الثلاثاء، 7 يوليو 2026
إلى أي مدى نجح مهرجان المعارضة بانواذيبو في تحقيق مقاصده؟/ عثمان جدو
أرادت المعارضة من خلال مهرجان انواذيبو أن تُوصل رسائلها السياسية، وتفرض ضغطًا معنويًا وإعلاميًا على السلطة، ومع صعوبة الجزم بنجاعة الأساليب التي انتهجها قادة المعارضة في خطاباتهم، أو تمام نجاح المهرجان في تحقيق أهدافه، وفرض خيارات المعارضة على النظام، فإن بعض المتتبعين يرى أن شيئا من التأثير لا بد قد حصل؛ ويمكن رصد مدى التأثير وفعاليته من عدمها من خلاله تتبع بعض العوامل لعل منها:
-كون هذا المهرجان جمع لأول مرة الأقطاب الرئيسية للمعارضة في انواذيبو حول نشاط سياسي مشترك، وهو ما يُعطي انطباعا -بعض الشيء- بوحدة الصف، وطبعا إن تبلورت هذه الجزئية ونمت فإن ذلك سيشكل إضافة تُحسب للمعارضة مع تحركاتها الأخيرة، وتكسبها بعض النقاط.
-القدرة على الحشد خاصة خارج العاصمة انواكشوط: فمن الصعب جدا حشد المواطنين الموريتانيين في غير المواسم الانتخابية التي تزيد الحماس، وحب الاجتماع، والاندفاع السياسي، ومع ذلك تحدثت بعض المنصات الإخبارية عن المهرجان من هذه الزاوية وقدمته على أساس أنه شهد حضورا جماهيريا ملحوظا.
- ركزت بعض خطابات هذا المهرجان على قضايا تهم سكان المدينة مثل المياه والكهرباء وغلاء المعيشة والصحة والتعليم، وهي ملفات تحظى باهتمام شعبي واسع، ويعتبر الكلام عنها انتصارا للمواطن حتى وإن غفل أو تغافل المتحدثون عن الوضع الدولي الصعب الذي يفرض قيوده الخاصة على جميع دول العالم.
– استغلال التهيئة للحوار: فتزامن حراك المعارضة وهذا المهرجان بالذات مع الحراك السياسي الوطني الممهد للحوار من شأنه إذا هو نجح في تمرير رسائله بقوة أن ينتزع قدرا كبيرا من المرونة المطلوبة تجاه بعض ملفات المعارضة التي ترفعها وتتبناها؛ لكن ذلك مرهون إلى حد كبير بنجاح التعبئة الجماهيرية ومدى تماسكها ودقة تنظيمها حتى تكون قوة سياسية يُعول عليها بثبات وموضوعية.
ومع كل ما تقدم فإن فرض خيارات المعارضة يتطلب أكثر من مهرجان جماهيري؛ حتى لو سلمنا جدلا أن هذا المهرجان كان حاشدا؛ فالأمر يحتاج أكثر من ذلك بكثير، ولا أقل من أن يحتاج إلى استمرار الحشد، ووحدة صف المعارضة، ووضوح المطالب، وقدرة المعارضة على كسب تأييد أوسع داخل المجتمع.
وفي الجانب الموازي تبدو السلطة غالبًا أكثر ميلًا إلى استيعاب الضغوط السياسية عبر الحوار والتفاوض بدل الاستجابة الفورية لضغط التجمعات الجماهيرية وحدها.
لذلك، فإن نجاح المهرجان قد يمنح المعارضة أوراقًا إضافية على طاولة الحوار، لكنه لا يعني بالضرورة أن النظام سيقبل بشروطها أو خياراتها كاملة، فهو كما يُقال في بحبوحة من الارتياح السياسي المؤسسي بسيطرته على المقاعد التشريعية وتمثيليات الناخبين، ويقدم نفسه كمانح مرن للحوار؛ يمدُّ يدًا عريضة إليه، ويرفع عنها كل يدٍ ثقيلة، والطمأنينة في ذلك تجري على لسان فخامة الرئيس في كل اجتماع عُقد على مائدة التهيئة للانطلاقة الفعلية للحوار الوطني الشامل، الذي يقدم من النظام على أنه لا يستثني موضوعا ولا يصادر رأيا.
ثم إن من أبرز النواقص أو المآخذ على المهرجان:
-أنه غلب على الخطابات المتداولة فيه الطابع النقدي النظري، بينما كانت التفاصيل المتعلقة بالحلول والبدائل العملية محدودة، وهذه عادة قديمة متجددة؛ لم تثبت نجاعتها في الماضي ولا يعول كثيرا على نتائجها في المستقبل، بل أبعد من ذلك حملت بعض الفقرات جملا وعبارات متشنجة وقد تكون حمالة للتهم والتخوين دون بينة أو إثبات، ومعروف أن ذلك مما يُضعف الحجج، ويُميِّع الدلائل، وينفي البراهين.
-لم يُعلن على لسان أي من قادة المعارضة عن برنامج واضح للمتابعة، أو جدول زمني مضبوط لتحويل مطالب المهرجان إلى تحركات سياسية، أو برلمانية محددة ومستمرة.
-اقتصر النشاط على مهرجان جماهيري، بينما يحتاج الأثر السياسي إلى عمل ميداني متواصل مع السكان بعد انتهاء المهرجان.
-ادعت المعارضة أنها واجهت، وفق بيانها، قيودًا على بعض الأنشطة الدعائية والاستقبالات المصاحبة للمهرجان، وهو ما قالت إنه أثر على التعبئة وزيادة الحشد.
بعبارة مختصرة: هذا المهرجان قد يزيد من الوزن التفاوضي للمعارضة، لكنه وحده لا يكفي لفرض أجندتها، ما لم يُترجم إلى حراك سياسي مستمر وتوافق داخلي واسع حول مطالبها.
وبالرغم عما حمل مهرجان المعارضة من انتقادات للحكومة فإن الحكومة تستند إلى التأكيد على البرامج الاجتماعية، مثل توسيع برامج الدعم للفئات الهشة، معتبرة أنها تخفف من آثار ارتفاع الأسعار؛ وكان أخر ذلك عهدا بالمواطن برنامج *عون* الذي مازالت آخر خطواته في بعض المناطق مستمرة، وكذا التأمين الصحي الشامل للمشمولين في السجل الاجتماعي، ومع ذلك يثار كثير من اللقط أخيرا حول طريقة التعامل مع المؤَمَّنِينَ من الموظفين ووكلاء الدولة الذين أصبحوا يعبرون عن معاناتهم الكبيرة مع مطاردة استفادتهم من خدمات التأمين بمشقة بادية عكس ما كان عليه حالهم قبل 2026.
كذلك تخلص الحكومة دائما إلى الحديث عن الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والطاقة والمياه والطرق، بوصفها أساسًا لتحسين الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل.
وتشير في كل البيانات والمقابلات إلى استقرار الاقتصاد الكلي مقارنة ببعض دول المنطقة، مع المحافظة على التوازنات المالية وجذب الاستثمارات.
وتؤكد الحكومة على المضي في الحوار السياسي، وترى أن فتح باب الحوار مع مختلف القوى السياسية يتناقض مع اتهامات المعارضة لها بالتضييق والإقصاء.
تتجه الحكومة أيضا في جل خرجات أعضائها إلى إبراز الإنجازات القطاعية في مجالات التعليم والصحة والكهرباء والمياه، باعتبارها دليلًا على استمرار العمل التنموي.
وفي مقابل ذلك كله ترى المعارضة أن هذه الإجراءات والإنجازات المتحدث عنها لم تنعكس بما يكفي على حياة المواطنين، وأن المشكلات الأساسية مثل غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، والبطالة، وضعف القدرة الشرائية، لا تزال قائمة، ولذلك دعت إلى تحركات جماهيرية للضغط من أجل تغيير السياسات الاقتصادية.
وبالتالي وكخلاصة أخيرة، فإن نجاح الحكومة في تفنيد دعاوى المعارضة يتوقف على معيارين:
إذا كان المعيار هو عرض الإنجازات والمشاريع، فلدى الحكومة حصيلة تستند إليها وتنشرها من حين لأخر بلغة الأرقام.
أما إذا كان المعيار هو إقناع المواطنين بأن أوضاعهم المعيشية تحسنت بشكل ملموس، فسيبقى ذلك محل نقاش سياسي وشعبي، وهو ما تحاول المعارضة استثماره في مهرجاناتها وتحركاتها، وتحتاج الهيئات الإعلامية الحكومية إلى مضاعفة الجهود من أجل إظهاره على حقيقته التي لا تقبل الطعن أو التنقيص.
وبين هذين الاتجاهين المتباينين؛ يظل السؤال مفتوحا ومطروحا؛ إلى أي مدى يمكن للمعارضة أن تنجح من خلال مهرجاناتها في تحقيق اهدافها وملامسة مقاصدها؟
الجمعة، 26 يونيو 2026
نظام الباكلوريا في موريتانيا وضرورة المراجعة/ عثمان جدو
تداولت المنصات الألكترونية تصريحا لمعالي وزير الداخلية خلال الاجتماع التحضيري لامتحان البكالوريا، والذي شدد فيه على حماية الامتحان ومكافحة الغش وضمان النزاهة،
واعتبر البعض هذا التصريح؛ تأكيداً قويا على أن البكالوريا ليست مجرد امتحان تربوي، بل هي رهان وطني يتعلق بالعدالة وتكافؤ الفرص والثقة في المدرسة الجمهورية.
ولإن كان نظام البكالوريا في بلادنا يُعتبر أداة مهمة لضمان المساواة بين المترشحين وانتقاء الطلاب الجيدين للتعليم العالي، فإن تطويره يقتضي التخفيف من رهبة الامتحان الواحد، وتعزيز التقييم المستمر، ومواصلة الجهود الأمنية والتنظيمية التي أكد عليها معالي وزير الداخلية لضمان النزاهة والشفافية، ولذلك فإن نجاح نظام الباكلوريا المنشود يتطلب أمرين متكاملين:
أولهما: تشديد الرقابة لمحاربة الغش وحماية مصداقية الشهادة؛ فكثيرا ما أضر الغش بالامتحانات وأثار اللغط في ماضي السنوات، حاله حال التسريب والتهاون والاضطراب في التصحيح وهي أمور أصبحت شيئا ما من الماضي؛ خاصة في طرقها التقليدية.
ثانيهما: مواصلة إصلاح المنظومة التعليمية لتقليل الاعتماد على الامتحان النهائي وحده، وإعطاء وزن أكبر للتقويم المستمر والكفاءات العملية التي قد لا تنكشف حقيقتها الكامنة في أيام قليلة وساعات معدودة؛ قد تؤثر فيها عوامل نفسية أو اجتماعية أو أي إكراهات لحظية طارئة.
ولهذه الاعتبارات مجتمعة يمكن أن يُفتح الباب واسعا لتقييم نظام البكالوريا في بلادنا من حيث نقاط القوة ومكامن الضعف.
ومن إيجابيات نظام البكالوريا في بلادنا:
تكافؤ الفرص بين التلاميذ فالامتحان امتحان وطني موحد يخضع له جميع المترشحين وفق نفس المعايير.
يحد من تأثير الفوارق بين المؤسسات التعليمية.
ضمان مستوى أكاديمي موحد إذ تمثل البكالوريا معياراً وطنياً لقياس مخرجات التعليم الثانوي فتساعد بذلك الجامعات على انتقاء الطلاب بناءً على نتائج موحدة.
تعزيز الجدية والاجتهاد فالباكلوريا تشكل محطة حاسمة تدفع التلاميذ إلى بذل جهد أكبر خلال المرحلة الثانوية.
-المصداقية الوطنية للشهادة ذلك بأن شهادة البكالوريا مازالت تحظى بمكانة معتبرة باعتبارها بوابة التعليم العالي، وتؤكد السلطات التربوية والأمنية سنوياً على حماية مصداقيتها بترسيخ النزاهة ومحاربة الغش.
أما سلبيات نظام البكالوريا القائم فمنها:
-الاعتماد المفرط على امتحان واحد بموجبه قد يتوقف مستقبل التلميذ على بضعة أيام من الامتحان مهما كان مستواه طوال السنة.
-الضغط النفسي الكبير إذ تعيش الأسر والتلاميذ حالة من القلق والتوتر بسبب أهمية النتيجة.
-انتشار محاولات الغش فالتطور التكنولوجي يجعل الامتحان عرضة لمحاولات الغش والتسريب، التي كادت تعصف بمصداقية الامتحان الهام في بعض السنوات القليلة الماضية مما يستدعي إجراءات أمنية وتنظيمية متواصلة ومشددة ومضاعفة.
- ضعف مراعاة الفروق الفردية فضيق وقت الامتحان يجعله لا يقيس دائماً وبالمستوى الكافي المهارات العملية والإبداعية والقدرات الشخصية للتلميذ.
-هيمنة الحفظ والاستظهار؛ فما زالت بعض المواد تعتمد بدرجة كبيرة على استرجاع المعلومات أكثر من تنمية التفكير النقدي والتحليل.
وعندما نحاول الاستئناس بمقارنة نظام الباكلوريا في بلادنا ببعض الدول المحيطة ونأخذ مثلا دول المغرب العربي نجد أنه يختلف، لكنه يشترك في كونه شهادة ختم التعليم الثانوي والمؤهل الرئيسي للالتحاق بالتعليم العالي.
في بلادنا تجرى البكالوريا في نهاية المرحلة الثانوية.
تعتمد أساسًا على امتحان وطني موحد يحدد النجاح والمعدل النهائي.
في المغرب يمتد سلك البكالوريا على سنتين بعد الجذع المشترك.
يعتمد التقييم على ثلاثة عناصر:
المراقبة المستمرة- الامتحان الجهوي الموحد في السنة الأولى بكالوريا- الامتحان الوطني الموحد في السنة الثانية بكالوريا.
في الجزائرالبكالوريا امتحان وطني موحد يجتازه التلميذ في نهاية التعليم الثانوي، ويعتمد النجاح أساسًا على نتائج الامتحان النهائي الوطني.
تونس تعد من أقدم أنظمة البكالوريا في المنطقة، ويوجد بها نظام دورة رئيسية ودورة مراقبة (استدراكية) لبعض المترشحين وهي تختلف عن الدورة التكميلية عندنا في سياقها ومضمونها.
-أما طريقة التقييم فهي في بلادنا عبارة عن امتحان وطني نهائي أساسًا
وفي المغرب مراقبة مستمرة + امتحان جهوي + امتحان وطني
وفي الجزائر عبارة عن امتحان وطني موحد
وفي تونس عبارة عن امتحان وطني مع دورة مراقبة
ويُعتبر النظام المغربي الأكثر اعتمادًا على التقييم المستمر خلال سنوات الدراسة، بينما تميل بلادنا والجزائر أكثر إلى حسم النتيجة عبر الامتحان الوطني النهائي، في حين تجمع تونس بين الامتحان الوطني وإمكانية الاستدراك عبر دورة المراقبة.
بعد هذه المقارنة السريعة وعرض التفاصيل الوجيز يتبادر للهن السؤال التالي: ما الداعي للاستمرار على نفس النظام رغم مرور عقود من الزمن شهدت تطورا كبيرا في منظومات التربية على مستوى دول كثيرة في العالم، وما الفوائد المنتظرة في حال تغيير نظام الامتحان والتقويم أو تحيينه أو تعديله؟
وللجواب على هذا السؤال فإن بلادنا إذا اعتمدت نظام الباكلوريا القائم على التقويم المستمر بدل الاعتماد شبه الكامل على الامتحان النهائي، فإن هناك عدة فوائد متوقعة على المستوى التربوي والتعليمي ومنها:
1. تقليل رهبة الامتحان النهائي: في النظام الحالي قد يتحدد مستقبل الطالب في بضعة أيام من الامتحانات، وقد تؤثر ظروف صحية أو نفسية عابرة على نتيجته.
أما التقويم المستمر فيوزع التقييم على مدار السنة الدراسية، مما يجعل النتيجة أكثر ارتباطًا بالمستوى الحقيقي للطالب.
2. تشجيع العمل المنتظم: فبدلاً من الاعتماد على المراجعة المكثفة قبيل الباكلوريا، يصبح الطالب مطالبًا بالاجتهاد طوال العام من خلال الفروض والاختبارات والأنشطة المختلفة، وهو ما يعزز الانضباط الدراسي.
3. تحسين جودة التعلم: فالتقويم المستمر يساعد المدرسين على اكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل تراكمها، بدلاً من انتظار الامتحان النهائي لمعرفة مستوى التلاميذ.
4. قياس مهارات أوسع: لأن الامتحان النهائي يقيس غالبًا القدرة على استرجاع المعلومات في وقت محدد، بينما يسمح التقويم المستمر بتقييم مهارات البحث والتحليل والعروض والمشاريع والعمل الجماعي.
5. الحد من ظاهرة الحفظ الآلي: فعندما تكون العلامة موزعة على أعمال متعددة يصبح التركيز أكبر على الفهم والاستيعاب بدل الحفظ المؤقت الذي ينتهي بانتهاء الامتحان.
ولكون أي إجراء توجد معه أو تصاحبه تحديات يجب الانتباه لها؛
فمثلا قد يفتح الباب للمحاباة أو تفاوت المعايير بين المؤسسات إذا لم تكن هناك رقابة صارمة.
ويحتاج الأمر إلى تكوين جيد للمدرسين وآليات دقيقة للتقييم.
وقد تزداد صعوبة تطبيقه في الأقسام المكتظة أو في المؤسسات التي تعاني نقصًا في الموارد.
كذلك التجارب التربوية المختلفة أظهرت أن سوء تطبيق التقويم المستمر قد يؤدي إلى تضخم النتائج وضعف المخرجات التعليمية إذا غابت المتابعة والاختبارات المعيارية.
وللاعتبارت المذكورة آنفا يتولد سؤال جديد هو: ما النظام الأنسب لبلادنا؟
فغالبًا لا يكون الحل في إلغاء الباكلوريا التقليدية بالكامل، بل يمكن أن يكون في نظام هجين يجمع بين:
40% إلى 50% من المعدل عبر التقويم المستمر خلال السنة.
50% إلى 60% عبر امتحان وطني موحد يضمن تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
وبهذه الصيغة نستفيد من مزايا التقويم المستمر مع الحفاظ على مصداقية الشهادة الوطنية وعدالة المنافسة بين المترشحين.
وفي الأخير فإن كل ما ذكر من إمكانية تحسين نظام الباكلوريا يمكن تطبيق جزئيات منه على نظام *كونكور* الذي لم يعد مقبولا أيضا أن يظل على نفس النمط خلال هذه العقود المتعاقبة، رغم ما حصل من تطور في البنية العمرانية والكفاءة والكثافة التأطيرية، وهي أمور تنفي أو تلغي الأسباب القديمة التي جعلت اعتماد هذه المرحلة على نمط مسابقة محدودة هي الأخرى في أيام، مع الإشارة إلى التحسينات التي طرأت عليها، والتي منها لا مركزية الطرح والتقويم، وإن كانت آلية ذلك تطرح أسئلة جوهرية منها: هل أصبحت المصادر البشرية وألية الرقابة في الداخل على مستوى الكفاءة والنضج؛ الذي ينفي حصول الظلم المتولد عن المجاملة والمحاباة أو حب التفوق في الذكر أو الرضوخ لبعض الإكراهات المحلية؟ أم أننا بحاجة إلى فرض الرقابة على آلية التقويم والرقابة نفسها برقابة أخرى أشمل وأعم مركزيا وجهويا؟.
الاثنين، 22 يونيو 2026
حول السجال الذي دار تحت قبة البرلمان بين وزير الداخلية ومُسائِليه من النواب/ عثمان جدو
تميزت جلسة مساءلة وزير الداخلية بحضور برلماني كبير، يعكس أهمية اللحظة ومحورية الحديث، وهو مشهد عَكْسَ حالِ كثير من الجلسات التي تفتقد إلى النصاب المعطل او المسهل للتمرير أو التشريع، ولقد تميزت هذه الجلسة بقوة السجال بين النواب ووزير الداخلية حول آلية تقييد المواطنين عموما وفي منطقة الضفة خصوصا باعتبار التقييد نموذجًا للتحديات التي تواجهها الدولة عند التوفيق بين متطلبات تأمين السجل المدني وضرورة تسهيل حصول المواطنين على الوثائق الأساسية.
إن من الملاحظ تركيز عدد من النواب على شكاوى بعض السكان من صعوبة استكمال إجراءات التقييد، وإظهار معاناتهم في القرى والمناطق النائية مع الوثائق الثبوتية المطلوبة.
ولقد أبدى هؤلاء النواب تخوفهم من حرمان بعض المواطنين من حقوقهم المدنية بسبب التعقيدات الإدارية أو نقص بعض الوثائق، وطالبوا بمزيد من المرونة في التعامل مع الحالات الخاصة والقديمة التي يفرضها الأمر الواقع.
ومن جهته، أكد معالي وزير الداخلية أن التقييد المدني يجب أن يستند إلى معايير قانونية واضحة تحفظ مصداقية السجل الوطني، وبين أن التساهل غير المنضبط مع عملية تقيد المواطنين قد يفتح الباب واسعا أمام التزوير أو الازدواجية في الهويات بعيدا عن الأطر القانونية المشروعة.
ولقد أكد معاليه على أن الدولة تعمل على تقريب خدمات الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة من المواطنين، وأن اللجان الفنية والإدارية تدرس الملفات وفق القوانين المعمول بها مع مراعاة الحالات الإنسانية والاجتماعية.
بعد هذا النقاش المستفيض تحت قبة البرلمان اتضحت جملة من الدلالات السياسية والإدارية
حيث كشف هذا النقاش الهام جدا عن ثلاثة أبعاد مهمة تجلت في:
البعد الحقوقي: ويتجلى في ضمان حق كل مواطن في الحصول على أوراقه الثبوتية شريطة الاستظهار بكل ما يلزم من الناحية القانونية والإجرائية والتنظيمية.
البعد الأمني: ويظهر من خلال حماية السجل السكاني من الأخطاء والتلاعب، فلقد كان في سالف الزمن بعض الأجانب يسخرون من الوثائق الوطنية؛ ويرددون بأن الحصول عليها أسهل بكثير من الحصول على الغذاء والماء والدواء، أما اليوم فالحقيقة التي لا مراء فيها هي أن مستوى الأمان الذي وصلت إليه الوثائق الوطنية من أهم المكاسب السيادية منذ نشأة الدولة المدنية بصبغتها الوطنية، ومعروف أن كل البرامج الحكومية التنموية أصبحت تعتمد في تنفيذها على برنامج السجل الاجتماعي الذي يعد ركيزة أساسية لدى مندوبية تآزر في تطبيق برامجها الاجتماعية، ولولا ضبط الوثائق وتأمينها أصلا من خلال الجاهزية العالية التي أصبحت تتمتع بها الوكالة الوطنية لسجل السكان لما كان لهذه البرامج التي أصبحت محل إشادة يتفق عليها الجميع ذكر ولا حس ولا خبر.
البعد التنموي: لا خلاف في أهمية التقييد المحكم والمنظم والمحمي من التلاعب والفوضى في التنمية المستدامة؛ فالتقييد المدني السليم شرط أساسي للاستفادة من التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وبرامج الدعم الحكومية.
إن المقاربة الأمنية التي انتهجها الدولة وباشر تنفيذها بكل اقتدار معالي وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين خلال السنوات الأخيرة، قامت على عدة محاور رئيسية:
حيث اعتمدت بكل وضوح على تعزيز الأمن الوقائي والاستباقي من خلال رفع جاهزية الأجهزة الأمنية لمواجهة التهديدات قبل وقوعها، خاصة في ظل محيط إقليمي مضطرب وتحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة، وعُمل على عصرنة المنظومة الأمنية عبر تحديث التجهيزات والوسائل الفنية واللوجستية، وتوسيع التغطية الأمنية وإنشاء مراكز جديدة، وتأهيل الموارد البشرية باكتتاب دفعات جديدة من الشرطة والأجهزة التابعة للقطاع، وتحسين التكوين والقدرات المهنية والعملياتية للعناصر الأمنية، وكذا تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية وتبادل المعلومات والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحوادث الأمنية المختلفة لسد الثغرات المحتملة، وضبط الحدود ومواجهة الهجرة غير النظامية باعتبارها من أبرز التحديات الأمنية المطروحة على البلاد، ومكافحة المخدرات والجريمة العابرة للحدود وتعزيز حضور الدولة في مختلف المناطق لحماية المواطنين وممتلكاتهم.
أشفع ذلك كله بتقريب الإدارة من المواطن، وترسيخ دولة القانون باعتبار الأمن مرتبطًا بفعالية الإدارة المحلية وحضور الدولة في جميع أنحاء البلاد، وربط الأمن بالتنمية والاستقرار الاجتماعي، حيث يتأكد باستمرار أن الأمن شرط أساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وجذب الاستثمار.
لا يمكن أن نقلب صفحة الحديث عما دار تحت قبة البرلمان بين معالي وزير الداخلية الذي يُعد العمود الفقري للنظام القائم وبعض النواب المشاكسين حول الهوية الوطنية دون ذكر القيمة السيادية، المضافة، العالية جدا للوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة؛ والتي أزيل عنها كل ستار خدَّاع أو لبس متعمد، ففي عهد وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين انكشفت كل مفاتيح الأهمية في جوانبها الاستراتيجية والإدارية والأمنية ويمكن تلخيص ذلك من خلال النقاط التالية:
1. تعزيز أمن الهوية الوطنية: حيث أتاحت الوكالة بناء سجل بيومتري متكامل يعتمد على البيانات الشخصية والبصمات والخصائص البيومترية، مما يحد من التزوير وانتحال الهوية ويعزز موثوقية الوثائق الرسمية.
2. تطوير الخدمات الرقمية: إذ شهدت الوكالة توسعًا في استخدام الأنظمة الرقمية وتطبيق *هويتي* المميز جدا، مما سهل على المواطنين تقديم الطلبات ومتابعتها وتقليل الوقت والجهد وتكاليف التنقل.
3. تقريب الإدارة من المواطنين: فقد تم توسيع شبكة مراكز الاستقبال وإصدار الوثائق في مختلف الولايات والمقاطعات، بما يساهم في تحسين الولوج إلى الخدمات العمومية وتقليص المركزية.
4. دعم المقاربة الأمنية للدولة: حيث أصبحت قاعدة البيانات الوطنية أداة أساسية لضبط الحدود، ومراقبة تدفقات الهجرة، والتعرف على الهويات، ومكافحة الجريمة المنظمة والتزوير. وقد اعتبرت السلطات أن السجل الوطني للوثائق المؤمنة يمثل ركيزة محورية في المنظومة الأمنية الحديثة.
5. تنظيم وضعية الأجانب والمقيمين: من المعروف والمؤكد أن هذه الوكالة ساهمت بفعالية في إنشاء آليات لتسجيل الأجانب وإصدار وثائق الإقامة والتأشيرات البيومترية، بما يعزز ضبط حركة الأشخاص واحترام الأطر القانونية للإقامة.
6. تحسين جودة الوثائق الرسمية: إذ أتاح النظام المندمج الجديد إنتاج وثائق مؤمنة عالية الجودة تشمل بطاقات التعريف وجوازات السفر ووثائق الحالة المدنية ورخص السياقة وغيرها، وفق معايير تقنية أكثر تطورًا.
7. تعزيز صورة موريتانيا إقليميًا: ذلك أن تجربة موريتانيا في مجال السجل السكاني والوثائق المؤمنة أصبحت محل اهتمام دول مجاورة، وهو ما تجسد في زيارات رسمية للاطلاع على التجربة الموريتانية والاستفادة منها.
وخلاصة القول أن الخلاف الذي دار بين النواب والوزير في هذه الجلسة البرلمانية الاستثنائية لا يتمحورفي جوهره على أهمية التقييد المدني، فالجميع يتفق على ضرورته، وإنما يدور حول كيفية تحقيق التوازن بين الصرامة القانونية المطلوبة لحماية الهوية الوطنية وبين المرونة الإدارية اللازمة لضمان عدم إقصاء المواطنين، خصوصًا في مناطق الضفة التي تمتلك خصوصيات تاريخية واجتماعية تتطلب معالجة دقيقة ومتوازنة.
وتبقى هناك ملاحظة واردة مفادها أن الانتماء للدولة محدد باشتراطات قانونية ولا يعني ابدا ان الانتماء الأسري كفيل بالتطابق الهوياتي؛ فمثلا يمكن لأبناء العمومة الذين يوحدهم الاسم العائلي أن تفرقهم الحدود، وهذا حاصل في البلاد جنوبا سواء على مستوى الضفة أو باقي الحدود مع مجمل دول الجوار بما في ذلك محور الشمال.
الأحد، 14 يونيو 2026
ما الفائدة المنتظرة من برنامج عون وأمثاله؟ / عثمان جدو
منذ توليه السلطة سنة 2019، جعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني البعد الاجتماعي محورًا أساسيًا في برنامجه، وأطلق أو وسّع عدة برامج استهدفت الفئات الهشة ومحدودة الدخل.
ومن أهمها: مندوبية *تآزر*
تُعد المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء (تآزر) أبرز أداة اجتماعية في عهد فخامة الرئيس غزواني، وقد وصفها هو نفسه بأنها "العنوان الاجتماعي الأبرز في برنامج -تعهداتي- فمن خلال تآزر نُفذت برامج للتحويلات النقدية على كثير من المواطنين الذين كانوا يعانون الهشاشة والتهميش، ومن خلالها تنوع دعم الأسر الفقيرة، وتوسعت دائرة التأمين الصحي، وزاد عدد المستفيدين من السكن الاجتماعي، وتمت رعاية وتمكين بعض الشباب من الأنشطة المدرة للدخل، ولبسط الحديث قليلا عن هذه البرامج يمكن القول إن من أهمها وأكثرها ملامسة لاحتياجات المواطن:
برنامج التكافل للتحويلات النقدية
وتكمن أهمية هذا البرنامج في كونه يوفر مساعدات مالية دورية لعشرات الآلاف من الأسر الفقيرة بهدف دعم قدرتها الشرائية، ومساعدتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، وبالرغم من كثرة اللقط المثار حول قيمة ومقدار المبالغ الموزعة فإنها تبقى متنفسا يحتل قيمة مادية ومعنوية كبيرة في نفوس المستفيدين منه والذين لا يملكون دخلا أصلا، وفي الغالب يعجزون عن مزاولة الأعمال التي تتطلب جهدا أو تركيزا ما؛ لم تعد أبدانهم ولا أذهانهم تعينهم على مزاولته.
التأمين الصحي للفئات الهشة
عندما أطلق فخامة الرئيس برنامجًا للتأمين الصحي المجاني أو المدعوم لصالح الأسر الفقيرة، واستفادت منه أكثر من 100 ألف أسرة، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ موريتانيا الاجتماعي والصحي؛ كثر القائلين من المعارضين أن النظام الصحي هش وأن هذا التأمين المذكور لا يعدو كونه ظاهرة صوتية سرعان ما يتلاشى صداها!!، ومع مرور الوقت ظهرت الحكمة الكبيرة في هذه الخطوة والفائدة العجيبة التي جعلت اليوم أكبر مستفيد من الرعاية الصحية هم هؤلاء المشمولين في هذا التأمين الصحي المجاني؛ حتى أن حالهم الآن وانسيابية رعايتهم عند *اكنام* أفضل بكثير من الموظفين الذين يعانون ذهابا وجيئة من أجل استيفاء الإجراءات اللازمة للاستفادة من خدمات الرعاية الصحية، وبالتالي فإن هذا التأمين المجاني أصبح فتحا صحيا ظاهرا يتمتع بنداه العجزة وأصحاب الأمراض المزمنة؛ وهنا تكمن فائدته وقيمته الحقيقية.
برنامج "داري" للسكن الاجتماعي
كان الهدف الأساسي لبرنامج داري للسكن الاجتماعي هو توفير قطع أرضية وخدمات سكنية للأسر الأكثر هشاشة، خصوصًا في الأحياء العشوائية ومناطق الهشاشة؛ لكن مزية كبيرة حصلت منه أيضا عندما وهب فخامة الرئيس المنازل المجمعة فيه لدعم صندوق سكن المدرسين، وهي الخطوة التي يمكن أن يُقال أن نداها وفائدتها لابد وصلت جميع افراد المجتمع بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وذلك لأن أي أسرة ليس من أفرادها المباشرين مدرس فإنه حتما سيكون من أفرادها المحيطين أو على الأقل من الذين يتولون رعاية أبنائهم وتدريسهم وتهذيبهم، وبالتالي يسرهم ما يسرهم، ويفرحون لما ينفس عنهم كربة ما؛ وما موضوع السكن إلا كربة لمن عجز عنه، وراحة ومأوى وطمأنية لمن قدر عليه.
برنامج التموين
وهذا البرنامج يستهدف دعم الأمن الغذائي وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين عبر توفير المواد الأساسية للفئات المحتاجة وهنا تظهر القيمة الكبيرة لإسهامات مفوضية الأمن الغذائي كركيزة أساسية في البرنامج الاجتماعي لصاحب الفخامة، ويظهر ذلك أكثر من خلال برنامج *عون* الذي أطلقه فخامة الرئيس وسنصل إلى الحديث عنه في الجزء الموالي من هذا المقال.
برامج دعم الأنشطة المدرة للدخل
تشترك قطاعات عدة في إنجاز وتوفير تمويلات وقروضً صغيرة ومساعدات للمشاريع الأسرية والشبابية بهدف الانتقال من الدعم المباشر إلى التمكين الاقتصادي؛ وكل ذلك من أجل أن تلامس الجهود المبذولة يد المستحق الذي ينفعه ويسعفه القليل، ويرضى باليسير الذي قد يُصيره ترشيد ما آل إليه من دعم ومساندة إلى حال الأمير بالقناعة والاكتفاء عن الآخرين.
برنامج *تعمير – مدن التآزر*
وهذا البرنامج هو الآخر أُطلق لتطوير المناطق الهشة من خلال تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، ودعم الأنشطة الاقتصادية المحلية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وبالتالي يلاحظ المتتبع بعد بسط اليسير من الكلام عن هذه البرامج أنها تُكمل بعضها البعض وصولا إلى دعم قدرات المواطنين الأكثر حاجة والمناطق الأحوج إلى التدخل، وبالتالي الانتقال من التدخلات المحدودة إلى بناء شبكة أوسع للحماية الاجتماعية.
بالإضافة إلى ما حققته البرامج المذكورة آنفا سواء عن طريق تآزر أو عن طريق مفوضية الأمن الغذائي أو غيرها من القطاعات فإن برنامج *عون* بمكوناته التي تباشر تنفيذها تآزر ومفوضية الأمن الغذائي كل في دائرة اختصاصه، والذي أطلقه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مباشرة يُعد من أكبر برامج الدعم الاجتماعي في موريتانيا على الإطلاق، إذ يستهدف أكثر من 352 ألف أسرة تضم ما يزيد على مليوني مواطن من المسجلين في السجل الاجتماعي، من خلال تحويلات نقدية مباشرة وسلات غذائية مضاعفة الكمية في بعض محتوياتها وهي موجهة بالأساس للأسر الأكثر هشاشة.
وهذا لا شك حدث مهم يُنتظر من ورائه حصول قيمة كبيرة وكبيرة جدا، وذلك لكونه برنامجًا واسع النطاق للحماية الاجتماعية يستهدف بالأخص الأسر الأقل دخلًا والفئات الهشة في مختلف ولايات البلاد، مما يجعله أكبر برامج الدعم الاجتماعي من حيث عدد المستفيدين والانتشار الجغرافي.
ومن أبرز الآثار والفوائد المنتظرة منه:
1- التخفيف من أعباء المعيشة عبر التحويلات النقدية المباشرة للأسر المحتاجة، مما يساعدها على مواجهة ارتفاع تكاليف الحياة.
2- تعزيز الأمن الغذائي من خلال توزيع السلات الغذائية على الأسر المستفيدة، بما يضمن توفير الاحتياجات الأساسية للفئات الأكثر هشاشة؛ خاصة في ظل هذه الأزمة العالمية الحالية التي تزيد من حدتها تداعيات الحرب حول مضيق هرمز وغيرها من الحروب التي تؤثر على مسار الغذاء ووسائل نقله عبر العالم.
3- رفع القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في المناطق الفقيرة والريفية التي تتأثر أكثر بالتقلبات الاقتصادية في ظل ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية العالمية والمحلية.
4- الحد من الفقر والإقصاء الاجتماعي عبر توجيه الدعم مباشرة إلى المستحقين وتحسين ظروفهم المعيشية، وتعزيز الثقة في السياسات الاجتماعية للدولة إذا تم تنفيذ البرنامج بشفافية وعدالة ووصل الدعم إلى مستحقيه في الوقت المناسب.
5- تعزيز الشفافية والفعالية عبر الاعتماد على الوسائل الرقمية والرسائل النصية في توجيه المستفيدين وتسهيل حصولهم على الدعم، ولقد تابعنا ضغطة زر واحدة قام بها فخامة رئيس الجمهورية من خلالها تصل الرسائل مباشرة إلى المستفيدين ثم تتدفق إليهم تحويلاتهم المالية المقررة لهم.
لكل هذه الاعتبارات والنتائج فإن القيمة الحقيقية المنتظرة من *عون* لا تكمن فقط في المساعدات الآنية، بل في ترسيخ شبكة حماية اجتماعية تخفف الفقر وتعزز الاستقرار الاجتماعي وتدعم كرامة المواطنين الأكثر احتياجًا.
وبالتالي فإن برنامج *عون* من الناحية السياسية والاجتماعية يعكس توجه الدولة نحو جعل العدالة الاجتماعية ومحاربة الفقر في صدارة السياسات العمومية، ويُجسد حرص السلطات على التخفيف من الأعباء المعيشية عن المواطنين الأكثر هشاشة.
لذلك فهو ليس مجرد مساعدة ظرفية، بل خطوة مهمة نحو توسيع شبكة الأمان الاجتماعي وتحسين الظروف المعيشية للفئات الضعيفة في المجتمع الموريتاني.
الأربعاء، 10 يونيو 2026
لقاء فخامة الرئيس بأطياف المعارضة: الفرصة الثمينة/ عثمان جدو
يكتسي لقاء فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بقادة أطياف المعارضة أهمية سياسية كبيرة، سواء من زاوية إدارة الشأن الداخلي أو من زاوية تعزيز الاستقرار الوطني.
وقد جاءت هذه اللقاءات في سياق التشاور حول القضايا الوطنية؛ الاقتصادية والاجتماعية والحوار السياسي المرتقب خصوصا، ويُعد هذا اللقاء في حد ذاته خطوة إيجابية تعزز ثقافة الحوار وتؤكد أن الاختلاف السياسي لا يمنع التشاور حول مصالح الوطن، وبما أنه يتنزل في سياق نقاش قضايا حساسة مثل غلاء المعيشة وأزمة الطاقة والحوار الوطني، فقد أخذ بعدا هاما وأهمية خاصة.
ومن المهم جدا ألا يظل هذا اللقاء مجرد مناسبة بروتوكولية لتبادل الآراء، بل من الضروري جدا أن يُتبع بمسار عملي لكي يشكل بداية مرحلة جديدة من التهدئة والتوافق الوطني، ومن المهم جدا أن يتحول إلى آلية دائمة بين السلطة والمعارضة وسيحسب لا محالة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني فضل سنها كسنة حسنة وبادرة طيبة، فهي الممهد الأساسي لإطلاق حوار وطني شامل يناقش القضايا الكبرى مثل الحكامة، والاقتصاد، والوحدة الوطنية، والإصلاحات السياسية؛ فذلك هو السبيل السالك للتوافق على أولويات اجتماعية واقتصادية تخفف من أعباء المعيشة وتُحسن الخدمات الأساسية، وتُقوي بناء الثقة بين الفرقاء السياسيين من خلال تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه واحترام التعددية السياسية، شريطة إشراك مختلف القوى الوطنية من أحزاب ونقابات ومنظمات مجتمع مدني حتى لا يظل الحوار محصورًا في دائرة النخب السياسية وحدها.
ولقد بعث هذا الحدث بمضامين ودلالات لعل من أهمها:
تكريس نهج الحوار والتشاور: إذ يعكس اللقاء حرص فخامة الرئيس على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف القوى السياسية، بما فيها المعارضة، وهو ما يساهم في تخفيف الاحتقان السياسي وبناء الثقة بين الفرقاء الوطنيين.
تهيئة المناخ للحوار الوطني: فاللقاء يأتي ضمن مسار التحضير لحوار وطني شامل حول القضايا الكبرى للبلاد، مثل الإصلاحات السياسية والانتخابية والتنموية، وهو ما يمنح المعارضة فرصة للمشاركة في رسم التوجهات الوطنية.
تعزيز الوحدة الوطنية: ففي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية، يبعث اجتماع السلطة والمعارضة برسالة مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى تتطلب التوافق والتعاون بدل الصراع والاستقطاب.
الاستماع إلى مطالب المواطنين: إذ أن المعارضة تمثل جزءًا معتبرا من الرأي العام، ولذلك فإن اللقاء يتيح لها نقل انشغالات المواطنين المتعلقة بغلاء المعيشة والخدمات العامة والعدالة الاجتماعية إلى أعلى مستوى في الدولة وهو فخامة رئيس الجمهورية.
تعزيز صورة موريتانيا الديمقراطية: فهذه اللقاءات المنتظمة بين الرئيس والمعارضة تعطي انطباعًا إيجابيًا عن تطور الممارسة الديمقراطية في البلاد، وتُرسخ مبدأ أن الاختلاف السياسي لا يمنع الحوار والتعاون من أجل المصلحة العامة.
إن المواطن الموريتاني البسيط يُعلق آمالا كبيرة على مثل هذه اللقاءات مع أعلى هرم السلطة ويتشوف من خلالها إلى خفض أعباء المعيشة والحد من ارتفاع الأسعار، خاصة أسعار المواد الغذائية والمحروقات، وخلق فرص عمل للشباب والحد من البطالة التي تشكل هاجساً كبيراً للأسر، وتحسين الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والمياه والكهرباء، وتعزيز التهدئة السياسية وتجنب التوترات والصراعات التي قد تؤثر على الاستقرار والتنمية.
بالإضافة إلى إطلاق حوار وطني جاد يفضي إلى توافقات حول القضايا الكبرى ويعزز الوحدة الوطنية، ويُرسي دعائم مكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام حتى تصل ثمار التنمية إلى المواطنين بصورة أفضل، وتتعزز معه العدالة الاجتماعية وتُدعم الفئات الأكثر هشاشة وتُرسخ برامج الحماية الاجتماعية.
إن هذا اللقاء الذي سنه فخامة الرئيس؛ وحسنًا فعل، يُعد خطوة مهمة نحو ترسيخ التهدئة السياسية وبناء التوافقات الوطنية، خاصة إذا تُرجمت مخرجاته إلى إجراءات عملية تُؤدي إلى حوار جاد تنتج عنه الحلول المناسبة لكل القضايا الوطنية، وتتحقق معه تطلعات المواطنين بترجمة كل القرارات ترجمة عملية تُصاحبها إجراءات ملموسة يجد المواطن البسيط أثرها في حياته اليومية.
الأحد، 7 يونيو 2026
من أجل أن نحمي فلذات أكبادنا من الفساد الأخلاقي الذي بات يتهددهم/ عثمان جدو
الحفاظ على الأبناء من الانحرافات الأخلاقية يُعتبر أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر في عصر الانفتاح الإعلامي والتقني.
فمع انتشار المحتويات غير المناسبة وسهولة الوصول إليها، أصبحت مسؤولية التربية أكثر تعقيدًا، لكنها ليست مستحيلة إذا توفرت الحكمة والمتابعة والتوجيه السليم، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية فالتربية على مراقبة الله تعالى، وتعويد الأبناء على الصدق والأمانة والعفة واحترام الآخرين، كل ذلك يشكل حصنًا داخليًا يحميهم من الوقوع في السلوكيات المنحرفة، مع تعزيز الحوار داخل الأسرة حتى يشعر الأبناء بأن آباءهم وأمهاتهم مصدر ثقة وأمان، فيتحدثون معهم عن مشكلاتهم وتساؤلاتهم بدل البحث عن الإجابات في مصادر قد تكون مضللة.
ولا شك أن الرقابة الحكيمة على استخدام التكنولوجيا كالهاتف والإنترنت التي تعتبر من أهم منافذ التأثير على الشباب اليوم، حيث أصبح الهاتف الذكي جزءًا أساسيًا من حياة الشباب، فهو وسيلة للتواصل والتعلم والترفيه.
غير أن سوء استخدامه، خاصة في ظل الانتشار الواسع للمحتويات الخليعة وغير اللائقة، جعله من أبرز التحديات التي تواجه الأسر والمجتمعات في تربية الفتيات والمراهقين.
ولذلك يجب توجيه الأبناء إلى الاستخدام النافع، مع متابعة ما يشاهدونه دون تجسس أو قسوة. فمن خلال الهاتف يمكن للمراهق أن يصل بسهولة إلى مواد تخالف القيم الدينية والأخلاقية، مما يؤثر سلبًا على سلوكه وتفكيره ونظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.
كما أن الإدمان على هذه المحتويات قد يؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الاهتمام بالواجبات الأسرية والتربوية.
وتزداد خطورة هذا الأمر بالنسبة للفتيات بسبب ما قد يترتب على الاستخدام غير الآمن للهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي من ابتزاز إلكتروني أو استغلال عاطفي أو تشويه للسمعة، ومع الأسف أصبحنا نشاهد ونسمع من حين لآخر عن قضايا مثل التفسخ وعرض كثير من الخصوصيات المحرجة، بل والمتاجرة بها على مجموعات الواتس آب وغيرها وهي مخاطر قد تترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.
وبالتالي لا بد من تعزيز الرقابة الأسرية الواعية، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وتوجيه الأبناء إلى الاستخدام الإيجابي للتكنولوجيا، مع فتح قنوات الحوار بين الآباء والأبناء، وتفعيل دور المدرسة ووسائل الإعلام في التوعية بمخاطر المحتويات الهدامة.
ثم إن اختيار الصحبة الصالحة له تأثير كبير في تشكيل شخصية المراهق، لذا ينبغي تشجيع الأبناء على مصاحبة أصحاب الأخلاق الحسنة والابتعاد عن رفقاء السوء فهم من أخطر العوامل التي تؤثر سلبًا في تربية الأبناء وتنشئتهم، لأن الصديق كثيرًا ما يكون قدوة لصديقه في السلوك والتصرفات.
فإذا رافق الشاب أو المراهق أصدقاء سيئي الأخلاق، فقد يكتسب منهم عادات وسلوكيات منحرفة كالكذب، والإهمال، والعقوق، والتدخين، وتعاطي المخدرات، وغير ذلك من الممارسات الضارة.
وتكمن خطورة قرناء السوء في أنهم قد يبعدون الفرد عن القيم الدينية والأخلاقية التي غرستها الأسرة والمدرسة فيه، مما يؤدي إلى تراجع مستواه الدراسي وضعف شخصيته وانحراف سلوكه. وقد حذر الإسلام من رفقة السوء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل).
لذلك ينبغي للآباء والمربين متابعة الأبناء وتوجيههم إلى اختيار الصحبة الصالحة التي تعينهم على الخير والاجتهاد وحسن الخلق.
مما يجب ويضمن الأمان تعزيز الثقة والحوار داخل الأسرة حتى يلجأ الأبناء إلى والديهم عند مواجهة أي تأثير سلبي من أصدقائهم، وهنا تتعزز الرقابة الأسرية التي يعتبر غيابها خطرا كبيرا، فالأسرة هي المؤسسة الأولى في تربية الأبناء وتوجيههم، وهي الحصن الذي يحميهم من الانحراف ويغرس فيهم القيم والأخلاق الحميدة.
وفي مرحلة المراهقة على وجه الخصوص، يحتاج الأبناء إلى عناية ومتابعة مستمرة بسبب ما يمرون به من تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية.
لذلك فإن غياب الرقابة الأسرية يمثل خطرًا حقيقيًا يهدد المراهقين ويجعلهم أكثر عرضة للمشكلات والانحرافات، وقد يقع المراهق فريسة لرفقاء السوء أو للأفكار الهدامة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما قد ينجرف نحو بعض السلوكيات السلبية مثل الإدمان، أو العنف، أو الإهمال الدراسي، وفقدان الشعور بالمسؤولية، وتراجع الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية، كما يؤدي هذا الغياب إلى اتساع الفجوة بين الآباء والأبناء.
ومن المفيد جدا ملء أوقات الفراغ بما ينفع من خلال تشجيع الأبناء على القراءة، والرياضة، والأنشطة الثقافية والتطوعية، لأن الفراغ من أبرز أسباب الانحراف.
ولا تخفى على ذي بال أهمية القدوة الحسنة فالأبناء يتأثرون بالأفعال أكثر من الأقوال، لذلك فإن التزام الوالدين بالقيم والأخلاق الحميدة ينعكس إيجابًا على سلوك أبنائهم، فحماية الأبناء من الفساد الأخلاقي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام والمجتمع كله.
وكلما اجتمعت التربية الصالحة، والرقابة الواعية، والقدوة الحسنة، ازدادت قدرة أبنائنا على مواجهة التحديات والتمسك بقيمهم وأخلاقهم.
ولا يمكن أن نغفل عن دور الحكومة في حماية المراهقين من السلوك المنحرف؛ فالحكومة تسهم في حماية المراهقين من السلوك المنحرف من خلال سنّ القوانين والتشريعات التي تجرّم مختلف أشكال الانحراف والجريمة، وتحمي القُصّر من الاستغلال والعنف والمخدرات.
كما تعمل على تطوير المنظومة التعليمية وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية داخل المدارس، بما يعزز وعي الشباب ويحصنهم من الأفكار والسلوكيات الضارة.
وتؤدي المؤسسات الحكومية دورًا مهمًا في توفير الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية التي تستثمر أوقات فراغ المراهقين فيما ينفعهم، وتُنمّي مواهبهم وقدراتهم.
كما تدعم برامج التوعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، وتطلق حملات إعلامية للتوعية بمخاطر المخدرات والعنف والانحراف الأخلاقي.
ومن جهة أخرى، تعمل الأجهزة الأمنية على مكافحة شبكات الجريمة والمخدرات وحماية الأحياء والمؤسسات التعليمية من كل ما يهدد أمن الشباب واستقرارهم، مع تعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المدني لتحقيق حماية شاملة للمراهقين، وتباشر إنفاذ القوانين ومن ذلك إتلاف المواد الممنوعة حال ضبطها وهي إجراء بات يشاهد مرار وتكرارا في الأيام والأسابيع الماضية.
وفي الختام فإن الخطر ألأكبر الذي يتهدد فلذات أكبادنا هو خطر المخدرات وحبوب الهلوسة فهي تؤثرتأثيرًا مباشرًا على صحة الشباب والمراهقين، إذ تضعف الجهاز العصبي وتؤدي إلى اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة، مثل القلق والاكتئاب وفقدان التركيز والهلوسة.
كما أنها تسبب الإدمان الذي يجعل المتعاطي أسيرًا لها، غير قادر على الاستغناء عنها مهما كانت العواقب.
ولا تقتصر أضرارها على الجانب الصحي فحسب، بل تمتد إلى الجانب التعليمي والاجتماعي، حيث تؤدي إلى تراجع المستوى الدراسي، والانقطاع عن التعليم، وضعف الإنتاجية، والانجراف نحو رفاق السوء والسلوكيات المنحرفة.
كما ترتبط في كثير من الأحيان بارتفاع معدلات الجريمة والعنف والتفكك الأسري.
وتزداد خطورة هذه الآفة عندما تستهدف فئة المراهقين الذين يمرون بمرحلة عمرية حساسة، فيكونون أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الاجتماعية والدعاية المضللة.
ولذلك تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والجهات الأمنية في التوعية بخطورة المخدرات، وتعزيز القيم الدينية والأخلاقية، ومراقبة الأبناء وتوفير بيئة سليمة تساعدهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم.
أخيرا بات من الضروري فتح مراكز تأهيل بالمفهوم العلمي الحديث قادرة على مواجهة مخلفات هذه الظاهرة وتنقية المراهقين والضحايا عموما حتى تتجلى إمكانية رجوعهم في كنف المجتمع كأشخاص منتجين لا ضحايا منبوذين.
توشيح الرئيس: الدلالة والمعنى/ عثمان جدو
يعتبر وسام الثريا أحد أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في خدمة اللغة الفرنسية وتعزيز التعاون الثقافي والسياسي داخل الفضاء الفرنكوفوني. وقد أُنشئ هذا الوسام سنة 1976.
ويُمنح لرؤساء دول وبرلمانيين ودبلوماسيين ومثقفين تركوا بصمة في دعم الفرنكوفونية وقيم الحوار والتعاون بين الشعوب الناطقة بالفرنسية. ومن بين الشخصيات التي حصلت عليه سابقًا الحبيب بورقيبة، وليوبولد سيدار سنغور، وجاك شيراك، فهذه إذن شخصيات قليلة ومميزة في عالم السياسية الأفريقي والدولي.
وفي بلادنا تداولت عدة مصادر مؤخرًا أن فخام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سيُمنح هذا الوسام خلال حفل رسمي في نواكشوط تقديرًا لدوره في تعزيز حضور موريتانيا داخل الفضاء الفرنكوفوني وهو ما حصل بالفعل مساء اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026.
ومعلوم أن وسام الثريا ليس جائزة مالية أو أدبية، بل هو وسام شرفي فرنكوفوني رفيع المستوى يرمز إلى التقدير والاعتراف بالإسهام في خدمة الفرنكوفونية والتعاون الدولي.
وما حصول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على الوسام المذكور إلا تألق دبلوماسي جديد ينضاف إلى سلسلة النجاحات الدبلوماسية التي كان آخرها زيارة الدولة المثمرة التي كانت فرنسا مسرحا لها.
ولا شك أن هذا التوشيح يحمل عدة دلالات سياسية ودبلوماسية وثقافية، لأن هذا الوسام يُعد من أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمعية البرلمانية للفرنكوفونية للشخصيات التي أسهمت في تعزيز التعاون والحوار داخل الفضاء الفرنكوفوني.
ومن دلالاته الجلية:
أولًا: يشكل اعتراف دولي بمكانة موريتانيا؛ حيث يُنظر إلى منح الوسام للرئيس الغزواني باعتباره اعترافًا بالدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه موريتانيا على الساحة الإقليمية والدولية، خاصة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت حضورًا دبلوماسيًا أكثر فاعلية للبلاد.
ثانيًا: تقدير لنهج التهدئة والاستقرار؛ فيربط كثير من المراقبين هذا التكريم بالصورة التي نجح الغزواني في ترسيخها عن موريتانيا باعتبارها دولة مستقرة في منطقة الساحل المضطربة، إضافة إلى تبنيه خطاب الحوار والانفتاح السياسي مقارنة بمراحل سابقة اتسمت بالعكس تماما.
ثالثًا: تعزيز الحضور الموريتاني داخل الفضاء الفرنكوفوني، فالوسام صادر عن مؤسسة فرنكوفونية برلمانية، وهو ما يعكس تقديرًا للدور الذي تؤديه موريتانيا داخل المؤسسات الفرنكوفونية، ولعلاقاتها المتنامية مع الدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا وأوروبا.
رابعًا: نجاح للدبلوماسية الموريتانية؛ إذ أن منح هذا الوسام لا يُقرأ فقط كتقدير لشخص الرئيس، بل أيضًا كإشارة إلى نجاح الدبلوماسية الموريتانية الرسمية والبرلمانية في تحسين صورة البلاد وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية.
خامسًا: رمزية الانضمام إلى قائمة شخصيات دولية بارزة فوسام الثريا سبق أن مُنح لقادة وشخصيات عالمية بارزة كما تقدم مثل الحبيب بورقيبة وليوبولد سيدار سنغور وجاك شيراك، ما يمنح التكريم بعدًا رمزيًا يتجاوز الإطار البروتوكولي العادي.
وفي المجمل، يمكن القول إن دلالة هذا الوسام تتمثل في كونه رسالة تقدير دولية لموريتانيا ولرئيسها، وإشارة إلى المكانة التي باتت البلاد تحظى بها داخل الفضاء الفرنكوفوني والإفريقي، وإشادة بالدور الدبلوماسي والسياسي الذي تؤديه خلال المرحلة الحالية، ومن شأن هذا التميز الدبلوماسي أن ينعكس بالإيجاب المؤثر على ترشيحات موريتانيا للمناصب الدولية مما يعين مرشحينا على الظفر بالمناصب التي تقدموا لها كالمرشحة كم ببا مثلا المرشحة لقيادة منظمة لفرنكوفونية؛ وغيرها من المرشحين سيكون لا محالة هذا الحدث بالنسبة لهم يشكل دفعا حقيقيا نحو الظفر والنجاح.
الجمعة، 22 مايو 2026
العشر الأُول من ذي الحجة أيام الدنيا البهية/ عثمان جدو
العشر الأُوَل من ذي الحجة هي بحقٍّ أيّامُ الدنيا البهيّة، ومواسمُ النفحات الربانية، اختصّها الله تعالى بالفضل العظيم، وجعل العمل الصالح فيها أحبَّ إليه من سائر الأيام، ففيها تتنزّل الرحمات، وتتضاعف الحسنات، وتصفو القلوب بالطاعة والذكر والإنابة، وهي من أعظم أيام السنة، وقد أقسم الله تعالى بها في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وبين رسوله صلى الله عليه وسلم فضلها على سائر الأيام فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني عشر ذي الحجة الأولى من الشهر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: صلى الله عليه وسلم ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء؛ فأكثروا فيهن من التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
إن أفضل ما يتقرب به الإنسان فيها هو الإكثار من الطاعات والقربات، ومن أهم ذلك:
المحافظة على الصلوات المكتوبات، فأداء الصلوات في وقتها لا يسبقه عمل في الأهمية، وكذا الإكثار من النوافل وقيام الليل، فكل ذلك من أعظم وأجل القربات إلى الله.
ثم إن الصيام في هذه الأيام من الأهمية بمكان خاصة صيام يوم عرفة لغير الحاج، فقد قال النبي إنه يكفّر ذنوب سنتين: الماضية والباقية، وتواترت على ذلك الأحاديث الصحيحة وبالتالي يعد فرصة عظيمة تتجلى في صوم يوم واحد يكفر الله به ذنوب سنتين، مع أنه يجب أن ننتبه إلى أن الكبائر لا بد لها من توبة خاصة؛ تكون بالإقلاع عنها، والندم عليها، والنية وهي العزم على ألا يعود إليها، وإن كانت ترتبط بحق لآدمي رده إليه.
فكثير من الناس يجترحون المعاصي ويأكلون المال العام ويتعدون على حقوق العباد ثم يترصدون صيام عرفة؛ دون توبة أو إقلاع عن كبريات المعاصي وفي استمرار على ظلم الناس واحتقارهم، وهذا لعمري رقة في الدين وفقد للبوصلة الإيمانية، فالصلاة المكتوبة أعظم من الصيام، وصيام رمضان أفضل من صيام عرفة، ومع ذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) فدل ذلك على أن المقصود بالتكفير هم الذنوب الصغائر وأما الكبائر فلا بد لها من برنامج خاص.
ثم إن قراءة القرآن والصدقة والإحسان كلها مطلوبة ومرغب فيها في هذه الأيام؛ فهي موسم عظيم لمضاعفة الأجر، والقرآن من أفضل الأعمال ومساعدة الفقراء، وإطعام المحتاجين، وصلة الأرحام، وإدخال السرور على الناس كل ذلك يجب الإكثار منه واغتنام فرصة هذه الأيام بتعهده والمداومة عليه.
ولئن كانت كل هذه القربات من صلاة وصيام وصدقة وإحسان وقراءة للقرآن هي معترك التنافس لكسب الحسنات ورفعة الدرجات فإن النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى الإكثار من الذكر في هذه الأيام ودوام التكبير؛ فالإكثار من قول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، وكذلك التهليل والتسبيح والاستغفار، كلها أمور رغَّب فيها صلى الله عليه وسلم وحث على الإكثار منها، وبين في مواقف أخرى أن الذكر خير الأعمال عند الله وأزكاها وأنه خير من إنفاق الذهب والفضة وخير من لقاء العدو وضرب اعناقهم وبذل النفوس في سبيل الله بملاقاتهم، ولذلك اعتبر بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذكر هو أكثر وسائل النجاة من عذاب الله، ومن الملاحظ أن الذكر كله لا يتطلب جهدا عضليا كبيرا، ولا يمكن أن يصعب على الإنسان بفعل التقدم في السن أو المرض ونحوه، كما لا تشغل عنه الشواغل؛ ولذلك أمكن الإكثار منه كل وقت وحين.
وجدير بالتذكير أن هذه الأيام من مواسم إجابة الدعاء، خاصة يوم عرفة، ومن أجمل ما يفعله المسلم فيها أن يجمع بين العبادة وحسن الخلق، لأن الدين ليس طقوسًا فقط، بل معاملة ورحمة وإصلاح للنفس والمجتمع، وفي هذه الأيام كما تقدم تجتمع أعظم العبادات: الصلاة، والصيام، والصدقة، والذكر، والحج، وقراءة القرآن، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الناس، لذلك كانت موسماً فريداً لا يشبهه موسم.
ومن أجمل ما يميزها: يوم عرفة، خير يوم طلعت عليه الشمس، تُغفر فيه الذنوب وتُعتق الرقاب من النار، ويوم النحر، أعظم أيام السنة عند الله، وخير ما يفعل فيه إهراق الدم تقربا إلى الله.
فشعيرة الأضحية تُحيي معاني الطاعة والتضحية والتكافل، ويجب أن تسلم من العيوب التي تمنع الإجزاء وحتى العيوب التي تنقص قيمتها.
إن هذه الأيام بحقٍ أيامٌ تُذكّر المسلم بأن العمر فرص، وأن أبواب الخير تُفتح لعباده ليتزودوا بالتقوى والإيمان، فالسعيد من اغتنمها بالطاعة، وعمّر ساعاته فيها بالذكر والاستغفار والدعاء.
فهي ليست مجرد أيامٍ تمرّ، بل هي مواسمُ نورٍ ورحمة، وأيّامُ الدنيا البهيّة التي تتجدّد فيها الأرواح، وتقترب فيها القلوب من الله تعالى.
الخميس، 14 مايو 2026
ما دلالة تسمية السيدة الأولى سفيرة للنيات الحسنة؟/ عثمان جدو
تتميّز السيدة الأولى مريم بنت الداه عن كثير من سابقاتها بعدّة جوانب جعلت حضورها مختلفًا في المشهد العام، سواء من حيث الأسلوب أو طبيعة الأدوار التي تضطلع بها، فحضورها الهادئ بعيدًا عن الاستعراض؛ حيث تتجنب الظهور الإعلامي المفرط أو الدخول في السجالات السياسيةمنح صورتها طابعًا من الوقار والتحفظ، مقارنة ببعض التجارب السابقة التي كان حضورها أكثر صخبًا أو ارتباطًا بالتجاذبات السياسية.
ثم إن تركيزها على العمل الإنساني والاجتماعي خاصة ما يتعلق بدعم الفئات الهشة، والعمل الخيري، وقضايا المرأة والطفولة والصحة، ساهم في إعطاء صورة اجتماعية لدور السيدة الأولى بدل الصورة البروتوكولية التقليدية التي كانت عالقة في أذهاننا.
ولقد انسجم حضور السيدة الأولى مريم منت الداه مع النهج السياسي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائم على التهدئة والانفتاح، فبدت بعيدة عن الاستقطاب السياسي، ولم تُعرف بدعم تيار سياسي أو قبلي بشكل علني، وهو ما عزز صورتها كشخصية جامعة.
ويرى كثيرون أن اهتمامها بالقيم التربوية والاجتماعية، ودعم المبادرات ذات الطابع الثقافي والتعليمي، منح دورها بعدًا أكثر ارتباطًا ببناء المجتمع، وليس فقط بالمناسبات الرسمية.
ولقد شكَّل ابتعاد السيدة الأولى عن النفوذ السياسي المباشر نقطة بارزة ميزت تجربتها لحد الآن فلم تُتهم بمحاولة التأثير المباشر في التعيينات أو القرار السياسي، وهو أمر كان يُثار أحيانًا حول أدوار بعض السيدات الأول سابقًا في دول المنطقة، بل وحتى في النقاشات المحلية.
ثم إن حضورها الدولي المتزايد جعلها تحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو، وهو ما يعكس سعي موريتانيا إلى تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الاجتماعية والثقافية عبر السيدة الأولى، فتسمية مريم منت الداه سفيرةً للنوايا الحسنة لدى هذه المنظمة يحمل دلالة سياسية وثقافية وإنسانية مهمة، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل أعمق تتعلق بصورة موريتانيا ومكانتها داخل العالم الإسلامي والإفريقي.
أولًا: دلالة الثقة الدولية في موريتانيا: فاختيار شخصية موريتانية لهذا المنصب يعكس مستوى الثقة التي أصبحت بلادنا تحظى بها في المؤسسات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الحضور الدبلوماسي المتزايد للبلاد خلال السنوات الأخيرة، كما يُفهم منه أن موريتانيا باتت تُقدَّم كنموذج للاستقرار والانفتاح والاعتدال في منطقة الساحل.
ثانيًا: الاعتراف بالدور الاجتماعي والإنساني للسيدة الأولى
هذا التعيين أو هذه التسمية تمثل اعترافًا بالأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت باسم السيدة الأولى، خصوصًا في مجالات دعم الفئات الهشة، وتمكين المرأة، والعناية بالأطفال، والعمل الخيري، فمناصب -سفراء النياتالحسنة- تُمنح غالبًا لشخصيات يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التأثير الإيجابي ونشر قيم التضامن والتنمية.
ثالثًا: تعزيز القوة الناعمة لموريتانيا: فمن الناحية السياسية، يساهم هذا التعيين في تقوية *القوة الناعمة* لموريتانيا، أي حضورها عبر الثقافة والتعليم والعمل الإنساني بدل الاقتصار على الأدوات السياسية التقليدية، فالإيسيسكومنظمة ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي، والارتباط بها يمنح موريتانيا واجهة ثقافية وحضارية مهمة.
رابعًا: إبراز مكانة المرأة الموريتانية: يحمل هذا القرار كذلك بعدًا رمزيًا يتعلق بتعزيز صورة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل البلد في المحافل الدولية، وهو ما يُقرأ باعتباره تشجيعًا لحضور النساء في مجالات العمل الدبلوماسي والإنساني والثقافي.
خامسًا: خدمة قضايا التعليم والثقافة والتنمية: وبما أن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة تُعنى بالتربية والثقافة والعلوم، فإن هذا الدور قد يفتح المجال أمام مبادرات وشراكات جديدة تخدم التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، خاصة في القضايا المرتبطة بالطفولة وتمكين الشباب والنساء.
وفي الأخير فإن تقييم أي سيدة أولى مرتبطً تماما بطبيعة المرحلة السياسية، وحجم الصلاحيات غير المعلنة، ومدى تأثيرها الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذلك فإن صورة مريم بنت الداه لدى الرأي العام تشكلت أساسًا من رمزيتها الاجتماعية المتمثلة في محيط أسري عُرفِ بالفضل ومكارم الأخلاق والعز والشرف، وما هدوء حضورها الطاغي إلا ثمرة تليدة لذلك تميزها أكثر من ارتباطها بالفعل السياسي المباشر.
ختاما إن تعيين مريم منت الداه سفيرةً للنيات الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ليس مجرد تكريم شخصي، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية وثقافية متعددة، تعكس تحسن صورة موريتانيا خارجيًا، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الناعمة والعمل الاجتماعي في تعزيز مكانة الدول والشعوب.
PartagerFacebookTwitterWhatsAppEmail
إلى متى التدثر بالشرائحية وما مُبرر تدويلها؟
تابعت كغيري من المهتمين بالشأن الوطني ما تناقلته المواقع الوطنية من مضامين لكلمة مصورة صادرة عن المناضل العمالي الساموري ولد بي، والتي قال فيها ما يمكن تفهمه نسبيا وأكثر ما صدر منه لا يمكن أبدا تبريره ولا استساغته تحت أي ظرف أو في أي سياق.
لقد ذهب هذا الرجل المسن الذي خبر التمثيليات العمالية، والتشابكات الاجتماعية، والتداخلات العائلية وروابطها؛ التي تُولد وُدًا دائما تذوب أمامه جميع الدعوات اللونية التحريضية إلى قول يُنكر عليه، ورضي بأن يصدر عنه أن مجتمعا بعينه كمكون لحراطين يمكن تهميشه بالطريقة الذي ذكر أو استهدافه بما يستميح من فرضيات مخيال تولدت منه فكرة أقرب إلى ما كان يقع في العصور الوسطى، فهذا المكون الذي ذكرت أيها الوالد لا يمكن سحقه ولا التصدق عليه بحقوقة، فله من الوجود والقوة والتأثير ما لا يمكن أبدا أن تنسفه الأنظمة المتعاقبة إن سعت وعملت على ذلك، ولو افترضنا جدلا أن ذلك ممكن الوقوع فلمصلحة من؟ ومعروف أن الأنظمة التي تعاقبت على هذه البلاد لم تكن لها أية مصلحة في استمرار الظلم والتهميش والاحتقار لهذه المكونة الاجتماعية الهامة جدا، وهذا ما وعاه النظام القائم وعمل على تقليص الفجوة الناتجة عن أخطاء الماضي وتراكمات العقود الماضية.
لم تكن كلمة ولد بي هي الوحيدة في هذا الاتجاه، بل لها رديفات حيث ذهب في ذات المنوال ولد بربص شأنهما في ذلك شأن بيرام الذي كان يُغذي هذه النزعة الشرائحية دومًا، ومُخطئ من ظن يوم أن هؤلاء يتحركون فقط لإنصاف المظلومين من أبناء هذا المكون المجيد المسالم النزيه؛ الذي يستحق على هذا النظام وعلى كل من سبقه من الأنظمة وعلى المجتمع بأكمله كل ما يليق بأبناء الشعب البررة المسالمين من الإكرام والتبجيل، فسلمية لحراطين ظلت وستظل مضرب المثل الأول ولن تُفسدها أو تغير من مسارها الراسخ دعوات هؤلاء لأنها ببساطة دعوات إن لم تحمل الفتنة في طياتها فهي تذكي شرارة الانقسام والتنافر ولا تأتي أبدا بإصلاح ولا إنصاف.
يمكن أن نتفق أن الدعوات الشرائحية قد يكون لها ما يبررها، إذا كان هناك إقصاء شامل ظاهر ومتعمد، فذلك من شأنه إشعار فئة ما بالإقصاء والتهميش، لكن ذلك مرآته الأساسية انعدام أو ضآلة الوجود في مجالات التعليم والإدارة والاقتصاد، وليس معنى ذلك ضرورة أن يكون فلان أو علان رئيس حكومة أو رئيس دولة، أو هو خازن المال أو المتحكم في اتجاه الأعمال!!، ومن نافلة القول تمثيل كل الشرائح في بلادنا في كل المناصب القيادية وإن تفاوت ذلك تبعا لإكراهات السياسة وتوازن تبعات النفوذ.
صحيح أن بعض المكونات في بلادنا عانت من الإقصاء والتهميش المطلق في الماضي ولذلك أسباب منها النظرة التمييزية والهاجس العفن المعشعش في مخيال بعض من تولوا تسيير البلاد في فترات محدودة أو من كانوا ظلا لهم، لكن اليوم هناك رواسب وتبعات تزاوجت في كثير من الحالات مع ضعف مستويات التعليم لتفرز أسباب جديدة لإقصاء غير ممنهج ولا هو بالمؤدلج سياسيا وإنما نتاج حتمي لظاهرة لما يقضى على كامل أسبابها، وهذا ما سعى ويسعى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى معالجة آثاره ومنح المواطنين ما أمكن من حقوقهم بصورة تشعرهم بأن حقهم كمواطنين هو ما يخولهم ذلك وليس ألوانهم ولا اعراقهم، وبذلك استفاد خلق كبير من تعميم الضمان الصحي عن طريق السجل الاجتماعي لما يزيد على مئة ألف أسرة؛ سوادها الأعظم كان من هذه المهمشة في الماضي والتي تعيش فترة محاولة العناية والإنصاف وتغيير العقلية تُجاهها وتجاه غيرها من الشرائح التي ينظر إليها مرضى العقول ومشوهي العقائد بما لا يليق شرعا ولا يستمر قانونا ولا يسلم إنسانية.
ثم إن المعالجات التي يضيق حصرها والتي تذيب الفوارق بين المواطنين من شأنها أن تقضي على رواسب التفاوت والظلم والغبن الضارب في القدم؛ لكن ذلك لا يتحقق في ظرف ومني وجير وإنما ببطء تسير البيضة.
وكلنا يدرك أن كل البرامج الاجتماعية التي وجه إليها فخامة الرئيس أو رعاها بنفسه تحمل في طياتها معالجة لهذه الرواسب؛ فحتى توزيع المبالغ المالية مؤخرا على المدرسين بخصوص السكن وإن كانت تلبية لرغبة موظفين فإنها تنصف خلقا كثيرا من هؤلاء المتاجر بهم من أبناء هذا المكون المجيد، وما اعتماد برنامج جسور وكذا التمييز الإيجابي لولوج أبناء المهمشين المسجلين في السجل الاجتماعي إلى مدارس الامتياز برعاية فخامة الرئيس وتوجيهه إلا معالجة راسخة مستديمة لأسباب التأخر في بعض أبناء لحراطين الذي زاد من حدته ضعف التحصيل العلمي لمناطق انتشار الفقر والحاجة.
إن ما نشاهده اليوم من تحويلٍ للانتماء الشرائحي إلى أداة للصراع السياسي أو للتعبئة الاجتماعية يحمل مخاطر كبيرة على تماسك المجتمع الموريتاني فالمبالغة في الخطاب الشرائحي قد تؤدي إلى نشر الكراهية وتعميق الانقسامات وإضعاف روح المواطنة الجامعة.
كما أن تأسيس المطالب على أساس الشرائح بدل الكفاءة والمواطنة قد يُهدد مشروع الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز وهذا ما ننشده وندعو فخامة الرئيس إلى زيادة وتيرته، ولقد قطعت بلادنا أشواطا معتبرة في ذلك، تُعد مكسبا ينبغي أن يصان لا أن يُبدد أو يعود القهقرى.
وقد أثبتت التجارب أن المجتمعات التي تُغذَّى فيها النزعات الفئوية والطائفية تصبح أكثر عرضة للتوترات والصراعات، بينما تنجح الدول التي تجعل المواطنة والعدالة الاجتماعية أساسًا للعلاقة بين أفرادها، لذلك فإن معالجة المظالم الحقيقية لا ينبغي أن تتم عبر تأجيج الانقسامات، بل من خلال إصلاحات وطنية شاملة تحقق العدالة وتكافؤ الفرص للجميع، فموريتانيا اليوم بحاجة إلى خطاب وطني جامع يعترف بالتنوع الاجتماعي والثقافي، لكنه يرفض تحويل هذا التنوع إلى سبب للتفرقة والصراع، فالمطلوب ليس إنكار وجود مشاكل اجتماعية، بل معالجتها ضمن إطار الوحدة الوطنية وسيادة القانون والمساواة بين المواطنين.
ومما لا شك فيه أيضا أن دعوة الساموري ولد بي إلى الحماية الدولية قد تمثل خطرا على البلاد من عدة زوايا:
أولًا: المساس بالسيادة الوطنية من خلال تقديم البلاد للآخرين على أساس أنها غير قادرة على معالجة مشكلاتها الداخلية بنفسها.
ثانيًا: فتح الباب للتدويل الذي يؤدي إلى تدويل الأزمات الوطنية، وهو أمر قد تستغله بعض القوى الأجنبية للضغط السياسي أو الاقتصادي، أو للتأثير في القرار الوطني.
ثالثًا: تهديد السلم الأهلي فالخطابات التي تقوم على الشعور بالمظلومية الجماعية أو التمييز قد تؤدي - إذا لم تُعالج بالحوار - إلى زيادة الاحتقان بين مكونات المجتمع، وفي مجتمع متنوع مثل موريتانيا، فإن أي خطاب تصعيدي قد يُفسَّر على أنه دعوة للاستقطاب العرقي أو الاجتماعي، وهو ما يهدد التماسك الوطني.
رابعًا: إضعاف الثقة في المؤسسات فالدعوة إلى الحماية الدولية تحمل ضمنيًا رسالة مفادها أن القضاء الوطني أو النظام السياسي عاجز عن تحقيق العدالة أو حماية الحقوق، وهذا قد يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، بدل الدفع نحو إصلاحها من الداخل.
ومع أن المدافعين عن مثل هذه الدعوات أو الرافعين لها يُبررون ذلك بأنها تأتي نتيجة الشعور بالتهميش وغياب الإنصاف، وأن اللجوء إلى المجتمع الدولي يَستخدمونه كوسيلة ضغط من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان وتحقيق المساواة.
وبين هذا وذاك يبقى الحفاظ على وحدة موريتانيا واستقرارها مسؤولية جماعية، تقتضي معالجة الأزمات بالحوار الوطني والإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، بعيدًا عن خطابات التصعيد أو الاستقواء بالخارج، فالدول القوية تُبنى بالتوافق الداخلي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، لا بتدويل الخلافات الداخلية، التي أثبتت الوقائع في كثير من الدول الإفريقية أنها أتت بنتائج عكسية.
الاثنين، 11 مايو 2026
تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو
تمكين المدرسين من السكن وأهميته في تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية/ عثمان جدو
تعتبر المدرسة الجمهورية مشروعًا وطنيًا يهدف إلى بناء مجتمع مُوحّد يقوم على قيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وذلك من خلال توفير تعليم عصري يضمن لجميع أبنائنا الحق في التعلّم دون تمييز.
غير أن نجاح هذا المشروع لا يمكن أن يتحقق إلا بتوفير الظروف المناسبة للمدرس، باعتباره حجر الزاوية في العملية التربوية، فهو الركيزة الأساسية لأي إصلاح تعليمي ناجح، لأنه صانع الأجيال وحامل رسالة التنوير وجسر المعرفة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن المدرسة الجمهورية لا يمكن أن يكتمل دون الاهتمام الحقيقي بأوضاع المدرسين المادية والاجتماعية ومن أهم ذلك توفير سكن لائق للمدرسين، لما له من أثر مباشر على استقرارهم النفسي والمهني، وعلى جودة عطائهم داخل المدرسة.
فالسكن ليس مجرد حاجة معيشية، بل هو عنصر استقرار نفسي واجتماعي ينعكس بصورة مباشرة على أداء المدرس داخل الفصل، وعلى جودة العملية التربوية عمومًا.
ولذلك أصبح توفير السكن للمدرسين أحد أهم العوامل المساعدة على تحقيق أهداف المدرسة الجمهورية القائمة على الإنصاف والجودة وترسيخ قيم المواطنة، ويمكن القول إنه ضرورة تربوية ووطنية تُسهم بقوة في ترسيخ دعائم المدرسة الجمهورية، ويُمثل عامل استقرار أساسي يساعد المدرسين على أداء رسالتهم التربوية في ظروف مريحة، فالمدرس الذي يعيش معاناة البحث عن الإيجار أو التنقل اليومي لمسافات طويلة يفقد جزءًا كبيرًا من طاقته وتركيزه، مما ينعكس سلبًا على مردوديته داخل الفصل، أما عندما يتوفر له سكن مناسب وإن أراد جعله قريبا من مقر عمله، فإنه يصبح أكثر قدرة على الالتزام والانضباط والتحضير الجيد للدروس.
كما أن توفير السكن عموما يُشجع المدرسين على العمل في المناطق الريفية والنائية، التي غالبًا ما تعاني من نقص الطواقم التربوية بسبب صعوبة ظروف العيش، وبذلك يسهم في تحقيق العدالة التعليمية بين مختلف مناطق الوطن، وهو أحد أهم أهداف المدرسة الجمهورية التي تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع التلاميذ.
ومن جهة أخرى، فإن الاهتمام بهذا الموضوع أصلا يعكس تقدير الدولة لمكانة المدرس ودوره في بناء الأجيال، فالمدرس عندما يشعر بالعناية والاحترام يزداد ارتباطه بمهنته، ويرتفع مستوى عطائه وإخلاصه، مما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم والتربية، من خلال خلق بيئة تربوية مستقرة تساعد على الحد من التغيب والتنقل المستمر، وتضمن استمرارية العملية التعليمية طوال السنة الدراسية، فالاستقرار الوظيفي للمدرس يؤدي إلى استقرار التلميذ نفسه، ويعزز الثقة في المدرسة العمومية باعتبارها فضاءً للتكوين والتربية وغرس قيم المواطنة والوحدة الوطنية.
وفي إطار المدرسة الجمهورية، لا يقتصر دور المدرس على التعليم فقط، بل يتعداه إلى التربية على القيم والأخلاق والانتماء الوطني، وبالتالي بناء مواطن متعلم، متشبث بهويته الوطنية، ومنفتح على العصر، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون مدرس مرتاح نفسيًا ومطمئن اجتماعيًا ولذلك فإن توفير ظروف عيش كريمة له، وفي مقدمتها السكن، يُعد استثمارًا حقيقيًا في مستقبل الوطن، لأن بناء الإنسان يبدأ من بناء المدرسة، وبناء المدرسة يبدأ من الاهتمام بالمدرس.
وبناء على ما تقدم تتنزل أهمية توزيع مبالغ مالية على المدرسين كدفعة أولى من صندوق السكن فالحدث يُعد خطوة مهمة في طريق تحسين الظروف الاجتماعية للمدرسين، لما لذلك من أثر مباشر على الاستقرار النفسي والمهني لهذه الفئة التي تُعدّ أساس العملية التعليمية ومحور نجاحها.
فمشكل السكن ظلّ لسنوات من أبرز التحديات التي تواجه المدرسين في موريتانيا، خاصة مع ارتفاع أسعار الإيجار وضعف القدرة الشرائية، الأمر الذي انعكس سلبًا على أداء الكثير منهم. ومن هنا تأتي أهمية صندوق السكن باعتباره آلية اجتماعية تهدف إلى تمكين المدرسين من الحصول على سكن لائق يحفظ كرامتهم ويُوفر لهم الاستقرار.
وفي يوم الأربعاء 6 مايو 2026 أشرف فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بنفسه على توزيع الدفعة الأولى من الدعم المالي المخصص لتوفير سكن لائق للمدرسين وهي خطوة كريمة حملت عدة دلالات إيجابية؛ بكونها تعكس اهتمام الدولة بتحسين أوضاع المدرسين والوفاء بجزء من التعهدات المتعلقة بهم؛ والتي قطعها فخامة الرئيس على نفسه من أجل النهوض بالقطاع التربوي، وبالتالي يجسد هذا التوزيع البداية العملية لتحويل الوعود إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المدرس ويعيشها في حياته اليومية، و سيسهم هذا الدعم لا محالة في تخفيف الأعباء المعيشية عن الأسرة التربوية، ويمنح المدرسين قدرة على امتلاك سكن مستقبلي بدل البقاء تحت ضغط الإيجار والتنقل المستمر.
ومع أهمية هذه الخطوة، فإن نجاح صندوق السكن مع ما يتطلبه من الشفافية والعدالة في اختيار المستفيدين، وتوسيع دائرة الدعم تدريجيًا لتشمل أكبر عدد ممكن من المدرسين في مختلف الولايات، فإنه يتطلب إعادة النظر في بعض جزئياته؛ فمثلا ما المانع مستقبلا من أن يشمل هذا الصندوق كل المدرسين وعدم تقييد الاستفادة ب 15 سنة خدمة في الميدان التي أقصت كثيرين، فيكفي مثلا أن الميداني يُمنح المبلغ كاملا والإداري يحصل على النصف فقط، أو ليس الذي تولى شؤونا إدارية لخدمة العملية التربوية، يخدم بذلك المنظومة التربوية، ويُجسد حقيقة المدرسة الجمهورية ذات الطبيعة العمومية؟.
الأربعاء، 6 مايو 2026
لكي تظل تهدئة غزواني استثناء كما كانت رغم المستجدات/ عثمان جدو
لا جدال في كون الحياة السياسية في الدول النامية، وخاصة الإفريقية منها تعتبر مجالًا خصبًا للتوترات والصراعات الناتجة عن تعقّد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتباين الرؤى بين الفاعلين السياسيين، وفي خضم هذه البيئة المضطربة، يبرز نهج التهدئة السياسية كخيار تسعى الأنظمة السياسية من خلاله إلى ترسيخ نهج الاستقرار وبناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي، وفي هذا الاتجاه شكّل أسلوب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نموذجًا لافتًا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل تمثل تهدئته السياسية استثناءً أم أنها امتداد لمسار قابل للتجذر والاستمرار رغم الاضطرابات المستجدة من حين لآخر؟.
لقد تميزت التجربة السياسية في موريتانيا، خلال فترات متعددة، بحدة التجاذبات بين السلطة والمعارضة، الأمر الذي أفضى في كثير من الأحيان إلى أزمات سياسية عطّلت مسار التنمية. غير أن وصول الرئيس الحالي السيد محمد ول الشيخ الغزواني إلى سدة الحكم حمل معه مقاربة مختلفة، تقوم على التهدئة والحوار بدل التصعيد والمواجهة، حيث عمل على فتح قنوات التواصل مع مختلف القوى السياسية، وتبني خطابا معتدلا، يُجنّب البلاد الانقسامات الحادة، والصراعات الخطيرة، وهو ما انعكس إيجابًا على مناخ الاستقرار العام.
ومما يمكن تأكيده أن هذا النهج الغزواني لم يقتصر على الداخل فحسب، بل تجاوزه إلى السياسة الخارجية، حيث اعتمد الغزواني أسلوب الدبلوماسية الهادئة القائمة على التوازن والانفتاح، في محيط إقليمي يتسم بكثرة الاضطرابات والانقلابات؛ التي أصبحت سمة تتميز بها منطقة الساحل التي نحن جزء منها، ومن هنا تظهر حقيقة هذا التوجه؛ فيبدو متميزًا مقارنة بما تشهده بعض دول الجوار، حيث يغلب عليها الطابع التصادمي في إدارتها لشؤونها السياسية الداخلية؛ وحتى في بعض علاقاتها الخارجية.
ولإن كان التاريخ السياسي الموريتاني عَرف بدوره محطات من التوافق والحوار إلا أن جو التهدئة الذي أرساه فخامة الرئيس الغزواني عند مجيئه للسلطة شكَّل استثناء محمودا ورغم كل ما حمله من مزايا إيجابية فإن اعتباره استثناءً مطلقًا قد لا يكون مستساغا عند البعض؛ خاصة بعد تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية التي دفعت بارتفاع الأسعار وما حصل من إجراءات ضريبية كان لتزامنها وقعه الشديد على المواطن البسيط التي تتأثر مواقفه السياسية باضطراب مصادر قوته اليومي، مما يجعل أزيز المرجل مسموعا، وصرير الأمعاء مؤثرا على الرضا والقبول وهو الوتر الحساس الذي تلعب عليه المعارضة من خلال دعوتها لمهرجان جماهيري توحدت حول الدعوة له؛ رغم عدم اليقين بالسماح له في هذا الظرف الخاص من عدم ذلك.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اعتماد خطاب التهدئة فحسب وإن كان ذلك مهما جدا، بل لابد من التمكن والقدرة على تحويل خطاب وجو التهدئة إلى نتائج ملموسة تعالج القضايا البنيوية، كالفقر والبطالة وتعزيز العدالة الاجتماعية، فإذا لم تُترجم هذه السياسة إلى إصلاحات عميقة، فإنها قد تتحول إلى مجرد نسيم مرحلي لا يلبث أن يفقد تأثيره المنعش.
ثم إن التطورات اللاحقة في الأسبوع الماضي بخصوص قضية النائبتين البرلمانيتين قد تضفي بظلالها على المسار العام لهذه التهدئة التي استمرت خلال السنوات الفائتة من حكم غزواني بهدوء لم تكدره الوقائع والمستجدات الماضية، فهذه القضية المرتبطة بسجن النائبتين المعارضتين التابعتين حتى النخاع لبرام الداه اعبيد تمثل بالفعل اختبارًا حقيقيًا لنهج التهدئة السياسية الذي عُرف به محمد ولد الشيخ الغزواني، واستوجب من برام نفسه التصريح يومها بالرضا والقبول حينما قال وهو بكامل وعيه (أجبرت صاحبي) فهذا الاختبار يمكن اعتباره نقطة تحوّل تستحق التحليل العميق؛ فوقائع هذه القضية التي تمثلت في إصدار حكم قضائي بسجن نائبتين برلمانيتين معارضتين بعد اتهامهما بإهانة فخامة رئيس الجمهورية والمساس بالرموز الوطنية ونشر خطاب تحريضي؛ أثارت ردود فعل متباينة، حيث رأت المعارضة فيها انتهاكًا للحصانة البرلمانية وتصعيدًا سياسيًا يهدد مناخ الانفتاح، بينما اعتبرتها السلطة وأنصارها مسألة قانونية بحتة تندرج ضمن حماية النظام العام وصون الوحدة الوطنية.
ومن هنا تتجلى قراءتان متناقضتان لهذا الحدث البارز:
القراءة الأولى ترى فيه تراجعًا عن نهج التهدئة التي رسمها الرئيس نفسه طيلة السنوات الماضية من حكمه؛ إذ إن سجن شخصيات سياسية منتخبة يبعث برسائل سلبية حول حرية التعبير، ويُقوّض الثقة بين الفاعلين السياسيين، ويعيد أجواء الاحتقان التي سعى النظام إلى تجاوزها.
أما القراءة الثانية فتؤكد أن التهدئة لا تعني مطلقا التساهل مع ما قد يُفسَّر على أنه تجاوز للقانون أو تهديد للاستقرار، وأن الدولة مطالبة بفرض هيبتها عبر مؤسساتها القضائية حتى في مواجهة إي كان من الشخصيات السياسية، ومما تؤكد عليه السلطة في كل تعليقاتها على الأحكام القضائية أن القضاء الموريتاني قضاء مستقل تماما؛ لا وصاية للجهاز الحكومي على توجهه، ولا دخل لها في تحديد متجه مساره.
غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن في هذا الحدث ذاته بقدر ما تكمن في كيفية تحقيق التوازن بين ثلاث ركائز أساسية هي:
أولا: حرية التعبير باعتبارها جوهر العمل الديمقراطي.
ثانيا: هيبة الدولة التي تضمن احترام القانون.
ثالثا: استمرارية التهدئة كخيار استراتيجي لتجنب الانقسامات.
فإذا اختل هذا التوازن، فقد تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب نظري فاقد التأثير، أو يتحول القانون إلى أداة تُفهم على أنها موجهة سياسيًا، وهو ما يضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
وخلاصة القول، إن تهدئة الغزواني السياسية تعتبر خيارا قياديا مميزا في بيئة تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار، وتبقى قيمتها الحقيقية رهينة بمدى قدرتها على إرساء دعائم إصلاح شامل ومستدام، يحول التوافق السياسي إلى إنجازات واقعية تعود بالنفع على المواطن وتدعم مسار الدولة نحو الاستقرار والتنمية، وعدم ترك المجال لقضية سجن البرلمانيتين في رسم حدود مساحة التهدئة، فتأثيرات هذه القضية قد تظهر نهج التهدئة على أنه سقف محدود ومعين تحكمه اعتبارات الأمن والاستقرار مثلا.
ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام السلطة يتمثل في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق، بما يضمن ترسيخ دولة القانون دون التفريط في مناخ الحريات، حتى تظل التهدئة خيارًا فعّالًا لا شعارًا ظرفيًا.
ومما يتبادر للذهن طرحه كسؤال مركب للمرحلة: هل نحن أمام تراجع عن سياسة التهدئة أملته التجاذبات السياسية، أم أننا أمام تطبيق صارم للقانون في إطار الحفاظ على هيبة الدولة؟
*التكافل* إلى أي حد نجح البرنامج/ عثمان جدو
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها الدول النامية، يبرز التضامن الاجتماعي كأداة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الفوارق الطبقية عبر برامج موجهة لدعم الفئات الهشة، ويُعدّ برنامج (تكافل)التابع لتآزر نموذجًا بارزًا في هذا السياق.
غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى نجح هذا البرنامج في تحقيق أهدافه؟
وكيف ينظر إلى تجربة الراحل المرحوم: مولاي الحسن ولد زيدان في تنسيق هذا البرنامج الهام جدا؟ وهل ترك بصمته في سبيل تحقيق مقاصد برنامج فخامة رئيس الجمهورية؟.
يُعتبر برنامج (تكافل) أحد أبرز البرامج الاجتماعية التي تُجسّد تعهدات وطموحات فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في سعيه إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية وتعزيز التضامن بين مختلف فئات المجتمع.
فهذا البرنامج يهدف إلى تقديم تحويلات نقدية مباشرة للأسر الأكثر فقرًا، مما يساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية مثل الغذاء والتعليم والصحة، ويُعدُّ خطوة نوعية في الانتقال من المقاربات التقليدية إلى سياسات اجتماعية أكثر استهدافًا وفعالية، تعتمد على قواعد بيانات دقيقة لتحديد المستفيدين الحقيقيين، كما يعكس التزام الدولة بتكريس مبدأ العدالة الاجتماعية، حيث يسعى إلى تقليص الفوارق بين الطبقات والحد من الهشاشة الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، يُجسّد هذا البرنامج طُموح فخامة رئيس الجمهورية في بناء دولة قريبة من المواطن، تستمع لانشغالاته وتعمل على تحسين حياته اليومية.
فقد جاء (تكافل) ضمن حزمة من الإصلاحات الاجتماعية التي تهدف إلى ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة.
وقد ارتبط نجاح هذا البرنامج بجهود القائمين عليه، وعلى رأسهم منسقه الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي ترك بصمة واضحة في مسار العمل الاجتماعي، فقد حقق نجاحًا معتبرًا على عدة مستويات، حيث أسهم في توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجًا، كالأسر الفقيرة والأرامل، مما عزز مبدأ العدالة الاجتماعية وقلّص من مظاهر التهميش، وساعدت التحويلات النقدية المنتظمة التي يُقدمها في تحسين القدرة الشرائية للمستفيدين، والتخفيف من وطأة الظروف المعيشية الصعبة التي يقبعون فيها، خاصة في فترات الأزمات؛ كالحروب التي يعيشها العالم الآنوالتي أدت إلى ارتفاع ألأسعار، وسببت أزمة عالمية في المحروقات، إضافة إلى ذلك، لم يقتصر هذا البرنامج على الدعم المالي فقط، بل سعى إلي الاستثمار في الإنسان، من خلال ربط المساعدات بمجالات حيوية كالتعليم والصحة، وهو ما يُعزز بناء رأس مال بشري قادر على الإسهام في التنمية مستقبلاً، كما شهد البرنامج تطورًا ملحوظًا في آليات التنفيذ، خاصة عبر إدخال الوسائل الرقمية التي سهلت وصول الدعم ورفعت من مستوى الشفافية.
ويمكن أن يعتبر هذا البرنامج خطوة متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية، باستهدافه آلاف الأسر الفقيرة من خلال هذه التحويلات النقدية المنتظمة، وفي هذا الإطار، برز دور المنسق الراحل مولاي الحسن ولد زيدان، الذي عُرف بكفاءته الإدارية وقدرته على تنظيم العمل وتطوير آليات التنفيذ.
فقد عمل الراحل على تعزيز شفافية البرنامج، وتحسين طرق استهداف المستفيدين، مما مكّن من إيصال الدعم إلى شرائح واسعة كانت في أمسّ الحاجة إليه.
وتُشير العديد من التقييمات إلى أن فترة إشرافه شهدت نقلة نوعية، سواء من حيث توسيع قاعدة المستفيدين أو من حيث تحسين الأداء الميداني، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا حرصه الدائم -رحمه الله تعالى- على المتابعة الدقيقة والتنسيق المحكم بين مختلف الجهات المتدخلة.
وخلاصة القول فإن المرحوم مولاي الحسن ولد زيدان نجح إلى حدّ كبير في تنسيق برنامج (تكافل)، وأسهم في جعله أداة فعالة للتخفيف من وطأة الفقر وتعزيز روح التضامن الاجتماعي. وبالتالي ترك بصمة ناصعة في سبيل إرساء مقاصد طموح فخامة رئيس الجمهورية وكذا تعهداته لمواطنيه، هذا مع أن سقف الطلب كان كبيرا فتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة يظل رهينًا بسياسات متكاملة تتجاوز حدود البرامج الظرفية، لتشمل إصلاحات اقتصادية وتنموية عميقة، وبذلك يبقى نجاحه تجربة رائدة تستحق التقدير، وتشكل أساسًا يمكن البناء عليه مستقبلًا.
وفي الأخير فإن برنامج (تكافل) يمثل خطوة مهمة في مسار محاربة الفقر وتعزيز التضامن الاجتماعي في بلادنا، وقد نجح إلى حد كبير في التخفيف من معاناة الفئات الهشة،ولكيلا يظل هذا النجاح نسبيًا في أعين البعض، فإنه يحتاج إلى تعزيز الانتشار وتوسيع التغطية، وتحسين آليات الاستهداف، وربطه ببرامج تنموية منتجة تخلق فرص العمل أكثر فأكثر وتضمن الاستدامة، فالتنمية الحقيقية لا تقوم فقط على الدعم، بل على تمكين الإنسان ليكون فاعلًا أساسيا في بناء مستقبله بنفسه.
الخميس، 30 أبريل 2026
من ميثاق لحراطين إلى ميثاق المواطنة/ عثمان جدو
لا شك أن مسألة العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين من أهم القضايا التي تشغل المجتمعات الحديثة، وخاصة في الدول التي عانت من تراكمات تاريخية أثّرت على تماسكها الاجتماعي، وفي موريتانيا، برزت عدة مبادرات ووثائق تسعى إلى معالجة هذه الإشكالات، من أبرزها ميثاق لحراطين ثم ميثاق المواطنة المتكافئة، وبين هذين الميثاقين تتضح أوجه اختلاف واتفاق تعكس طبيعة التحديات المطروحة وآفاق الحلول الممكنة.
يُعتبر ميثاق لحراطين وثيقة مطلبية تعبّر عن فئة اجتماعية عانت من التهميش والإقصاء عبر فترات طويلة، حيث يُركّز هذا الميثاق على ضرورة الاعتراف بالمظالم التاريخية التي تعرّض لها لحراطين، والعمل على إنصافهم من خلال تمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وضمان حضورهم العادل في مختلف مؤسسات الدولة، كما يدعو إلى محاربة بقايا العبودية وكل أشكال التمييز المرتبطة بها، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة.
فميثاق لحراطين برز في موريتانيا كصرخة وعيٍ جماعي ومبادرة نضالية تهدف إلى إنصاف فئة عانت طويلًا من آثار العبودية والتهميش، وسعت إلى استعادة حقوقها المشروعة في الكرامة والمواطنة الكاملة، واتسم الواقع الاجتماعي الذي جاء فيه ميلاد الميثاق بعدم تكافؤ الفرص، حيث ظلت فئة لحراطين تواجه تحديات متعددة، من أبرزها ضعف الاندماج في الحياة الاقتصادية والسياسية، واستمرار بعض مظاهر التمييز الذي كانت تعكسه المظاهر الإدارية والتعيينات الأسبوعية، والحظوة في الصفقات العمومية، وبعض الامتيازات الأخرى التي كانت مرآة عاكسة لكل أشكال التمييز المخلة والمعيقة لتقدم ونماء الدولة.
ولقد عبّر هذا الميثاق عن تطلعات هذه الفئة نحو التغيير، من خلال مجموعة من المبادئ والمطالب التي تؤكد على ضرورة القضاء على كل أشكال العبودية ومخلفاتها، وتطبيق القوانين الرادعة بشكل فعلي.
كما دعا الميثاق إلى تحقيق العدالة الاجتماعية عبر توفير التعليم الجيد وفرص العمل اللائقة، بما يضمن تمكين أبناء لحراطين من المساهمة الفاعلة في بناء الوطن.
ولم يغفل كذلك عن أهمية التمثيل السياسي، حيث شدد على ضرورة إشراك هذه الفئة في مراكز صنع القرار، بما يعكس التنوع الحقيقي للمجتمع الموريتاني، الذي ينبغي أن يكون تنوعه مصدر قوة لا معول هدم بفعل سياسات التمييز القبيحة التي انتهجتها الأنظمة السابقة.
ومن جهة أخرى، شكّل هذا الميثاق خطوة مهمة في مسار النضال الحقوقي، إذ أسهم في رفع مستوى الوعي الوطني والدولي بقضية لحراطين، ودفع نحو فتح نقاشات جادة حول سبل تحقيق الإنصاف والمساواة، كما ساعد في تعزيز روح التضامن بين مختلف مكونات المجتمع، على أساس أن العدالة لا تتجزأ، وأن تقدم أي مجتمع رهين بإنصاف جميع أبنائه دون استثناء.
ومما لا شك فيه أن هذه المضامين التي تأسس عليها ميثاق لحراطين من أجل رفع التهميش التاريخي عن أحفاد العبيد السابقين والمطالبة بعدالة اجتماعية حقيقية تنصفهم ضد التمييز والإقصاء والحرمان ومحاربة بقايا العبودية والإشراك في التمثيل داخل مؤسسات الدولة؛ كل هذه المطالب وجدت صدى من الاهتمام ومحاولة المعالجة؛ خاصة في السنوات الأخيرة، حيث حاول فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذهاب أبعد من التقيد بمعالجة قضايا فئة محدودة إلى محاولة إحداث مصالحة وطنية مع جميع فئات المجتمع تجسد ذلك في خطاباته في مدائن التراث وفي لقاءاته مع المواطنين خلال زياراته التي تتواصل فيها القمة مع القاعدة، كزيارة النعمة وزيارة كيهيدي، وبالتالي قُطعت أشواطا كبيرة في معالجة المشكل الذي كان قائما قبل انبثاق هذا الميثاق المنادي بهذه الحقوق التي تحقق كثير منها بهدوء مما يستدعي إعادة النظر في بقائه على نفس الوتيرة، وفي ذات المنوال، وداخل نفس الدائرة.
وفي المقابل، يأتي ميثاق المواطنة المتكافئة برؤية أوسع وأكثر شمولًا، إذ لا يقتصر على فئة بعينها، بل يُخاطب جميع مكونات المجتمع الموريتاني، ويهدف إلى ترسيخ مبدأ المساواة أمام القانون، ونبذ كل أشكال التمييز، وتعزيز الوحدة الوطنية من خلال بناء دولة قائمة على الحقوق والواجبات المتساوية بين المواطنين، فهو يسعى إلى معالجة الاختلالات بشكل عام، دون التركيز على فئة محددة.
والمواطنة المتكافئة يمكن اعتبارها من الركائز الأساسية لبناء دولة عادلة ومستقرة، إذ تقوم على مبدأ المساواة بين جميع أفراد المجتمع دون تمييز، فميثاق المواطنة المتكافئة يقوم على جملة من المبادئ الأساسية، من أبرزها المساواة أمام القانون، ورفض جميع أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون أو اللغة أو الانتماء الاجتماعي، فالمواطن، بموجب هذا الميثاق، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها غيره، مثل الحق في التعليم والعمل والرعاية الصحية والمشاركة السياسية.
ومن خلال مضامينه يدعو ميثاق المواطنة إلى تعزيز الوحدة الوطنية باحترام التنوع الثقافي والاجتماعي، واعتباره مصدر غنى لا سببًا للفرقة، ويؤكد كذلك على أهمية العدالة الاجتماعية، عبر توزيع عادل للثروات والفرص، بما يضمن تقليص الفوارق بين فئات المجتمع.
ومن جهة أخرى، لا يقتصر هذا الميثاق على الحقوق فقط، بل يشدد على الواجبات، مثل احترام القوانين، والمساهمة في تنمية الوطن، والحفاظ على السلم الأهلي، فالمواطنة الحقيقية تقوم على التوازن بين ما يطلبه الفرد من حقوق وما يقدمه لوطنه من واجبات.
وفي السياق العملي، يتطلب تطبيق ميثاق المواطنة إرادة سياسية صادقة؛ وهذه توفرت بوادرها في ظل قيادة الرئيس الحالي السيد محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دعا مرارا وتكرارا إلى تجاوز أخطاء الماضي، واعتبار قيمة المواطن من خلال ما يقدمه لوطنه، ودعم ذلك بإصلاحات قانونية تمثلت في تجريم كل ما يعيد الذاكرة إلى ممارسات التمييز السابقة، وأنشأ محاكم لذات الغرض، ورصدت العقوبات الرادعة لذلك، وسخَّر مؤسسات تضمن المساواة الفعلية، سواء من خلال تمكين المواطن من حقوقه والدفاع عنها، من خلال إصلاح المنظومة القضائية أو من خلال محو الفوارق بالتآزر والرعاية الصحية الشاملة للفئات ذات الأولوية، ومد جسور الامتياز في التعليم إلى أبناء المشمولين في السجل الاجتماعي من ضحايا تاريخ التهميش ليلتحق ابناءهم بأبناء أصحاب الحظوة والتمكين في أرقى تجارب التعليم عندنا، كل ذلك إلى جانب تنشيط دور المجتمع المدني ليكون فعالا في نشر ثقافة المواطنة والتسامح.
ورغم هذا الاختلاف في النطاق، فإن هذين الميثاقين يلتقيان في عدة نقاط جوهرية، أبرزها الدعوة إلى العدالة والإنصاف، ورفض الإقصاء والتهميش، والسعي إلى إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي، مما يُظهر أن العلاقة بينها ليست علاقة تعارض، بل هي علاقة تكامل وتدرّج؛ إذ إن تحقيق العدالة لفئة لحراطين كما هو الحال لبقية الفئات الأخرى يُعدّ خطوة ضرورية في سبيل بناء مجتمع تسوده المواطنة المتكافئة، ومن ثمّ، فإن نجاح أي مشروع وطني في موريتانيا يظل رهينًا بقدرته على الجمع بين معالجة القضايا الخاصة وتحقيق المصلحة العامة، في إطار من الوحدة والعدالة والمساواة، وهذا ما وعاه فخامة رئيس الجمهورية وشدد على إنزاله على أرض الواقع من خلال البرامج التي تباشرها حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي وكل مؤسسات الدولة التي يُناط بها هم الوطن والمواطن من قريب أو من بعيد.
لكي ننهض بقطاعنا الخاص ونُعزز سيادتنا الغذائية/ عثمان جدو
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها موريتانيا، يبرز النهوض بالقطاع الخاص كخيار استراتيجي لا غنى عنه لتحقيق التنمية المستدامة، فالقطاع الخاص ركيزة أساسية في بناء الاقتصادات الحديثة، إذ يساهم في خلق فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتعزيز الابتكار، غير أن النهوض به يتطلب جملة من الإصلاحات والإجراءات التي تهيئ بيئة مناسبة لنموه وازدهاره.
إن أُولى خطوات تطوير القطاع الخاص تتمثل في تحسين بيئة الأعمال، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، والحد من البيروقراطية، وتقليص الوقت والتكاليف لإنشاء الشركات عبر رقمنة الخدمات، وفرض الشفافية في الصفقات العمومية، واستقرار القوانين: فالمستثمر يحتاج وضوحًا وثباتًا في القوانين الضريبية، والاستثمارية بصفة عامة، وكذا تعزيز الشفافية لمحاربة الفساد، وسواء كان المستثمر محليًا أو أجنبيًا، فإنه يحتاج إلى مناخ قانوني مستقر وواضح يضمن حقوقه ويُشجعه على توسيع دائرة نشاطه.
كما يُعدّ التمويل من أبرز التحديات التي تعيق نمو المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، مما يستدعي توفير آليات تمويل مُيسّرة؛ كصناديق التمويل والاقتراض الإنتاجي، وتشجيع البنوك على دعم المشاريع الإنتاجية بدل الاقتصار على الأنشطة التجارية، ويمكن كذلك تطوير صيغ تمويل بديلة تتماشى مع خصوصيات مجتمعنا كالتمويل الإسلامي لملاءمته مع واقعنا المحلي.
ولا يقلّ تطوير البنية التحتية أهمية عن غيره، كتوفر الكهرباء بشكل دائم ومستقر وقليل التكلفة، فالكهرباء بالذات في بلادنا مرتفعة التكلفة، ومن أساسيات تطوير البنية التحتية المعينة على الاستثمار؛ تحسين شبكات النقل من موانئ وطرق، وتوسيع خدمات الانترنت وما يتعلق بها من ضرورات الرقمنة، فهذه الأمور كلها عوامل تسهم في تقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الشركات، وتضمن جودة المخرجات.
ومن جهة أخرى، يظهر الاستثمار في العنصر البشري كأساس ثابت لكل نهضة اقتصادية، ولن يتأتى ذلك إلا بإصلاح منظومة التعليم والتكوين المهني لتتلاءم مع متطلبات سوق العمل، وكذا تشجيع روح المبادرة لدى الشباب، وربط المؤسسات التعليمية كالجامعات والمعاهد بالقطاع الخاص، بالإضافة إلى التركيز على القطاعات الواعدة في البلاد، مثل الزراعة والصيد والمعادن والسياحة، والعمل على تطويرها عبر التصنيع والتحويل بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، مما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل جديدة تمتص بطالة الشباب، وتُحرِّك عجلة التنمية.
إن تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في رسم السياسات، من شأنه أن يخلق انسجامًا أكبر ويُسهم في تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
وخلاصة القول في هذا الباب؛ إن النهوض بالقطاع الخاص في موريتانيا يمثل مدخلًا حقيقيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولن يتحقق ذلك إلا مع إرادة سياسية قوية، وإصلاحات شاملة تضمن بيئة أعمال مُحفِّزة، وتمويلًا كافيًا، وبنية تحتية متطورة، وموارد بشرية مؤهلة، فمتى ما توفرت هذه الشروط، أصبح القطاع الخاص قادرًا على القيام بدوره الكامل كمحرك رئيسي للنمو والازدهار.
وعلى ذكر القطاعات الواعدة في بلادنا تبرز أهمية الزراعة أكثر من غيرها لامتلاك بلادنا كل المقومات الطبيعية، والإرادة السياسية الداعمة؛ ملدن القيادة الوطنية ممثلة في طموح فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ومن خلال سعي حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي إلى تنزيل ذلك على أرض الواقع، كل ذلك من أجل إحداث نهضة كبرى في مجال الزراعة، وتحقيق السيادة الغذائية، وإحداث قطيعة تامة مع حالة الاعتماد على منتوج غيرنا من دول الجوار.
ومعلوم أن التحولات الاقتصادية العالمية، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي، جعلت كل دول العالم تسعى جاهدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الزراعة، باعتباره ركيزة أساسية للاستقلال والسيادة، وموريتانيا ليست بدعا عن ذلك، بل هي من بين الدول التي خطت مؤخرا خطوات معتبرة في هذا الاتجاه، مستفيدة من إمكاناتها الطبيعية وبرامجها التنموية الطموحة.
فلقد شهد القطاع الزراعي في موريتانيا خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا، نتيجة اعتماد سياسات تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار في الزراعة، فعملت الدولة على استصلاح مساحات زراعية واسعة، خاصة في الضفة، ووفرت البذور المحسنة، وعززت استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة عموما، وزراعة الخضروات خصوصا.
كما ساهمت الجهود الحكومية في دعم المزارعين من خلال التمويل والتأطير الفني، إضافة إلى إطلاق مشاريع كبرى تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المحاصيل الأساسية مثل الأرز والخضروات، ولم يعد القطاع الزراعي في بلادنا نشاطًا تقليديًا فحسب، بل أصبح مجالًا استراتيجيًا يُعتمد عليه في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتقليص الاعتماد على الخارج.
ومن جهة أخرى، فإن تحقيق السيادة الغذائية لا يقتصر فقط على زيادة الإنتاج، بل يتطلب أيضًا تحسين سلاسل التوزيع والتخزين، والحد من الهدر، وتعزيز الصناعات الغذائية المحلية، وفي هذا السياق، بدأت موريتانيا تخطو خطوات مهمة نحو بناء منظومة غذائية متكاملة.
ويمكن القول إن موريتانيا باتت بالفعل قريبة من تحقيق الاكتفاء الذاتي في المجال الزراعي، غير أن هذا الهدف يظل رهينًا بمواصلة الإصلاحات، وتعزيز الاستثمار، ومواجهة التحديات المناخية، فبإرادة قوية وتخطيط سليم، يمكن للبلاد أن تحقق سيادتها الغذائية وتؤمّن مستقبلها الاقتصادي بكل ثقة وأمان.
الخميس، 23 أبريل 2026
نهج غزواني في تسيير العلاقات الخارجية (مقال)
تنحو السياسة الموريتانية في السنوات الأخيرة منحى يُظهر يوما بعد يوم قدرا كبيرا من الحكمة في تسيير العلاقات الخارجية؛ حيث اتسمت بالاعتدال والتوازن والبراغماتية، بعيدًا عن التوترات والصراعات الإقليمية، ويعكس هذا المسار الهادئ وجود شخصية مُتَّزنة وقادرة على التحكم في الانفعالات، وهي سمة يُقدّرها القادة في العلاقات الدولية، حيث تُبنى القرارات الكبرى على التعقل لا التسرّع، فالقائد الذي يتحدث بهدوء ويستمع أكثر مما يتكلم، يُنظر إليه كشريك موثوق يُمكن التفاهم معه.
وهذا النهج الهادئ والمتزن؛ هو ما يميز الحكمة التي تُدار بها البلاد الآن إذ يعتمد الغزواني على الدبلوماسية الناعمة بدل التصعيد، فيتعامل مع مختلف القضايا الدولية بروح الحوار والتفاهم، مما أكسب موريتانيا احترامًا متزايدًا على الساحة الدولية، وهذه الصورة تعكسها طريقة التعامل مع استفزازات بعض دول الجوار بأسلوب طائش، قابله الرئيس بحكمة ناضجة.
ومن نافلة القول إن شخصية القائد تُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاحه داخليًا وخارجيًا، إذ لا تقتصر القيادة على اتخاذ القرارات فحسب، بل تشمل أيضًا أسلوب التعامل وطريقة التواصل مع الآخرين.
وفي عالم تسوده التوترات والتحديات، يبرز الهدوء كصفة نادرة ومُؤثرة في كسب الثقة والاحترام، ومن هذا المنطلق، يُعدّ هدوء محمد ولد الشيخ الغزواني وحكمته في تقدير المواقف من أبرز السمات التي أسهمت في تعزيز مكانته على الساحة الدولية.
كما تتجلى هذه الحكمة في تنويع الشراكات الدولية، حيث لم تقتصر علاقات موريتانيا على طرف واحد، بل عملت على تعزيز التعاون مع دول متعددة مثل فرنسا وإسبانيا، والمحيط الإفريقي والعمق العربي إلى جانب الانفتاح على شركاء جدد في مختلف بقاع العالم، بما يخدم المصالح الوطنية ويقلل من التبعية.
ومعلوم أن الدبلوماسية الحديثة تنسجم مع الهدوء والتفاوض الناعم أكثر من أي شيء آخر، وهذا ما يجعل حضور القائد الذي يتشبع بهذه المميزات في اللقاءات الدولية مقبولًا ومريحًا، خاصة عند التعامل مع قضايا معقدة كالأمن في منطقة الساحل، مثلا؛ التي تحيط بنا وتفرض علينا التفكير دوما بما يقتضيه لزوم العيش المشترك أو التعاون الاقتصادي الدولي الذي هو الشغل الشاغل لكل دول العالم.
وهذا النهج القويم يُساهم لا محالة وبشكل كبير في تعزيز صورة موريتانيا كدولة مُستقرة ومُتزنة، وهو أمر مهم في كسب ثقة الشركاء الدوليين وجذب الاستثمارات والدعم،فالسياسة الناجحة تعمل على تحقيق التوازن بين المصالح الداخلية والخارجية، بحيث تُسخّر العلاقات الدولية لخدمة التنمية الاقتصادية المحلية وجلب المنافع، مع الحفاظ على السيادة الوطنية.
ومما لا شك فيه أيضا أن طريقة التسيير التي اعتمدها غزواني كفلسفة راسخة لديه أظهرت التركيز على البعد الأمني والاستقرار الإقليمي، خاصة في منطقة الساحل، حيث تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب وتعزيز السلم، دون الانجرار إلى سياسات المواجهة الحادة؛ مع عدم اغفال أهمية مسايرة ذلك بمفاتيح التنمية؛ كضامن أساسي لترسيخ الأمن الفعال والمؤثر، تأثيرا إيجابيا ينفع الناس ويمكث في الأرض.
بالإضافة إلى ما تقدم حمل تصريح محمد ولد الشيخ الغزواني في دكار رسائل دبلوماسية نموذجية مُؤكدة على ما سبق ومن ذلك أنه (لا يمكن تحقيق الاستقرار بالاقتصار على المقاربة الأمنية) ويعكس هذا الموقف إدراكًا عميقاً بأن الأزمات في منطقة الساحل ليست أمنية فقط، بل هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية.
فالفقر، والبطالة، وضعف الخدمات الأساسية، كُلها تُغذي بيئات الهشاشة التي تستغلها الجماعات المتطرفة، لذلك، فإن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها قد يحدّ من التهديد مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور المشكلة بشكل نهائي.
وفي الجانب الآخر من هذه المعالجة يلزمنا أن نُشير إلى أن هذا النهج الرزين الذي رسم ملامح تسيير غزواني للسياسة الخارجية، وكذا القضايا الوطنية، وجد سندا قريبا، قويا،وعونا سديدا، تمثل فيما لعبته وتلعبه السيدة الأولى مريم منت الداه إلى جانب زوجها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني كعامل داعم وإيجابي في عدة مجالات، ولأن السيدة الأولى في أي دولة تلعب دورًا رمزيًا وإنسانيًا مهمًا، يتجاوز البروتوكول العادي إلى الإسهام في دعم صورة الدولة وتعزيز جهود القيادة السياسية، فقد برز دور منت الداه جليا في الأمور التالية:
أولًا: الدعم المعنوي والسياسي: إذ تُعد السيدة الأولى سندًا معنويًا للرئيس، حيث ظهرت خلال الزيارات الرئاسية بصورة مُتزنة ومحافظة تعكس القيم الثقافية الأصيلة والنظيفةللمجتمع الموريتاني، وما ذلك إلا من طيب منبعها، وطبعا ماء العود من حيث يعصر؛ ولقد ساهمت بذلك في تعزيز حضوره الاجتماعي والإنساني، وهي عندما ترافقه في بعض الأنشطة الرسمية، تُعطي صورة ناصعة عن التماسك والاستقرار داخل مؤسسة الرئاسة، وهذا الظهور المتوازن يعكس انسجامًا ينعكس إيجابيًا على ثقة المواطنين، ويُساهم أيضا في تقديم صورة إيجابية عن البلاد لدى الرأي العام الدولي.
ثانيًا: العمل الاجتماعي والإنساني: لقد عُرفت السيدة الأولى بانخراطها الدائم في مجالات اجتماعية كثيرة مثل دعم الفئات الهشة، والعناية بالمرأة والطفل، وتشجيع العمل الخيري، وتبني قضايا أصحاب الهمم، كل هذه الجهود تُكمّل السياسات الحكومية وتُضفي عليها بُعدًا إنسانيًا، مما يقرب الدولة من المواطن ويُحسن صورتها في ذهنه.
ثالثًا: تحسين صورة موريتانيا خارجيًا: فمن خلال مشاركاتها في الأنشطة الدولية واستقبالها لشخصيات أجنبية، تساهم السيدة الأولى في تقديم صورة إيجابية عن موريتانيا، تعكس قيم التضامن والانفتاح، وتدعم الدبلوماسية الناعمة التي تسعى الدولة إلى إظهارها كخيار آمن وفعال، ومنهج مُؤثر يصلح به ما أفسده غيره من الخيارات الخشنة، أو المتهورة.
رابعًا: تعزيز قضايا المرأة: حيث يُشكل حضورها فرصة لإبراز دور المرأة الموريتانية الريادي، وإيجابيتها المميزة في المجتمع، والدفع نحو تمكينها في مختلف المجالات، سواء عبر التوعية أو دعم المبادرات النسوية ورعايتها، والانخراط الفعال في إنجازها.
أخيرا يمكن القول إن دور السيدة الأولى مريم منت الداه يتكامل مع جهود الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث يُضيف بعدًا إنسانيًا واجتماعيًا للسياسات العامة، ويُساهم في ترسيخ صورة إيجابية عن الدولة داخليًا وخارجيًا، وهو ما يجعل هذا الدور عنصرًا مهمًا في دعم القيادة وتعزيز حضورها، وبالتالي فإن دور السيدة الأولى لم يكن يوما شكليًا، بل ساهم فعليًا في دعم صورة موريتانيا كدولة مستقرة، متضامنة اجتماعيًا، ومنفتحة على العالم، وذلك من خلال توظيف “القوة الناعمة” إلى جانب الجهود السياسية للرئيس.
PartagerFacebookTwitterWhatsApp
الأحد، 19 أبريل 2026
هدم المنازل واختتام زيارة الرئيس: التزامن المربك / عثمان جدو
تعيش المجتمعات أحيانًا على وقع أحداث متزامنة؛ تثير تساؤلات متعددة، وتفتح الباب أمام التأويلات المختلفة، ومن ذلك ما شهدته وتشهده الساحة الموريتانية في الآونة الأخيرة من جدلٍ واسع حول قضية هدم المنازل، خاصة ما شهدته مقاطعة تيارت من عمليات هدم لبعض المنازل، بالتزامن مع عودة فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من زيارته لفرنسا يثير كثيرا من التساؤلات؛ عن جدوى استهداف مساكن المواطنين البسطاء أولا؛ بدل ملاحقة السماسرة الذين يقفون وراء بيع الأراضي بطرق غير قانونية، وكذا التوقيت، فلماذا مثلا تطبيق هذا الإجراء على هذا المكان في هذا الزمان؟ وهو الزمان الذي يعكس لحظة تنتشي فيها البلاد بصدى نتائج زيارة الدولة التي أداها فخامة الرئيس لفرنسا بكل نجاح.
إن هذه الإشكالية تطرح أبعادًا قانونية واجتماعية وأخلاقية تستحق التحليل لفهم خلفياتها وتداعياتها، وطبعا يدفع هذا التزامن بين الهدم واختتام الزيارة بنجاح بعض المتابعين إلى التساؤل: هل يتعلق الأمر بإجراء إداري داخلي روتيني أم أنه محاولة للتشويش على نتائج الزيارة، عن قصد أو خلافه؟ ولن يستساغ القصد مهما تجلى سوء التقدير والحماقة في توظيف التوقيت، فلا يعقل أبدا أن تعمل مصالح إدارية للدولة على التشويش المتعمد على زيارة رئاسية بهذا الحجم وهذه القيمة وذاك النجاح؛ لكن التحليل وضرورة بسط الرؤى ومعالجة الأفكار يقودنا إلى طرح كل الاحتمالات بتجرد وموضوعية.
وبالتالي فإن هدم المنازل يبدو للوهلة الأولى كإجراء قاسٍ يطال الفئات الضعيفة، خصوصًا أولئك الذين اقتنوا أراضيهم بحسن نية، معتقدين أن معاملاتهم سليمة، لكن عندما نعلم أو تستظهر لنا الجهات المعنية ببيان يوضح أن الدولة تستند في هذا الإجراء إلى تطبيق القانون، الذي تعتبر البناء على أراضٍ غير مرخصة مخالفة صريحة تستوجب الإزالة، وأن هذا هو لب القضية، وحقيقة الحدث، حينها نفهم أن هذا الخيارأي خيار الهدم يُعد الخيار الأسرع من حيث التنفيذ وربما التأثير، حيث يحقق هدف فرض النظام وإظهار هيبة الدولة في مواجهة الفوضى العمرانية، وبالتالي فإن عمليات هدم المنازل في المدن ظاهرة ترتبط غالبًا باعتبارات تنظيمية وعمرانية، إذ تسعى السلطات إلى محاربة البناء العشوائي، وتطبيق مخططات التهيئة الحضرية، أو تنفيذ مشاريع تنموية تتطلب إعادة تنظيم المجال.
وعليه، فإن هذه الإجراءات تدخل في إطار السياسات الداخلية التي تُنفَّذ بشكل دوري، بغض النظر عن السياقات السياسية أو الدبلوماسية.
لكن في المقابل، يبرز تساؤل جوهري: لماذا لا يتم التركيز على السماسرة الذين تسببوا في هذه الأزمة؟ وإن كانت الحقيقة أن ملاحقة هؤلاء ليست بالأمر السهل، نظرًا لاعتمادهم أساليب ملتوية، مثل العمل عبر وسطاء متعددين أو غياب وثائق رسمية واضحة تثبت تورطهم.
كما أن ضعف نظام التوثيق العقاري يساهم في تعقيد المسألة، إذ تنتشر في بعض المناطق وثائق متضاربة أو غير مكتملة، ما يفتح الباب أمام عمليات احتيال يصعب تتبعها قانونيًا.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال احتمال وجود تقصير إداري أو حتى تواطؤ في بعض الحالات، حيث يُطرح سؤال مشروع حول كيفية السماح أصلًا ببيع هذه الأراضي، وأحيانا يدعي أحدهم الحصول على إذن بناء فكيف تم ذلك؟ وعلى أي أساس سليم مُنح؟، هذا العامل يزيد من حساسية الملف، ويجعل معالجته تتطلب إصلاحات عميقة بدل الاكتفاء بإجراءات ظاهرية، ضحيتها من زاويتين المواطن الضعيف.
وعليه، فإن الاقتصار على هدم المنازل دون معالجة جذور المشكلة لا يؤدي إلا إلى تفاقم الشعور بالظلم لدى المواطنين، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لحمايتهم أو تعويضهم.
ومن جهة أخرى فإن الزيارات الرسمية التي يقوم بها رؤساء الدول، مثل زيارة الرئيس الغزواني إلى فرنسا، تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واقتصادية وأمنية، وتهدف أساسًا إلى تعزيز العلاقات الثنائية، وجذب الاستثمارات، وتوطيد التعاون في مجالات حيوية.
وهذه الملفات تُدار على مستوى عالٍ من التنسيق بين مؤسسات الدولة، ولا ترتبط عادة بقرارات إدارية محلية محدودة.
غير أن التزامن الزمني بين الحدثين قد يدفع بعض الأطراف إلى الربط بينهما، خاصة في ظل حساسية القضايا الاجتماعية مثل هدم المنازل، التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
كما أن التغطية الإعلامية المكثفة لمثل هذه القضايا قد تطغى أو تشوش على الأحداث السياسية، رغم أهميتها؛ مما يعزز هذا الربط في أذهان البعض، حتى وإن لم يكن قائمًا على أدلة موضوعية.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن هدم المنازل في تيارت يُرجَّح أن يكون جزءًا من سياسات داخلية تهدف إلى تنظيم المجال العمراني، وليس محاولة متعمدة للتشويش على نتائج زيارة خارجية. ومع ذلك، يبقى من الضروري مراعاة البعد الاجتماعي لهذه القرارات، وضمان الشفافية والعدالة في تنفيذها، حتى لا تتحول إلى مصدر توتر أو سوء فهم لدى المواطنين.
فالقضية ليست مجرد تطبيق بسيط للقانون، بل هي إشكالية مركبة تتداخل فيها مسؤوليات متعددة، وحلها العادل والناجع لا يكمن في استهداف الحلقة الأضعف، بل في تبني مقاربة شاملة تقوم على محاسبة السماسرة، وإصلاح نظام العقار، وتعزيز الشفافية الإدارية، مع توفير الحماية للمواطنين الذين اشتروا هذه القطع الأرضية بحسن نية؛ إذ لا يعقل أبدا أن يجازفوا بأموالهم، لكنهم ضحايا مغرر بهم، وبهذا فقط يمكن تحقيق التوازن بين فرض القانون وضمان العدالة الاجتماعية.
وفي الأخير نشير إلى أنه كان بالإمكان أحسن كثيرا مما كان فكان الأولى فيما حصل أن تُحلَّ هذه القضية دون هدم المنازل القائمة، فآخر الدواء الكي، وكان الأفضل والأنسب ألا تعالج هذه المعالجة التي أظهرت خشونة وقسوة في لحظة فرح وطنية ونشوة بنتائج زيارة فخامة الرئيس؛ التي كان يلهو بأحداثها وتفاصيلها كل المواطنين ويجعلونها مائدة يُشرب عليها الشاي بهدوء وفرح، قبل أن تنغص على المشهد تلك المقاطع المصورة لعملية الهدم وما تتخللها من مشادات وتجاذبات وصراعات عجت بها منصات التواصل الاجتماعي مع كامل الأسف على سوء تقدير قيمة اللحظة الثمينة!!.
البعد الأمني في زيارة غزواني لفرنسا ورمزية إهداء كتاب ديغول
البعد الأمني في زيارة غزواني لفرنسا ورمزية إهداء كتاب ديغول/ عثمان جدو
تكتسي الزيارات الرسمية لرؤساء الدول أهمية بالغة، وتزداد قيمة ومعنى عندما تصل الزيارة إلى درجة زيارة دولة، ومن هنا تأتي أهمية زيارة فخامة الرئيس غزواني لفرنسا، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المتقلبة التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، لتعكس جملة من الأبعاد، من أبرزها البعد الأمني الذي أصبح يشكّل أولوية الأولويات في العلاقات الدولية، نظرًا لتصاعد التهديدات العابرة للحدود، ولضرورة تجديد وتوثيق عرى الشراكات الأمنية، وهو ما يعكس حرص موريتانيا على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوطيد شراكاتها الاستراتيجية لمواجهة مختلف التهديدات، فمسألة الأمن والاستقرار أصبحت تاج المشكلات، وذروة الأولويات في هذه منطقتنا، وفي العالم بأسره.
ومن المظاهر التي تتجلى فيها الأبعاد الأمنية لهذه الزيارة:
أولًا: مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة
يلاحظ سعي موريتانيا إلى تعزيز التعاون الأمني مع شركائها الدوليين، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، حيث أصبحت هذه التحديات تمثل خطرًا حقيقيًا على بلادنا؛ التي تعتبر جزءا من فضاء الساحل، الذي يشهد نشاطا متزايدا للجماعات المتطرفة، التي تشكل خطرا علينا وعلى استقرار المنطقة المحيطة بنا، ومن هنا تتجه موريتانيا إلى تقوية التنسيق مع فرنسا، خاصة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير أساليب المواجهة، وكل ما يلحق بذلك من أنواع التعاون العملياتي.
ثانيًا: دعم قدرات الجيش والأمن الموريتاني
تهدف هذه الزيارة إلى دعم قدرات الجيش والأجهزة الأمنية الموريتانية، من خلال الاستفادة من الخبرة الفرنسية في مجالات التدريب والتجهيز، فتعزيز الكفاءة العسكرية يعدّ عنصرًا أساسيًا لضمان حماية البلاد والدفاع عنها في وجه التهديدات المتزايدة، فهذه التحديات تتطلب تعاونًا دوليًا وتنسيقًا مستمرًا، وهو ما تطمح له موريتانيا كما تسعى من خلال هذه الزيارة إلى الحصول على دعم تقني ولوجستي، مثل التدريب العسكري والتجهيزات الحديثة، وطبعا يُنظر إلى فرنسا كشريك قادر على المساهمة في تطوير جاهزية القوات المسلحة، وتعزيز قدرتها على حماية الحدود، وتبادل الخبرات، والتجارب في مجال التكوين العسكري والتقني، بما يساهم في رفع جاهزية القوات المسلحة الموريتانية، وتعزيز قدراتها الدفاعية.
ثالثًا: تأمين الحدود ومواجهة التهديدات العابرة
تواجه موريتانيا تحديات مرتبطة بالهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة المنظمة ومن هنا، فإن التعاون مع فرنسا يشمل مراقبة الحدود وتبادل الخبرات في مجال الأمن الحدودي، خاصة مع تزايد الضغوط والتحديات والاستفزازات في منطقة الساحل، فالاهتمام بتأمين الحدود ومكافحة كل أنواع الجريمة المنظمة بتعقيداتها وتحدياتها، والتهريب بأشكاله وألوانه يعد أمرا في منتهى الضرورة الأمنية، ولا يقتصر الأمر على الأمن الوطني فقط، بل يمتد إلى دعم الاستقرار الإقليمي، حيث تلعب موريتانيا دورًا مهمًا في منطقة الساحل باعتبارها نموذجًا حيا للاستقرار، ومن شأن التعاون مع فرنسا أن يسهم في تعزيز هذا الدور وتكريس مكانة موريتانيا كشريك أساسي في الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن في المنطقة برمتها.
رابعًا: دعم الاستقرار الإقليمي
تلعب موريتانيا دورًا محوريًا في الحفاظ على الأمن مقارنة ببعض دول الجوار التي تشهد اضطرابا مقلقا، والتعاون مع فرنسا يعزز هذا الدور ويُكسبه بعدًا دوليًا، من خلال تبني مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والتنمية إلى جانب العمل العسكري.
ومن خلال هذه الزيارة تتولد فرصة لتعزيز الشراكات الاستراتيجية التي تضمن دعمًا لوجستيًا وتقنيًا، مما يساعد على مواجهة التحديات الأمنية بكفاءة أكبر، وبلورة جهود أوسع لتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل.
خامسًا: الانخراط في الشراكات الأمنية الدولية
تعكس الزيارة أيضا رغبة موريتانيا في تعزيز حضورها ضمن الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، سواء عبر الشراكات الثنائية أو من خلال أطر متعددة الأطراف، وهو ما يعزز مكانتها كشريك موثوق.
أخيرا نشير إلى الدلالة الرمزية العميقة جدا والتي حملها إهداء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكتاب (نحو جيش مهني) إلى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني فهو حدث أكثر من مجرد مجاملة دبلوماسية؛ بل هو فعل رمزي غني بالدلالات السياسية والاستراتيجية التي منها:
- استحضار الفكر العسكري الاستراتيجي
فكتاب (نحو جيش مهني) يُعد من أهم كتابات ديغول، حيث دعا فيه إلى بناء جيش محترف قائم على الكفاءة والانضباط بدل الجيوش التقليدية، وإهداء هذا الكتاب يرمز إلى أهمية تطوير المؤسسة العسكرية على أسس حديثة، خاصة في منطقة الساحل التي تواجه تهديدات أمنية معقدة.
- رسالة ضمنية حول الاحترافية والاستقرار
ديغول في التراث الفرنسي لم يكن مجرد عسكري، بل رجل دولة ربط بين قوة الجيش واستقرار الدولة، ومن خلال هذا الإهداء، قد يكون ماكرون يلمّح إلى أن الاحتراف العسكري عنصر أساسي في ضمان الاستقرار السياسي، وهو أمر مهم لدول مثل موريتانيا في محيط إقليمي مضطرب.
- تأكيد الشراكة الأمنية بين البلدين
فرنسا تعتبر موريتانيا شريكًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب في الساحل، وهذا الإهداء يعكس رغبة باريس في تعزيز التعاون العسكري والأمني، وربما تشجيع نواكشوط على مواصلة تحديث جيشها وتعزيز جاهزيته.
- بعد شخصي وسياسي لغزواني
الرئيس الغزواني نفسه ذو خلفية عسكرية، ما يجعل اختيار هذا الكتاب تحديدًا ذا دلالة خاصة، وكأن ماكرون يخاطبه بلغة يفهمها جيدًا: لغة المؤسسة العسكرية، والانضباط، والتخطيط الاستراتيجي.
- استدعاء رمزية ديغول
ديغول يمثل في الذاكرة الفرنسية نموذج القائد الذي جمع بين الشرعية العسكرية والقيادة السياسية، واستحضار اسمه في هذا السياق قد يحمل إشارة إلى أهمية القيادة القوية والمتوازنة في إدارة التحديات الوطنية.
ختاما: يتضح أن إهداء هذا الكتاب ليس تصرفا عابرًا، بل هو رسالة متعددة الأبعاد، ودعوة إلى الاحتراف العسكري، وتأكيد على الشراكة، وإشارة إلى دور القيادة في تحقيق الاستقرار.
إنه مثال على كيف يمكن لرمز ثقافي بسيط ككتاب أن يحمل مضامين سياسية عميقة في العلاقات الدولية.
ويتضح من كل ما تقدم أن البعد الأمني يشكّل ركيزة أساسية في زيارة الرئيس محمد ولد الغزواني، حيث تعكس هذه الزيارة وعيًا متزايدًا بأهمية التعاون الدولي في مواجهة التهديدات الأمنية.
كما تؤكد التزام موريتانيا بلعب دور فعّال في ترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة، بما يخدم مصالحها الوطنية والإقليمية.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)

















