحترافية والاستقرار ديغول في التراث الفرنسي لم يكن مجرد عسكري، بل رجل دولة ربط بين قوة الجيش واستقرار الدولة، ومن خلال هذا الإهداء، قد يكون ماكرون يلمّح إلى أن الاحتراف العسكري عنصر أساسي في ضمان الاستقرار السياسي، وهو أمر مهم لدول مثل موريتانيا في محيط إقليمي مضطرب. - تأكيد الشراكة الأمنية بين البلدين فرنسا تعتبر موريتانيا شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب في الساحل، وهذا الإهداء يعكس رغبة باريس في تعزيز التعاون العسكري والأمني، وربما تشجيع نواكشوط على مواصلة تحديث جيشها وتعزيز جاهزيته. - بعد شخصي وسياسي لغزواني الرئيس الغزواني نفسه ذو خلفية عسكرية، ما يجعل اختيار هذا الكتاب تحديدًا ذا دلالة خاصة، وكأن ماكرون يخاطبه بلغة يفهمها جيدًا: لغة المؤسسة العسكرية، والانضباط، والتخطيط الاستراتيجي. - استدعاء رمزية ديغول ديغول يمثل في الذاكرة الفرنسية نموذج القائد الذي جمع بين الشرعية العسكرية والقيادة السياسية، واستحضار اسمه في هذا السياق قد يحمل إشارة إلى أهمية القيادة القوية والمتوازنة في إدارة التحديات الوطنية. ختاما: يتضح أن إهداء هذا الكتاب ليس تصرفا عابرًا، بل هو رسالة متعددة الأبعاد، ودعوة إلى الاحتراف العسكري، وتأكيد على الشراكة، وإشارة إلى دور القيادة في تحقيق الاستقرار. إنه مثال على كيف يمكن لرمز ثقافي بسيط ككتاب أن يحمل مضامين سياسية عميقة في العلاقات الدولية. ويتضح من كل ما تقدم أن البعد الأمني يشكّل ركيزة أساسية في زيارة الرئيس محمد ولد الغزواني، حيث تعكس هذه الزيارة وعيًا متزايدًا بأهمية التعاون الدولي في مواجهة التهديدات الأمنية. كما تؤكد التزام موريتانيا بلعب دور فعّال في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، بما يخدم مصالحها الوطنية والإقليمية.

الخميس، 16 أبريل 2026

الشراكة الموريتانية الفرنسية في ظل زيارة غزواني الحالية

تحمل زيارة فخامة الرئيس الغزواني لفرنسا في طياتها عدة أبعاد ودلالات سياسية واقتصادية واستراتيجية، وهي في ذات الوقت تعبر عن متانة الشراكة والصداقة الموريتانية الفرنسية، وهي تأتي في هذا الظرف الدولي الحساس والمضطرب الذي يشهده العالم، وكذا ما تمرّ به منطقة الساحل من ظرف خاص ومعقد؛ وهي المنطقة التي تشكل مجال موريتانيا الجغرافي الملامس والمحيط؛ مما يمنحها أهمية خاصة، نظرًا للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تعرفها المنطقة منذ فترة، ويزيدها إشكالا ما يعيشه العالم بأسره، وسنحاول تحليل وتلخيص أبعاد هذه الزيارة، وتلك الشراكة من زوايا مختلفة على النحو التالي: أولًا: البعد السياسي والدبلوماسي لا شك أن هذه الزيارة تعكس متانة العلاقات التاريخية بين موريتانيا وفرنسا، والتي تعود إلى فترة ما قبل الاستقلال، كما تهدف إلى تعزيز التعاون الثنائي وتأكيد حضور موريتانيا كشريك موثوق في المنطقة، خاصة في ظل التغيرات السياسية التي تعرفها منطقة الساحل، وهي تعبر عن رغبة مشتركة بين البلدين في الحفاظ على شراكة متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة، في ظل التغيرات التي تشهدها المنطقة، ومما بات معروفا لدى الجميع أن موريتانيا في ظل قيادة الرئيس غزواني اتسمت علاقاتها الخارجية بالحكمة والهدوء والانفتاح على الجميع، مع ضبط النفس بمستوى عالٍ؛ رغم الاستفزازات المتكررة شرقا وغربا، ومن المؤكد أن موريتانيا تسعى دوما إلى تنويع شركائها الدوليين دون التفريط في علاقاتها التاريخية مع فرنسا التي هي محل هذه الزيارة الآن، وموضوع هذا الحديث أيضا. ثانيًا: البعد الأمني والاستراتيجي يمكن القول إن هذه الزيارة تأتي في سياق معالجة التحديات الأمنية في منطقة الساحل، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة، وأن موريتانيا تسعى من خلالها إلى تعزيز التنسيق الأمني مع فرنسا، التي ما تزال فاعلًا مهمًا في قضايا الأمن الإقليمي، رغم إعادة تموضعها العسكري في المنطقة، فموريتانيا تمثل نموذجًا ناجحا للاستقرار، والضبط الأمني في الساحل، وهو ما يجعلها شريكًا مهمًا لفرنسا في جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن الإقليمي، فالتعاون العسكري والاستخباراتي بين البلدين يساهم بشكل كبير في الحد من التهديدات العابرة للحدود، ويضمن صيانة المصالح المشتركة. ثالثًا: البعد الاقتصادي والتنموي تشكل فرنسا شريكًا اقتصاديًا مهمًا لموريتانيا، حيث يمكن أن تفتح هذه الزيارة آفاقًا جديدة لزيادة الاستثمار، خاصة في مجالات الطاقة، الصيد، والبنية التحتية، كما قد تساهم في جذب الدعم المالي والتقني للمشاريع التنموية، ففرنسا كما هو معلوم تتدخل في دعم بعض المشاريع التنموية في موريتانيا، خاصة في مجالات التعليم والبنية التحتية والطاقة، وهذا ما يجعل موريتانيا ستستفيد من هذا التعاون في جذب استثمارات جديدة، وتعزيز قدراتها الاقتصادية. رابعًا: البعد الرمزي والدولي تحمل الزيارة دلالة رمزية تتعلق بمكانة موريتانيا على الساحة الدولية، إذ تعكس رغبة القيادة في الانفتاح على القوى الكبرى وتعزيز حضور البلاد في المحافل الدولية. وقد تُفهم الزيارة أيضًا كرسالة إلى دول الجوار، مفادها أن موريتانيا تسعى إلى الحفاظ على التوازن في علاقاتها الخارجية، وعدم الانخراط في محاور متصارعة، بل تبني سياسة خارجية قائمة على الشراكة والتعاون؛ فمنطقة الساحل الإفريقي تشهد منذ فترة ليست بالقريبة اضطرابات متزايدة، من بينها تنامي خطر الجماعات المسلحة، وتداعيات الانقلابات العسكرية، وتراجع الاستقرار في بعض الدول، كما أن التحولات في موازين القوى الدولية دفعت ببعض دول المنطقة إلى إعادة ترتيب تحالفاتها؛ مما أبعد فرنسا من حسابات البعض وأدخل شركاء جددا خاصة في المجال الأمني والاستراتيجي، ومع ذلك لم يكونوا الخيار الأنسب ولا الحل السحري المفقود؛ بل زادوا المنطقة تعقيدا، وأضافوا سخونة طائشة للأوضاع. وختاما، فإن زيارة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لفرنسا ليست مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل هي خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية متعددة، تعكس سعي موريتانيا لتعزيز موقعها السياسي والاقتصادي، ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية بروح من التعاون والانفتاح بصبغة شمولية، تؤكد وضوح الرؤية، والتبصر والحكمة في العلاقات الدولية. وتؤكد هذه الزيارة أنه في ظل الأوضاع الراهنة في الساحل، ستظل شراكة موريتانيا وفرنسا عاملًا مهمًا في دعم الاستقرار وتعزيز التنمية، في ظل الاحترام المتبادل ومراعاة مصالح الشعوب، بما يضمن استمراريتها وفعاليتها في مواجهة التحديات المستقبلية؛ بندية تامة تصون الكرامة وتحفظ حقوق وحدود وخصوصية الجميع.

الثلاثاء، 14 أبريل 2026

برنامج المساءلة مع وزيرة التربية قراءة في المضمون والدلالات (مقال)

أثارت مشاركة وزيرة التربية هدى باباه في برنامج "المساءلة" اهتمامًا واسعًا لدى الرأي العام، باعتبارها جاءت في سياق يتسم بتزايد النقاش حول واقع التعليم في موريتانيا، خاصة في ظل تطبيق مشروع المدرسة الجمهورية، ذلك المشروع الأهم في برنامج فخامة رئيس الجمهورية. وقد شكّلت هذه الحلقة فرصة لعرض التحديات المطروحة، كما مكنت الوزيرة من تقديم توضيحات حول سياسات القطاع وآفاقه المستقبلية. في ردودها، ركزت الوزيرة على أن إصلاح التعليم يمثل أولوية وطنية، وأن مشروع المدرسة الجمهورية ليس مجرد شعار، بل خيار استراتيجي تسعى الدولة من خلاله إلى تحقيق العدالة والمساواة في الولوج إلى التعليم. وأكدت أن الجهود المبذولة تشمل بناء المدارس، واكتتاب المعلمين، وتحسين ظروف العمل، إضافة إلى مراجعة المناهج بما يتلاءم مع متطلبات العصر. كما تناولت الوزيرة جملة من الانتقادات الموجهة للقطاع، خاصة ما يتعلق بضعف المستوى التعليمي، واكتظاظ الفصول، ونقص الوسائل التربوية. وقد أقرت بوجود هذه التحديات، لكنها شددت في المقابل على أن معالجتها تتطلب وقتًا وتدرجًا، نظرًا لتراكم الإشكالات عبر سنوات طويلة. وأوضحت أن الحكومة تعمل على وضع خطط مرحلية تهدف إلى تحسين جودة التعليم وتعزيز أداء المعلمين. وفي معرض حديثها، دعت هدى باباه إلى تضافر جهود جميع الفاعلين، من معلمين وأولياء أمور ومجتمع مدني، من أجل إنجاح الإصلاحات الجارية. كما أكدت على أهمية المسؤولية المشتركة في الارتقاء بالمدرسة الموريتانية، معتبرة أن التعليم ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو قضية مجتمع بأكمله. وفي الختام، يمكن القول إن ردود وزيرة التربية في برنامج "المساءلة" عكست محاولة لتوضيح رؤية الحكومة في مجال التعليم، والدفاع عن السياسات المعتمدة، من خلال تقديم الحصيلة بالأرقام، هذا مع الاعتراف بالتحديات القائمة. ويبقى الحكم النهائي مرهونًا بمدى تجسيد هذه الوعود على أرض الواقع، وتحقيق نتائج ملموسة تلبي تطلعات المواطنين، وتحقق الأهداف المرسومة.

الخميس، 26 مارس 2026

كم من مسيء أودت به إساءته (مقال)

قال الباري جل وعلا: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلَّا بِأَهْلِه) فاطر الآية 43. فكل مكر سيء، وكل تدبير خبيث، ولا شيء أخبث ولا أنتن من الولوغ في الأعراض؛ استجابة لنداء الأمعاء، وتوفيرا لما يشبع الغرائز البهيمية، كل ذلك يدفع بصاحبه إلى محاولة الإضرار بغيره؛ حتى وإن امتطى جسور الكذب المنسوجة من مخياله الآثم، الكاذب، الأشر، لكن ذلك يرتد سريعا على صاحبه، ثم تُطوق عنقه دائرة السوء، فيلفظ، ويستقبح منه الكلام، وتتضوع من انفاسه نتانة الحقد والكراهية، ثم يعود أدراجه بأقل من خفي حنين، وقد انقلب عليه المجن الذي كان يظنه منبع أمانه؛ فإذا به رافد خِذلانه، وخسرانه. إن من الحكم الخالدة، المأثورة، تلك المقولة الشهيرة التي خلدتها الأيام (أحْسِن إلى المحسن بإحسانه أما المسيءُفستكفيه إساءته) ما أصدق هذا الكلام، وما أدله على ما صدر في هذه الأيام ممن يتسمون عدوًا؛ بأولاد لبلاد، الذين ظهروا على حقيقتهم في مسلاخ ذئاب غدارة، مخادعة، مناورة على الباطل، ولأجله! تهيم في البلاد، ولا تصدق عليها أبوةٌ منها أو أمومة. لقد عُرِف فخامة رئيس الجمهورية بنقيض ما ذهب إليه هؤلاء؛ فالكل يكاد يتفق على سمو أخلاقه وهدوءه، وتهدئته؛ التي صارت منها الساحة السياسية مضرب مثل في ذلك، ولقد كان أعداء الرئيس يأخذون عليه أكثر من أي شيء آخر محاولته إرضاء الجميع، أو بمعنى آخر عدم السعي مطلقا في إغضاب أيٍ كان؛ نحن في هذا الكلام بالذات لا نفترض، ولا نُخمن، بل ننقل مآخذ من أطراف تموقعت في زاوية العِداء لفخامة الرئيس، ومع ذلك كانت موجدتهم التي يجدون عليه هذه، وهي بطبيعة الحال محمدة رفق، والرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما فُقد من شيء إلا شانه؛ ومِصداق ذلك في الأثر، ويعضده أخر يُفضي إلى بل يقضي أن من وَلِيَأمر من أمور المسلمين فرفق بهم؛ فهو موعود بالرفق من دعوة سيد المرسلين، الصادق المصدوق، الأمين المؤتمن، ونقيضه من كان مُتعجرفا يستمرئ المشقة في أسلوبه على رعيته. من الملاخظ أن الطيف السياسي والاجتماعي الوطني؛ عبركل منهما، وبشبه إجماع عن إنكاره، لمعاني، ومضامين،ومفردات هذا النعيق؛ الذي اغتر به أصحابه دون غيرهم؛ فدفعوا به جزما منهم بفتكه، فإذا به ينقلب عليهم بالخيبة والخسران. ولنا أن نتساءل عن الدافع الحقيقي لهؤلاء الذين يعتلجون مع الفضيلة متى ما أطلت برأس شامخ، ثم يُزاحمونها بذنب عفن خبيث!. ما مصدر تمويلهم؟ ما هو التيار المحرك لهم؟ ماهي استفادتهم من هذه الإساءة، ومعانقة البذاءة؟ لمصلحة من يستخدمون هذه الوقاحة وقذارة اللسان؛ المنبئة بما طُوي عليه ذلك الإنسان؟.

الجمعة، 20 مارس 2026

الجندي الفخر (مقال)

لا شك أن الجندي هو اللبنة الأساسية والشريان الحي والقلب النابض لقوات الأمن والدفاع، يبيت سهران الدجى كي ينام غيره من المواطنين ملء جفونه؛ ثم يؤدي ما أوكل إليه من مهام في خدمة الوطن والذب عن حوزته الترابية بمنتهى المسؤولية بفاعلية وشجاعة واعتزاز بالولاء والانتماء. إن الاستعداد النفسي للجندي المؤمن بوطنه؛ يجعله يضحي بنفسه في سبيل الدفاع عنه، فهو ينتشي فخرا بالزي العسكري الذي يمثل هيبة الوطن، لكنه يدرك تماما أن القضية لا تُختزل في أثواب وقشب، بل هي دلالة رمزية معنوية تتجاوز طبيعة ولون القماش إلى الشعور العميق بالمسؤولية الكاملة، والاستعداد الدائم، واللا مشروط ليقدم نفسه فداء للوطن، ويبعث بذلك الأمان في نفوس المواطنين. ومهما كانت الظروف صعبة، ومليئة بالمشاق، ومهما كانت مواطن الخدمة بعيدة عن الأهل والأحباب؛ فإن ذلك يقابله الجندي الفخر المعتز بانتمائه لوطنه بكل ثبات وبعقيدة عسكرية متماسكة، مؤمنة بسمو الوطن على ما سواه، وضرورة حمايته وهي مبادئ ومسلمات لا تلين ولا تنكسر. أتذكر في سنوات الانتداب للتدريس على الحدود مع دولة مالي في مقاطعة ولد ينج تحديدا أني شاهدت المعاني الحقيقية للجندي الفخر وكان ذلك يظهر جليا عندما تغمر السيول المدينة حينها يتدخل الجيش الوطني لإغاثتهم والحال هذه عندما يندلع حريق في المراعي أو المساكن، وكان أحد أشهر القادة العسكريين الذين عرفوا بذلك في هذه المنطقة العقيد اتويركي رحمه الله تعالى؛ فقد كان هو وعناصره يجسدون قرب العسكري من المدني لحظة حاجته إليه، مما ولد حالة من التقارب والتآلف بعد أن كان بعض المواطنين في تلك المنطقة كما هو حال المناطق النائية لا يعتقدون أصلا أن هناك حبال مودة يمكن أن تمتد بينهم وبين من يلبس زيا عسكريا سميكا ويسير بحذاء خشن. إن العالم اليوم من حولنا أصبح يعيش تحولات تستدعي من القائمين على شؤون الدفاع والأمن إعادة النظر في طبيعة تكوين وتهيئة العناصر؛ رفعا للجاهزية، ووقوفا على المستجدات العسكرية؛ التي أصبحت فيها الطائرات المسيرة أداة لصنع الفارق، ومن المهم جدا مصاحبة الأبعاد التكافلية والتربوية. ومما يثلج الصدر أننا أصبحنا نشاهد قراء للقرآن مهرة يلبسون الزي العسكري وينتمون لمؤسساته، ويزيدنا فخرا واعتزازا أن نشاهد وبحضرة فخامة رئيس الجمهورية من يؤم المصلين ويؤديها كما يلزم، ولا شيء أهم من أداء الصلاة على هيئة حسنة، وقراءة القرآن بإتقان. ومما هو مؤكد أن بلادنا تولي أهمية قصوى للمؤسسة العسكرية، كيانا وأفرادا، وتبذل في سبيل اضطلاعها بأدوارها على أكمل وجه كل ما يلزم، سواء على مستويات توفير العتاد وتحسين الظروف مهنية ومعيشية أو غير ذلك، لكن الزيادة في ذلك ورفع الوتيرة كلها أمور تدفع بالنتائج المرجوة نحو إيجابية أكثر.

الجمعة، 6 مارس 2026

الإحياء الرمضاني الرئاسي/ عثمان جدو

شكل إفطار فخامة رئيس الجمهورية مع مجتمع تآزر، وبعده مجتمع التربية فتكة بكرا أُسِّسَ لها من خلال باكورة الإحياء؛بإفطار مع العلماء، وقادة الرأي الديني في المجتمع،بوصفهم القدوة الحية التي ينبغي أن تُوجه بوصلة الوعظ والإرشاد، وإصلاح المجتمع، وتعرفون ما للمحاضرات الرمضانية، والدروس الفقهية، والوعظية، الحية من قيمة إصلاح للمجتمع، بمختلف مكوناته؛ فصلاح المجتمع يبدأ ببيان جميع الالتزامات الدينية حتى يستوي أفراده في فهم المقاصد الكبرى، ويسترشد بمكنونات التوجيهات الربانية،ففي ذلك الحياة المستقيمة، والرشاد الآمن، ولا صلاح، ولا فلاح، ولا توفيق يُلتمس خارج هذه الدائرة التي تصون ما علم من الدين ضرورة، وتُوثِّق عرى ربط ذلك بالأجيال، وفق الهدي النبوي الرباني، دون إفراط ولا تفريط. لقد أبان فخامة رئيس الجمهورية خلال لقائه المُطيِّب للنفوس مع مجتمع البسطاء المتعففين أن الخيارات الاستراتيجة الثابتة في التزاماته، والتي لغرضها أُنشِئت مندوبية تآزر؛يأتي في طليعتها اعتماد ترسيخ مبدأ الإنصاف، والعدالة الاجتماعية، ومكافحة الغَبن والهشاشة، وفي سبيل ذلك تجاوزت الاستثمارات في هذه المندوبية الموجهة أساسا لسد خلة المحتاج، وتطييب خاطر المسكين 249 مليار أوقية قديمة،خلال الخمسية الماضية؛ فصارت رافدا لإنعاش التعليم والصحة، والمياه، والطاقة، والسكن، والإدماج الاقتصادي، وتمثل ذلك كمنجز ملموس في بناء مئات المؤسسات التعليمية، وتعميم التأمين الصحي لأكثر من 113 ألف أسرة محتاجة لذلك أصلا، هذا مع إنجاز مئات البنى المائية، وربط القرى المعزولة سابقا بشبكة الإنارة العمومية، وتوفير آلاف الأنشطة الإنتاجية؛ وفي ذلك ما فيه من إصلاح النفوس،وإغناء الأفراد عن التماس المساعدة من غيرهم، من خلال هذه الأنشطة، وتعزز ذلك بالتحويلات المالية لآخرين وتوفير السكن الاجتماعي، ومعروف أن إكراهات السكن تُبطِّئ بكثيرين في سبيل الاكتفاء وإغناء النفس ولزوم التعفف. ولقد أكد فخامة الرئيس أن كل هذه الجهود لها هدف أسمى؛يوصل إلى تمكين المستفيدين من تجاوز الصعوبات، وتحسن الأوضاع، عبر العمل، والإنتاج، والأنشطة الإنمائية، ولن يتحقق ذلك دون النزاهة في الإيصال، والاستقامة في تنزيل الحق لمستحقيه، وتأطير ذلك كله، والوقوف على ثماره لا يمكن حصوله بحق وحقيقة إلا بالإقبال القوي، والمكثف على التعليم، والتكوين، ونبذ الاتكالية، ومعانقة الجهل، ومعاقرة الكسل. لقد أكد فخامة رئيس الجمهورية في مستهل خطابه بين يدي المربين الساهرين على صناعة العقول الإيجابية؛ أنه، وكل الحضور يمثلون صوت الغائبين من المدرسين، ويسعون إلى طرح مشاكلهم وإثارة تطلعاتهم، وأكد ذلك عندما تطرق لِجُلِّمشاكل المنظومة التربوية، بما يشي أن الاطلاع على خفايا الحقل التربوي حاصل؛ بما تحمل تلك الخفايا من معاناة،وعوائق للمدرس الميداني؛ والتي سُعِيَّ في تجاوزها، وتصحيح الاختلالات الناجمة عن التباطؤ في ذلك عقودا ماضية، ولقد أشار إلى أن إصلاح العملية التعليمية يتطلب تكامل جميع مكونات المنظومة، مما يحقق حصول الاسناد التربوي، بعيدا عن الشد المعيق، والتنازع المُخِل؛ وفي سبيل ذلك بذلت جهود كبيرة لتحسين المنظومة التعليمية، فالمدرس خصوصا، وقطاع التعليم عموما يمثلان تاج الأولوية الوطنية، وسمط الثريا عند فخامة رئيس الجمهورية، وفي سبيل ذلك وجه الرئيس الحكومة إلى تخصيص أي هامش ميزانوي متاح إلى تحسين ظروف الموظفين العموميين إجمالا، والمدرسين تنصيصا، وتخصيصا، فكلما ارتفعت المكانة المعنوية للمعلم في المجتمع ضمن التقدم إلى الأمام، وبمقابل ذلك أيضا استجاش فخامة الرئيس العاطفة التربوية للمدرسين؛ حاثا على المثابرة والجد في أداء، وإيصال، وتنزيل الرسائل التربوية السامية، والنبيلة؛ فبذلك نضمن المضي في تأسيس المدرسة الجمهورية، وفق الأسس الجامعة التي تضمن تماسك المجتمع، ونضج أفراده،وإيجابيتهم، وتلاحمهم؛ نحو الوطن الواحد، بكل فخر واعتزاز. ومن المهم جدا تأكيد فخامة الرئيس أن وجوده مع مجتمع التربية والتعليم في هذا الإفطار الرمضاني المبارك؛ دليل حب ووفاء، وتعبير صادق عن الأهمية القصوى التي يوليها لقطاع التربية، وتمثُلٌ شاهد للتقدير الراسخ من فخامته للدور المحوري الذي يضطلع به المعلم في بناء الأجيال، فإطلاق المدرسة الجمهورية أصلا يعتبر بحسب الرئيس نفسه؛ أهم مشروع وطني في برنامجي تعهدات الرئيس،وكذا طموحه للوطن، وهي ضمان لنفاذ جميع المواطنين إلى التعليم بصورة متكافئة، تضمن ترسيخ قيم المواطنة في وجدان الأجيال، وتدعيما لهذه المدرسة الجمهورية؛ وُسِّعت البنى التحتية المدرسية، ووفرت الدعامات التربوية، وأُصلحت مؤسسات التكوين الأولي، وحُيِّنت المناهج، ورُوجعتالمقاربات التربوية. ومما لا شك فيه أن كل الجهود والموارد التي سُخرت وتُسخر للتعليم لن تكون مثمرة دون حضور فعالٍ، وبذل نَدِيٍ، وعطاءوافر من المدرس الكفء، المؤمن برسالته النبيلة؛ التي كادت أن تُصيِّره رسولا.

الخميس، 19 فبراير 2026

الرسائل الرئاسية (2/2)/ عثمان جدو -مقال

في هذا المقال الذي يمثل الجزء الثاني والأخير تحت هذا العنوان؛ سنتعرض للرسائل الواردة في بقية محطات زيارة فخامة الرئيس لكوركل، وكذا الرسائل الواردة في كلمته بانواكشوط أثناء إطلاقه برنامج عملية رمضان. لقد أدرك فخامة الرئيس أن أكثر المواطنين في هذه المناطق المزورة مازالوا يعانون التهميش، وصعوبة الحصول على الحد الأدنى من العيش الكريم، مما يُظهر الفوارق المعيشية بشكل مقيت، ويجذر فوارق أخرى مذمومة ذات نزعة اجتماعية تولد البغض والكراهية؛ وهذا ما أكد فخامته على الجد والاجتهاد في محاربته واستئصاله، وتعهد بأن تظل موارد الدولة سيارة لتدعيم السياسات الاجتماعية؛ وبين أن ذلك لا يستقيم دون تطوير جهد الفرد، وإبراز إرادته الجادة من أجل تحقيق غد أفضل، وعلى هذا الأساس فإن كل مواطن مُلزم ببذل ما في وسعه للخروج من واقع الفقر المدقع والاعتماد على غيره، ومهما وفَّرت الدولة من ظروف هي واجبة عليها أصلا من أجل خلق الازدهار الجماعي؛ فإن ذلك مدعاة لإحياء روح المبادرة لا طمسها وانكماشها. لقدد مرر فخامة الرئيس رسالة مهمة وعميقة الدلالة حينما قال: من هنا أطلقنا أهم مشروع وطني ألا وهو المدرسة الجمهورية؛ من امبود، على مدرج مثلث الألم الذي تحول إلى مثلث الأمل، ومسرح التفاؤل، فبالعلم تتقدم الأوطان، وينسجم الأفراد، وتنصهر الجماعات. لقد أكد فخامة الرئيس أن تحقيق السيادة الغذائية هو المكمل الحقيقي لمعنى السيادة الوطنية، ومالم يتحقق ذلك وينعم المواطن بما تجود به الأرض في بلاده داخل حدوده؛ ستظل السيادة ناقصة أو مفقودة، وهذا ما أظهرته أزمة كورونا للعالم بأسره، وتضررت منه بلادنا كثيرا، وإدراكا من الدولة لحجم المسؤوليات في هذا الصدد؛ ستظل توفر الدعامة التامة والسند الحقيقي الذي يسهم في معالجة وإزاحة كل معيقات التنمية المحلية، فلا يمكن أن تظل المساحات الشاسعة غير مستغلة؛ بفعل اعتماد الأهالي على الاستغلال التقليدي البدائي الذي يحد من الإنتاجية المثالية، ويعيق جذب الاستثمار الفعال، الذي يضمن إقامة سلاسل إنتاج ذات نتائج مجدية. ومع هذا كله بذلت الدولة جهودا كبيرة لترقية قطاع الزراعة تحديدا اسفرت عن تغطية 90% من حاجيات البلاد من الأرز، واستغلال 12 هكتار لمحاصيل الخضروات بإنتاج نحو 225 ألف طن، وتوسيع الزراعة المطرية إلى 280 ألف هكتار مع إنتاج 180 ألف طن من المحاصيل التقليدية، وتعمل الدولة حالا على استصلاح مساحات زراعية جديدة لتمكين الجادين من المواطنين من عرى الاستثمار، ويتطلب هذا كما يزف فخامة الرئيس شق قنوات مائية كبرى؛ بدأ الشروع الفعلي في بعض مكونات البرامج المتعلقة بها. ويؤكد فخامة الرئيس أنه استبق ذلك كله بإلزام الوزراء بإجراء مشاورات موسعة مع السكان بوصفهم المستهدف الأول والمهم عند الدولة، وكذا الفاعلين والخبراء المباشرين للإنجاز؛ لإحداث تحول جذري في نظامنا العقاري والإنتاج لضمان سيادة غذائية متكاملة، وكل هذا يفرض اعتماد مقاربة شمولية جديدة، قائمة على الشراكة، والشفافية لاستغلال الموارد الزراعية وفق أمثل السبل، ورفع الإنتاجية، وخلق فرص عمل مستدامة، مع الحفاظ على التوازنات الاجتماعية المحمودة، وبناء نموذج عقاري عصري بالحوار والالتزام التشاركي. وكتب فخامة الرئيس رسالة إنصاف عادلة حينما قال بثبات تام لن ننزع شبرا من أرض أي مواطن، وسنطلق ثورة زراعية لضمان السيادة الغذائية، ولا يمكن أبدا أن تصادر أراض لمواطنين كانوا يستغلونها، واستغلها أجدادهم. أكد فخامة الرئيس على أهمية الحوار وأن ما يدرك به وبالنقاش لا يدرك بغيرهما، وأعلنها مدوية أن الدولة ستكون بالمرصاد لكل من يستغل الأجواء الإيجابية استغلالا سيئا، وثمَّن الروح الوطنية الإيجابية العالية التي تحلت بها مختلف الأطراف السياسية موالاة ومعارضة. وشدد الرئيس على أن الحوار ومطارحة الأفكار رغم أهميته لا يعتبر الشروع فيه ضامن وفاق ومصدر إجماع، ومع ذلك يبقى مهما لصياغة السياسات العمومية الناجعة، مما يعزز الرؤية الواضحة لفخامته في إرساء جو التهدئة، والحوار البناء، والتوافق الإيجابي، ومما لا شك فيه أن بلادنا لها القدرة التامة على اللحاق بركب البلدان النامية، رغم التحديات، ولذلك اعتمدت الدولة رؤية قائمة على التحول الاقتصادي والاجتماعي. يوكد الرئيس أن زيارة كوركل والحوض الشرقي أظهرتا اتساع نطاق البرامج التنموية المنجزة وتلك التي مازالت قيد التنفيذ وعن مدى الاستجابة لحاجات المواطنين؛ وأكدتا أن الوضعية الاقتصادية جيدة، ومعدلات النمو في منحنى تصاعدي، وتراجعت مؤشرات العجز والتضخم بالتوازي مع تقدمنا الواضح في بناء بنية تحتية داعمة للنمو. ويُسجل حصول نتائج ملموسة في القطاع الزراعي، موازاة مع المضي قدما نحو إرساء تحولات استراتيجية عميقة في قطاعات المعادن، والصناعة، والتنمية الحيوانية بما يعزز من تنويع اقتصادنا الوطني، ويدعم الاستقرار الاقتصادي المستدام، وسنتمكن بإذن الله تعالى في فترة وجيرة من توفير خدمات الصحة، والمياه، والتعليم في جميع مناطق الوطن، مع تركيز خاص على المناطق الأكثر احتياجا لضمان تحقيق التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعية المنصفة، ويمكن القول أن ما أُنجز من البنى التحتية التعليمية والصحية خلال عهدنا يقارب ما تم إنجازه منذ الاستقلال وحتى اليوم، ونحن على يقين تام على أن القادم سيكون أشمل وأفضل بإذن الله تعالى. ونؤكد في الأخير أن كل ما ينفذ من برامج الصحة والتعليم والتشغيل يهدف بالمقام الأول إلى تمكين الشباب بكافة فئاتهم، وكما قلنا سابقا هذه المأمورية مأمورية الشباب وبالشباب ونؤكد على ذلك. ينضاف إلى ما سبق تلك الرسائل المختصرة في شكلها، العميقة، والثرية في مضمونها؛ والتي بعث بها فخامة رئيس الجمهورية خلال إشرافه على إطلاق عملية رمصان في انواكشوط، إذ تؤكد هذه الرسائل أن المواطن الضعيف البسيط الذي لا بواكي له هو المستهدف الأول؛ وعليه يجب أن يُمكن من الموجه إليه مجانا، ويستفيد مما هو رمزي الأسعار، وأن لا يزاحمه على ذلك كبار التجار ولا صغارهم ولا ينتزعه من أمامه أغنياء المجتمع، ولا وكلاؤهم أو أتباعهم.

الثلاثاء، 17 فبراير 2026

إنصافا لمعالي وزيرة التربية/ عثمان جدو -مقال

من الإنصاف أن يكون الإنسان عادلا مع نفسه؛ فلا يجني عليها بتجنيه على غيره، ادعاء وافتراء، فالقول الذي يفتقر إلى دليل ملموس هو مجرد تحامل مبعثه الأساسي نفعي، ومنطلقه الاستفزاز؛ تكسبا لإسكات نداء الأمعاء، ولو برواسب القذارة، لأن صاحبه ببساطة شديدة يهين نفسه دون أن يدري، ويرمي بها جهلا أو عمدا في وحل الاحتقار، وطبعا ستكون براقش هي التي جنت على نفسها. إن التعدي على اعراض الناس والقدح فيهم؛ استماحة لأعطياتهم الخفية أو استدرارا لمنح خصومهم، ولو كانت قذى قدح؛ لا يهوي إليه من علت همته أبدا. لقد حصل وأن طالعت على فضاء الفيس بوك المليء بالغوغائيين، والأفاكين، والابتزازيين النفعيين تحاملا كبيرا على معالي وزيرة التربية، وقبلها معالي وزير العدل، وغيرهم، وبفعل معرفتي وانشغالي بحقل التربية كان هذا التحامل الظالم ملفتا لي، ولم استطع غض الطرف عنه، ولا تصاون السمع عن صداه الذي يتضوع عفونة ونتانة. لقد أقدم الآخذ من عرض الوزيرة قبل أخذه من أدائها زورا وبهتانا؛ على اجترار ميوله؛ فاتهمها بعدم الكفاءة مبدئيا!، وهي التي أظهرت كفاءة عالية منذ إدارتها للمعهد التربوي الوطني، وهنا عرفناها، وبعد ذلك عرفها الحقل التربوي، وهذا هو دافع شهادتنا ومنطلقها الأساسي، لقد نجحت الوزيرة في رفع ميزانية المعهد التربوي كثيرا من خلال مضاعفة مخصصات صندوق النشر المدرسي، وأطلقت منصة كتبي كبديل أكثر جدوائية عن الأكشاك الرقمية؛ وتعد منصة كتبي الآن مكسبا تربويا هاما، يمكن الأهالي من الولوج الآمن إلى الكتب والدعامات التربوية، تصفحا وتنزيلا، أو سحبا على الورق وهم في منازلهم في أي وقت، ومع هذا كانت فترة إدارتها للمعهد التربوي قصيرة جدا؛ قرابة سبعة أشهر فقط. أما بخصوص تسييرها لقطاع التربية والذي اتهمها فيه هذا المدون المغترب زورا وبهتانا بضعف الأداء، وفوضوية التسيير، والفساد الإداري والمالي، وغير ذلك، فكل هذه العناوين تبقى مجرد ادعاء على خواء، مالم يستظهر صاحبها بدليل ناصع وحجة ملموسة. ودفعا لهذه التهم الجزافية نطرح الأسئلة والاستفسارات التالية؛ والتي نريد من هذا الشخص الذي تحامل كما عُهد على معالي الوزيرة أن يفندها بالوقائع والإثباتات المدعمة بالأرقام أو البراهين الساطعة إن استطاع إيجادها؛ 1- في أي زمن جُرِّد كبار المسؤولين على خلفية صفقة فاسدة أو لم تستوف المنصوص عليه؟ (ولكم أن تستعينوا في الجواب بصفقة الطاولات التي تعرفونها جيدا) 2- متى اختفت ظاهرة إرسال المدرسين (envoyer) التي كانت رائجة ومعلومة الأسعار والخطوات، وكانت تنتعش طيلة السنة الدراسية؟. 3- متى أصبحت تحويلات المدرسين مرهونة بالمسار القانوني المحدد وفي الزمن المخصص لها تحديدا؛ بحيث أصبحت معيارية لا تعترض عليها نقابة مُمارسة ولا مدرس معزول؟. 4- في أي عهد أصبح مديرو الثانويات والإعداديات والأساتذة عموما يتقدمون لإدارات شاغرة مُعلن عنها، ثم يتنافسون وفق المعايير الواضحة التي لا تقبل التلاعب، وتكون النتائج محل إرضاء جامع؟. 5- ألم يصبح كل المدرسين يخشون الغياب، ويلزمون أماكن عملهم؛ لمعرفتهم التامة بصرامة وحياد الإجراء؟. 6- ألم نُعايش فترات كان فيها مدرسون فوق القانون؛ إذا حضروا لا يدرسون كما هو مطلوب، وإذا غابوا لا يعاقبون كما هو مُسطر؛ بفعل قوة النفوذ، ووفرة الحماية، كل ذلك أصبح جزءا من الماضي؛ بفعل صرامة هذه الوزيرة تحديدا ودون مجاملة. 7- في أي فترة حصل المدرسون على مبالغ مالية كبيرة تعويضا لهم عن السكن والذي كان مطلبا ملحا لا يحلم أكثرهم بأن يكون أكثر من قطعة أرضية في منطقة نائية؟. 8- في أي سنة رأت البطاقة المهنية النور؛ وهي التي كانت مطلبا نقابيا مُدرجا بأهمية، وما هو التوقيع الرسمي المثبت عليها والذي يمنحها قوة الاعتبار؟. 9- متى تضاعفت العلاوات التحفيزية خاصة الطبشور؛ حتى صار الميدان مغريا لكثيرين رجعوا إليه وحملوا الطبشور، ومنهم من نعرفه باسمه وكامل وسمه في المعهد التربوي مثلا وفي غيره من المؤسسات التي كان الكل يبذل ما بوسعه كي يلتحق بها؟. 10- ألم تتقلص الطلبات النقابية حتى بات البعض لا يتذكر مما كان مُلحا منها غير تفعيل نظام الأسلاك كمطلب بارز، مع بعض المطالب الخفيفة التي يمكن تسويتها في الأفق المنظور. إن المتتبع المنصف للمنظومة التربوية حتما سيقر لمعالي الوزيرة بجودة الأداء وفعالية التسيير ويطلب لها مزيدا من الثبات على ذات المسار والتوفيق في قادم الأيام. أخيرا أتذكر من باب الإنصاف أن الفيس بوك وغيره من الوسائط التي صارت مأوى للغوغائيين والابتزازيين؛ أنها أيضا لم تعدم المدونين الإيجابيين الذين أناروا الدرب، وساعدوا الضعيف والملهوف، ومنهم من وقف بالمرصاد للكذب والتلفيق وإفساد الأجيال، وأُذكر من يُنصِّب نفسه محامٍ عن الحق أن لا يلبس ثوب الشيطان فينبذ كل من يخالفه، فالحجة تقابل بالحجة، والبرهان لا يرده إلا البرهان، ومن تسلح بذلك لن يضيق ذرعا بتعليق عابر على تلفيق دائم، أما الحظر لكل مخالف فهو دليل ضعف لا برهان قوة، ولا هو بمتلازمة سيادة.

الرسائل الرئاسية (1/2) عثمان جدو - مقال

في مستهل خطابه من عروس النهر كيهيدي؛ خلال زيارته المشهودة لولاية كوركول بعث فخامة رئيس الجمهورية برسائل رئاسية قيِّمة تتسم بالدقة والمكاشفة وبحمل صبغة المراسيم مما يعزز من أهميتها ولزوم تطبيقها وتنفيذها، وأول هذه الرسائل اعتزاز فخامة الرئيس بتاريخ كوركول العريق، وإشعاعها الخالد، وهي لعمري جرعة إنصاف تفتح شهية الذاكرة الجمعية نحو الاعتزاز بالانتماء الوطني الجامع. ولقد دعَّم فخامة الرئيس هذا الإنصاف بتحسره على عدم إتقانه لأي من لغاتنا الوطنية؛ والتي كان يرجو أن يكون خطابه هذا موجه بإحداها على الأقل، وطبعا كان سيكون لذلك وقعه الخاص، ونشوته المميزة، وهذه النتيجة بالذات هي التي دفعت بفخامته إلى اعتماد مقاربة تصحيحية داخل جسم المنظومة التربوية والإدارية؛ تجسدت في إدخال تدريس لغاتنا الوطنية على مستوى المسار الدراسي القاعدي، وكذا على مستوى مدارس التكوين وهيئات التأطير. ولقد أكد فخامته أن زيارته لولاية كوركول هي الأكثر وما ذلك بالحدث الاعتباطي، بل هو مصالحة معلنة بين القمة والقاعدة ورسالة احتضان لكل أبناء ومناطق الوطن، تعزيزا للحمة الاجتماعية، وقطيعة مع أساليب الإقصاء والتهميش التي كانت سمة ماضية. من هذه الولاية الجميلة بتنوع سكانها، وجود طبيعتها، وخصوبة أرضها أطلق فخامة رئيس الجمهورية أهم مشروع تعهد به للمواطنين ألا وهو مشروع الإصلاح الكبير المتمثل في المدرسة الجمهورية؛ تلك المدرسة الجامعة التي تؤوي كل أبناء الوطن الواحد في مشهد جامع دون تمييز، على نفس الطاولة، وبذات الزي يتلقون نفس البرنامج؛ مما يزيد الانسجام والتآلف منذ نعومة الأظافر، وطبعا ستكون النتائج؛ لحمة وطنية قوية، ومخرجات متصالحة مع الذات والوطن، ومن هذه الولاية أطلق فخامة رئيس الجمهورية نداء جول الذي يعزز اللحمة الوطنية بين الكبار والراشدين، ويحارب النزعات العنصرية والدعوات القبلية، خاصة في أثوابها غير التكافلية. في مهرجان كيهيدي؛ ومن خلال حشده المشهود، ظهرت موريتانيا بتنوعها في صورة مصغرة جامعة؛ تجسد مشهد الوطن الواحد، وهذا ما يبعث على العمل من أجل تماسك الشعب الواحد، وتوثيق عرى تضامنه، ولن يتأتى ذلك دون بناء وطن جامع يوفر العيش الكريم لكل أبنائه، ويسلك بهم مسلك النمو والازدهار، في ظل ديمقراطية شاملة، وعدالة منصفة، مفتاحها الوحيد هو المواطنة، وضامنها المعلن؛ الحرية والمساواة. إن من الرسائل المهمة التي أكد عليها فخامة رئيس الجمهورية؛ أنه لم يأت بدوافع ولدتها أزمات، أو أخرى قذفت بها استحقاقات، وإنما أتي بدافع الاتصال المباشر، والإصغاء عن قرب لآراء وتطلعات المواطنين، ومما يعزز صدقية هذا المنحى أن بلادنا تنعم ولله الحمد بالأمن والاستقرار، مما يستوجب صيانة هذه النعمة الكبيرة، والمحافظة عليها بيقظة المواطن الغيور على مصلحة بلاده المستعد دوما للذب عنها، وإقامة مصالحها بالعمل الجاد والبناء؛ في ظل وجود مؤسسات فعالة تضمن ذلك، وتعمل بأمان وانتظام. ولقد تضمنت هذه الرسائل الرئاسية اعترافا ظاهرا أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان، والحصن المنيع في وجه كل التحديات، وهي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي العتبة الصلبة والمدرج الفعال لتحقيق التنمية والازدهار؛ فالجوامع الوطنية أقوى وأثرى وأعمق من روافد الخلاف الذي غالبا ما يكون في طبيعة الرأي لا في حقيقة الهدف، وهذا ما يجعل أنشودة الوحدة والاستقرار هي ترنيمة الجميع؛ قمة وقاعدة، ويُرفع شعار تأشيرة نوال الحقوق عن طريق المواطنة الصادقة فقط، بعيدا عن المحاصصة بالألوان أو الألقاب الطينية الضيقة. من خلال مكاشفة فخامة الرئيس للمواطنين في مدينة كيهيدي أبان عن عمل الدولة على تعزيز التضامن والعدل والإخاء، ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وإصلاح العدالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مفهوم المدرسة الجمهورية وتطوير الخدمات الأساسية، وكذا التنمية الإنتاجية، وترقية القطاع الخاص، وتدعيم البنية التحتية؛ مما مكن البلاد من تحقيق نمو اقتصادي مهم جدا تراوح بين 4,5 إلى 6% خلال السنوات الست الماضية. إن الدولة الموريتانية لم ولن تتنكر للدور الريادي الذي لعبته ولاية كوركول في نهضة البلاد الاقتصادية، وعلى هذا الأساس عملت على تعزيز هذا الدور من خلال بناء السدود واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، وتوفير الماء، والكهرباء والتعليم والصحة. ولقد ذكَّر فخامة الرئيس الحاضرين ومن بعدهم الأمة أنه اعتمد نهج التشاور مع الجميع، وأجرى لقاءات مع مختلف الأطراف، وأطلق مسارا تحضيريا يوشك على الاكتمال من أجل عقد حوار شامل لبناء إجماع وطني حول القضايا الكبرى، والجوامع الوطنية؛ ونوه فخامته إلى أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة من ذي قبل لتحمل المسؤوليات بكل شجاعة تجاه التاريخ، والتحلي بالإرادة والعزيمة من أجل بناء مستقبل مشترك، مُشرِّف ومزدهر، ولن يكون ذلك دون تجاوز العقليات البائدة وبناء المستقبل على أسس المساواة والتكافؤ على جميع الصعد، وفي هذا الصدد لم يدخر فخامة الرئيس الجهد المطلوب؛ تعزيزا لرباط المواطنة، وتقوية للحمة الوطنية، من خلال تغيير العقليات أولا، ومحاربة الأحكام المسبقة والصور النمطية ثانيا، وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بعد ذلك، وكسر حواجز الطبقية تتويجا لكل ذلك. ومما لا شك فيه أن باب الإنجاز فُتح على مستويات عدة، تعزيزا للجهد التراكمي للأجيال، ولكون التاريخ الوطني مليء بالصفحات المشرقة، وبأخرى نقيض ذلك؛ فإنه من المحتم أن تظهر قوة الشعوب بوصفها المنقذ القادر على تجاوز اللحظات العصيبة، والفيصل الضامن للاستمرار على درب البناء والتقدم، لكن بوصلة ذلك كله في الاعتراف بالتاريخ دون خجل وفك أسر اللحظات المؤلمة؛ كي لا تبقى عقبة كأداء في وجه التقدم والنماء. ومن الرسائل المسجلة في زيارة كوركول دعوة الرئيس أبناء الوطن في المهجر إلى المساهمة في بناء البلاد وإشادته بدورهم في تمثيل الوطن، فيما اعتُبِر رسالة طمأنة وتقدير، مع التحذير من الانزلاق الذي قد يقع فيه البعض فيمتهن خطاب التفرقة والكراهية، مما يؤزم ويفرق ولا يجمع، ولم يُفوِّت الرئيس دعوة المواطنين إلى الإقبال على مراكز الحالة المدنية لتسوية وضعياتهم، والحصول على أوراقهم التي تعد جزءا ثابتا من حقوقهم. لقد بين فخامة الرئيس أن الدولة وفرت فرصا كبيرة جدا في مجال التكوين المهني لمن لم يتمكنوا من مواصلة المشوار الدراسي النظامي الطبيعي، أو آثروا حبا وكرامة الانخراط المبكر في مجال التكوين المهني، فرفعت لهم الطاقة الاستيعابية من 4 آلاف إلى 20 ألفا مع وعد رئاسي بصبغة مرسوم أنها ستصل 23 مع نهاية العام الحالي بإذن الله تعالى. ملاحظة: في هذا المقال الذي شكل الجزء الأول من هذه المعالجة تحت هذا العنوان اقتصرنا على الرسائل الواردة من مقاطعة كيهيدي (الخطاب الرسمي ولقاء الأطر فقط) ولنا عودة بإذن الله تعالى مع بقية الرسائل الواردة في لقاءات بقية المقاطعات، والتي يجب على المواطن والحكومة على حد السواء التعامل معها على أساس أنها مراسيم ملزمة التطبيق؛ فأوامر الرئيس وتوجيهاته الرسمية تكتسي تلك الصبغة القانونية، وهذا ما يجب على الجميع وعيه واستيعابه، والعمل بمقتضاه.

السبت، 10 يناير 2026

المكتسبات الاجتماعية قيمة يجب أن تصان (مقال)

لإن كان العمل الاجتماعي بشكل عام تُناط به العناية بالمحتاجين داخل المجتمع؛ سواء كان احتياجهم متولداأصلا عما يُصنفون به لاحقا أصحاب هِمم أو هو مُستجد وناتج عن احتياج عرضي مادي يمكن زواله بالمتابعة والمساعدة عن طريق برامج التكافل الاجتماعي؛ فإن بلادنا قطعت في هذا المضمار أشواطا كبيرة حريٌ بنا أن نصونها ونؤسس عليها فنبني لها معنىً يدعم الاستمرارية وتحقيق الغايات المنشودة، ويمكن القول بكل بساطة أن التلكؤ في ذلك أو إقلاب ظهر المجن له ينسف كل ما تحقق من نسمات اجتماعية إيجابية تحتاج التقوية والتدعيم والاستمرارية. لقد تميزت المأمورية الأولى لفخامة رئيس الجمهورية السيدمحمد ولد الشيخ الغزواني وما تبعها حتى الآن من المأمورية الثانية؛ خاصة في المجال الاجتماعي بمحطات هامة جدا يمكن التوقف عندها قليلا وسريعا للاستئناس على الأقل، ومن ذلك تأمين مائة ألف أسرة متعففة تنحدر في مجملها من أوساط هشة تجعلها هذه البرامج الاجتماعية جماعة ذات أولوية، وهي سابقة وطنية؛ إذ لم يكن مؤمنا قبل ذلك إلامن حظي بالانضمام للوظيفة العمومية وخضع للاقتطاع القبلي من راتبه وكان تأمينه يُبقِي نسبة يجب عليه تعويضها، أما المائة ألف أسرة المذكورة وما أضيف لها عن طريق السجل الاجتماعي فتأمينهم تام مائة بالمائة؛ ودون دفع أوقية واحدة كإسهام متأخر عكس المؤمنين من الموظفين،وطبعا تحصيل حاصل القول بأن كل هذه الأسر المؤمنة تضم مجموعة من الأفراد المحتاجين جدا لهذه الخدمات الصحية وما يوازيها من أعطيات مالية؛ وإن لم تكن تزاحم القيمة الصحية لهذه التغطية المجانية. ولا يقل عما تقدم أهمية ما حصل ويحصل بخصوص التكفل بمرضى التصفية؛ مع بعض المآخذ الإجرائية التي تظهر من حين لآخر سواء عند تعطل جهاز ما أو التباطؤ في خدمة معينة، لكن المتابعة من خلال المصالح الموجودة في كبريات المستشفيات الوطنية والتي تتبع مباشرة لقطاع الشؤون الاجتماعية لن تُعدم فائدتها، بل الأكيد أنها تقف سندا وعونا لهذا الصنف من المرضى المحتاجين ومن على شاكلتهم من المعوزين، دون أن ننسى إسهامات الخيرين من منظمات ونشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي؛ منهم من أصبح إسهامهم مشهود بل محل إشادة كبرى من الجميع، وبغض عن خلفياتهم السياسية وأديلوجياتهم الفكرية وغير ذلك فإنهم أفادوا المرضى سريعا دون أن يكون لهم ريع من ذلك،بل منهم من يربط المريض مباشرة بالمتبرعين عن طريق رقم المعني في صورة ترسم لوحة من النزاهة وخدمة الوطن؛ فالوطن يسع الجميع، ولهؤلاء نقدم أعز تحية ونقول لهم سيروا على ذات الدرب بارك الله جهودكم ونفعكم بها دنيا وأخرى. ومن المواضيع الاجتماعية التي يُحبَّبُ التوقف عندها تلك الخدمات المقدمة لأطفال التوحد عن طريق مركز رائد جدا في المجال ساهم كثيرا في الحد من آثار وتبعات ومضاعفات هذه الظاهرة، ونظرا لأهمية هذه الخدمات ينبغي أن تتسع حتى تشمل فئات لا يمكن أن تصل إلى ذلك بمجهودها الذاتي المتواضع دون رعاية وتغطية وتحمل للأعباء الكلية من الدولة وهي تستطيع. وبخصوص صندوق التأمين الصحي الذي كان وما زال يضطلع بدور اجتماعي محوري لما يوفره من ضمان صحي استفاد منه الموظفون والمشمولون في برنامج تآزر بشكل لافت؛ لكن خطبا مُستجدا أطل برأسه مع إطلالة هذا العام الجديد قد يُعقد طبيعة ما تعوده هؤلاء على نقيض قول المتنبي: لكل امرئ من دهره ما تعودا.. فتغيير طبيعة الرعاية الصحية من قبلية لا تحتاج معها دفع القسط الأكبر الذي يتحمله الصندوق إلى رعاية بعدية بتعويض متأخر عن العلاج أو اقتناء الدواء فيه إجحاف كبير بطيف بشري عريض لا يقوى سواده الأعظم على شراء علبة دواء أو سداد مستحقات الفحوص في لحظة الحاجة إليها، وهنا نُنبه إلى ذلك لأجل إعادة النظر وترك الحال على حاله فذاك الأصل المبارك إن لم يجد منغص؛ فالاستمرار على الرأفة أولى من تكبد مستجد المشقة. وكل ما قيل بخصوص صندوق التأمين الصحي (كنام) يجر ذيله على أخيه الأصغر صندوق التضامن الصحي (كناس)؛ إنْ على مستوى الإشادة به وبتدخلاتها والمجال الذي سيسد منه ثغرات عجز المواطنين أو حتى على مستوى المآخذ من أجل تحسين الجودة والانتشار والرأفة والتخفيف على المواطنين. وقبل أن نختم هذه السطور بملاحظة حول موضوع المحروقات المثار أخيرا نتوقف قليلا مع صندوق سكن المدرسين فهو مكسب اجتماعي هو الآخر وتجب صيانته ككل المكاسب التي قدم ذكرها؛ وهنا نُشيد إشادة عالية رفيعة بتضمين المتوفين -رحمهم الله- إلى جانب المتقاعدين للاستفادة من التعويض المرصود عن السكن، وهي قرارات في منتهى الأهمية لكن النقص لا يخلو منه عمل بشري مهما تراءى للناظر متكاملا؛ فصندوق سكن المدرسين يجب أن يشمل كل المدرسين خاصة من ينشطون تحت ظل وزارة التربية من خلال إداراتها المركزية أو أذرعها الجهوية وفروعها الإدارية، ومن الحيف وقد نسميه حيفا بريئا أن يحصل تفاوت كالحاصل بين القيمة المقدمة للميدانيين على حساب من تمت ترقيتهم لتسيير الملفات الكبرى والحساسة للمنظومة التربوية، ما معنى أن نُعيِّن شخصا مديرا مركزيا أو مستشارا نتلمس منه تقديم الأفكار ورعاية المشاريع الكبرى للتربية أو متابعة الملفات الحساسة التي يتحرك بموجبها جمع كبير من المدرسين في الميدان ثم نجعل له تخصيصا للسكن بنصف قيمة الآخرين؟. إذا كان التقدم الوظيفي بهذا المنطق منقصة فلم يسند إلى من حازوا كفاءة جيدة بعد خدمة ميدانية طويلة؛ فالترقية بطبيعتها لا يجب أن ترتبط ببعض النوادر التي تشوه التقييم؛ فالنادر لا يقضى به، والأصل أن الترقية تزكيةٌ لجهدٍ مشهود وعملٍ محمود. علينا أن نراجع المعايير، ونتجرد في رغباتنا في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا الذاتية فقط، فالعموم أنفع من التخصيص، والزمن حكم شاهد، والأيام تسير بناومستجداتها تدفعنا إلى أن نتشارك الحقوق كما الواجبات مع غيرنا. وختاما مع ملاحظة وجيزة بخصوص ما أثير عن المحروقات؛ولأن حديثنا هذا بدأناه أصلا عن عموميات ومكاسب اجتماعية وبها أيضا نختم، فيجب ألا يختفي ذلك الدعم الحكومي الذي كان له انعكاس اجتماعي إيجابي بطريقة ما وفي ظرف ما، فترك المواطن البسيط؛ أعني الموظف العمومي ومنهم دونه تحت رحمة سعة جيبه! إن ارتفعت أسعار الوقود بعد انخفاض قد يفضي به إلى سقوط لا يستطيع منه النهوض، فعلينا أن نرحمه بحسن تدبير يضمن له عدم المواجهة بعد الارتفاع؛ ويمكنه من الاستفادة من الوقود إبان الانخفاض سواء حصل ذلك في الصيف أو الشتاء أو زمن الرخاء والانتجاع.