الثلاثاء، 7 يوليو 2026

إلى أي مدى نجح مهرجان المعارضة بانواذيبو في تحقيق مقاصده؟/ عثمان جدو

أرادت المعارضة من خلال مهرجان انواذيبو أن تُوصل رسائلها السياسية، وتفرض ضغطًا معنويًا وإعلاميًا على السلطة، ومع صعوبة الجزم بنجاعة الأساليب التي انتهجها قادة المعارضة في خطاباتهم، أو تمام نجاح المهرجان في تحقيق أهدافه، وفرض خيارات المعارضة على النظام، فإن بعض المتتبعين يرى أن شيئا من التأثير لا بد قد حصل؛ ويمكن رصد مدى التأثير وفعاليته من عدمها من خلاله تتبع بعض العوامل لعل منها: -كون هذا المهرجان جمع لأول مرة الأقطاب الرئيسية للمعارضة في انواذيبو حول نشاط سياسي مشترك، وهو ما يُعطي انطباعا -بعض الشيء- بوحدة الصف، وطبعا إن تبلورت هذه الجزئية ونمت فإن ذلك سيشكل إضافة تُحسب للمعارضة مع تحركاتها الأخيرة، وتكسبها بعض النقاط. -القدرة على الحشد خاصة خارج العاصمة انواكشوط: فمن الصعب جدا حشد المواطنين الموريتانيين في غير المواسم الانتخابية التي تزيد الحماس، وحب الاجتماع، والاندفاع السياسي، ومع ذلك تحدثت بعض المنصات الإخبارية عن المهرجان من هذه الزاوية وقدمته على أساس أنه شهد حضورا جماهيريا ملحوظا. - ركزت بعض خطابات هذا المهرجان على قضايا تهم سكان المدينة مثل المياه والكهرباء وغلاء المعيشة والصحة والتعليم، وهي ملفات تحظى باهتمام شعبي واسع، ويعتبر الكلام عنها انتصارا للمواطن حتى وإن غفل أو تغافل المتحدثون عن الوضع الدولي الصعب الذي يفرض قيوده الخاصة على جميع دول العالم. – استغلال التهيئة للحوار: فتزامن حراك المعارضة وهذا المهرجان بالذات مع الحراك السياسي الوطني الممهد للحوار من شأنه إذا هو نجح في تمرير رسائله بقوة أن ينتزع قدرا كبيرا من المرونة المطلوبة تجاه بعض ملفات المعارضة التي ترفعها وتتبناها؛ لكن ذلك مرهون إلى حد كبير بنجاح التعبئة الجماهيرية ومدى تماسكها ودقة تنظيمها حتى تكون قوة سياسية يُعول عليها بثبات وموضوعية. ومع كل ما تقدم فإن فرض خيارات المعارضة يتطلب أكثر من مهرجان جماهيري؛ حتى لو سلمنا جدلا أن هذا المهرجان كان حاشدا؛ فالأمر يحتاج أكثر من ذلك بكثير، ولا أقل من أن يحتاج إلى استمرار الحشد، ووحدة صف المعارضة، ووضوح المطالب، وقدرة المعارضة على كسب تأييد أوسع داخل المجتمع. وفي الجانب الموازي تبدو السلطة غالبًا أكثر ميلًا إلى استيعاب الضغوط السياسية عبر الحوار والتفاوض بدل الاستجابة الفورية لضغط التجمعات الجماهيرية وحدها. لذلك، فإن نجاح المهرجان قد يمنح المعارضة أوراقًا إضافية على طاولة الحوار، لكنه لا يعني بالضرورة أن النظام سيقبل بشروطها أو خياراتها كاملة، فهو كما يُقال في بحبوحة من الارتياح السياسي المؤسسي بسيطرته على المقاعد التشريعية وتمثيليات الناخبين، ويقدم نفسه كمانح مرن للحوار؛ يمدُّ يدًا عريضة إليه، ويرفع عنها كل يدٍ ثقيلة، والطمأنينة في ذلك تجري على لسان فخامة الرئيس في كل اجتماع عُقد على مائدة التهيئة للانطلاقة الفعلية للحوار الوطني الشامل، الذي يقدم من النظام على أنه لا يستثني موضوعا ولا يصادر رأيا. ثم إن من أبرز النواقص أو المآخذ على المهرجان: -أنه غلب على الخطابات المتداولة فيه الطابع النقدي النظري، بينما كانت التفاصيل المتعلقة بالحلول والبدائل العملية محدودة، وهذه عادة قديمة متجددة؛ لم تثبت نجاعتها في الماضي ولا يعول كثيرا على نتائجها في المستقبل، بل أبعد من ذلك حملت بعض الفقرات جملا وعبارات متشنجة وقد تكون حمالة للتهم والتخوين دون بينة أو إثبات، ومعروف أن ذلك مما يُضعف الحجج، ويُميِّع الدلائل، وينفي البراهين. -لم يُعلن على لسان أي من قادة المعارضة عن برنامج واضح للمتابعة، أو جدول زمني مضبوط لتحويل مطالب المهرجان إلى تحركات سياسية، أو برلمانية محددة ومستمرة. -اقتصر النشاط على مهرجان جماهيري، بينما يحتاج الأثر السياسي إلى عمل ميداني متواصل مع السكان بعد انتهاء المهرجان. -ادعت المعارضة أنها واجهت، وفق بيانها، قيودًا على بعض الأنشطة الدعائية والاستقبالات المصاحبة للمهرجان، وهو ما قالت إنه أثر على التعبئة وزيادة الحشد. بعبارة مختصرة: هذا المهرجان قد يزيد من الوزن التفاوضي للمعارضة، لكنه وحده لا يكفي لفرض أجندتها، ما لم يُترجم إلى حراك سياسي مستمر وتوافق داخلي واسع حول مطالبها. وبالرغم عما حمل مهرجان المعارضة من انتقادات للحكومة فإن الحكومة تستند إلى التأكيد على البرامج الاجتماعية، مثل توسيع برامج الدعم للفئات الهشة، معتبرة أنها تخفف من آثار ارتفاع الأسعار؛ وكان أخر ذلك عهدا بالمواطن برنامج *عون* الذي مازالت آخر خطواته في بعض المناطق مستمرة، وكذا التأمين الصحي الشامل للمشمولين في السجل الاجتماعي، ومع ذلك يثار كثير من اللقط أخيرا حول طريقة التعامل مع المؤَمَّنِينَ من الموظفين ووكلاء الدولة الذين أصبحوا يعبرون عن معاناتهم الكبيرة مع مطاردة استفادتهم من خدمات التأمين بمشقة بادية عكس ما كان عليه حالهم قبل 2026. كذلك تخلص الحكومة دائما إلى الحديث عن الاستثمارات الكبرى في البنية التحتية والطاقة والمياه والطرق، بوصفها أساسًا لتحسين الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل. وتشير في كل البيانات والمقابلات إلى استقرار الاقتصاد الكلي مقارنة ببعض دول المنطقة، مع المحافظة على التوازنات المالية وجذب الاستثمارات. وتؤكد الحكومة على المضي في الحوار السياسي، وترى أن فتح باب الحوار مع مختلف القوى السياسية يتناقض مع اتهامات المعارضة لها بالتضييق والإقصاء. تتجه الحكومة أيضا في جل خرجات أعضائها إلى إبراز الإنجازات القطاعية في مجالات التعليم والصحة والكهرباء والمياه، باعتبارها دليلًا على استمرار العمل التنموي. وفي مقابل ذلك كله ترى المعارضة أن هذه الإجراءات والإنجازات المتحدث عنها لم تنعكس بما يكفي على حياة المواطنين، وأن المشكلات الأساسية مثل غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأساسية، والبطالة، وضعف القدرة الشرائية، لا تزال قائمة، ولذلك دعت إلى تحركات جماهيرية للضغط من أجل تغيير السياسات الاقتصادية. وبالتالي وكخلاصة أخيرة، فإن نجاح الحكومة في تفنيد دعاوى المعارضة يتوقف على معيارين: إذا كان المعيار هو عرض الإنجازات والمشاريع، فلدى الحكومة حصيلة تستند إليها وتنشرها من حين لأخر بلغة الأرقام. أما إذا كان المعيار هو إقناع المواطنين بأن أوضاعهم المعيشية تحسنت بشكل ملموس، فسيبقى ذلك محل نقاش سياسي وشعبي، وهو ما تحاول المعارضة استثماره في مهرجاناتها وتحركاتها، وتحتاج الهيئات الإعلامية الحكومية إلى مضاعفة الجهود من أجل إظهاره على حقيقته التي لا تقبل الطعن أو التنقيص. وبين هذين الاتجاهين المتباينين؛ يظل السؤال مفتوحا ومطروحا؛ إلى أي مدى يمكن للمعارضة أن تنجح من خلال مهرجاناتها في تحقيق اهدافها وملامسة مقاصدها؟