الخميس، 14 مايو 2026

ما دلالة تسمية السيدة الأولى سفيرة للنيات الحسنة؟/ عثمان جدو

تتميّز السيدة الأولى مريم بنت الداه عن كثير من سابقاتها بعدّة جوانب جعلت حضورها مختلفًا في المشهد العام، سواء من حيث الأسلوب أو طبيعة الأدوار التي تضطلع بها، فحضورها الهادئ بعيدًا عن الاستعراض؛ حيث تتجنب الظهور الإعلامي المفرط أو الدخول في السجالات السياسيةمنح صورتها طابعًا من الوقار والتحفظ، مقارنة ببعض التجارب السابقة التي كان حضورها أكثر صخبًا أو ارتباطًا بالتجاذبات السياسية. ثم إن تركيزها على العمل الإنساني والاجتماعي خاصة ما يتعلق بدعم الفئات الهشة، والعمل الخيري، وقضايا المرأة والطفولة والصحة، ساهم في إعطاء صورة اجتماعية لدور السيدة الأولى بدل الصورة البروتوكولية التقليدية التي كانت عالقة في أذهاننا. ولقد انسجم حضور السيدة الأولى مريم منت الداه مع النهج السياسي لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني القائم على التهدئة والانفتاح، فبدت بعيدة عن الاستقطاب السياسي، ولم تُعرف بدعم تيار سياسي أو قبلي بشكل علني، وهو ما عزز صورتها كشخصية جامعة. ويرى كثيرون أن اهتمامها بالقيم التربوية والاجتماعية، ودعم المبادرات ذات الطابع الثقافي والتعليمي، منح دورها بعدًا أكثر ارتباطًا ببناء المجتمع، وليس فقط بالمناسبات الرسمية. ولقد شكَّل ابتعاد السيدة الأولى عن النفوذ السياسي المباشر نقطة بارزة ميزت تجربتها لحد الآن فلم تُتهم بمحاولة التأثير المباشر في التعيينات أو القرار السياسي، وهو أمر كان يُثار أحيانًا حول أدوار بعض السيدات الأول سابقًا في دول المنطقة، بل وحتى في النقاشات المحلية. ثم إن حضورها الدولي المتزايد جعلها تحظى باهتمام إقليمي ودولي، خاصة بعد تعيينها سفيرة للنوايا الحسنة لدى الإيسيسكو، وهو ما يعكس سعي موريتانيا إلى تقديم صورة ناعمة للدبلوماسية الاجتماعية والثقافية عبر السيدة الأولى، فتسمية مريم منت الداه سفيرةً للنوايا الحسنة لدى هذه المنظمة يحمل دلالة سياسية وثقافية وإنسانية مهمة، تتجاوز البعد البروتوكولي إلى رسائل أعمق تتعلق بصورة موريتانيا ومكانتها داخل العالم الإسلامي والإفريقي. أولًا: دلالة الثقة الدولية في موريتانيا: فاختيار شخصية موريتانية لهذا المنصب يعكس مستوى الثقة التي أصبحت بلادنا تحظى بها في المؤسسات الدولية والإقليمية، خاصة في ظل الحضور الدبلوماسي المتزايد للبلاد خلال السنوات الأخيرة، كما يُفهم منه أن موريتانيا باتت تُقدَّم كنموذج للاستقرار والانفتاح والاعتدال في منطقة الساحل. ثانيًا: الاعتراف بالدور الاجتماعي والإنساني للسيدة الأولى هذا التعيين أو هذه التسمية تمثل اعترافًا بالأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي ارتبطت باسم السيدة الأولى، خصوصًا في مجالات دعم الفئات الهشة، وتمكين المرأة، والعناية بالأطفال، والعمل الخيري، فمناصب -سفراء النياتالحسنة- تُمنح غالبًا لشخصيات يُنظر إليها باعتبارها قادرة على التأثير الإيجابي ونشر قيم التضامن والتنمية. ثالثًا: تعزيز القوة الناعمة لموريتانيا: فمن الناحية السياسية، يساهم هذا التعيين في تقوية *القوة الناعمة* لموريتانيا، أي حضورها عبر الثقافة والتعليم والعمل الإنساني بدل الاقتصار على الأدوات السياسية التقليدية، فالإيسيسكومنظمة ذات تأثير واسع في العالم الإسلامي، والارتباط بها يمنح موريتانيا واجهة ثقافية وحضارية مهمة. رابعًا: إبراز مكانة المرأة الموريتانية: يحمل هذا القرار كذلك بعدًا رمزيًا يتعلق بتعزيز صورة المرأة الموريتانية وقدرتها على تمثيل البلد في المحافل الدولية، وهو ما يُقرأ باعتباره تشجيعًا لحضور النساء في مجالات العمل الدبلوماسي والإنساني والثقافي. خامسًا: خدمة قضايا التعليم والثقافة والتنمية: وبما أن منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة تُعنى بالتربية والثقافة والعلوم، فإن هذا الدور قد يفتح المجال أمام مبادرات وشراكات جديدة تخدم التعليم والعمل الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، خاصة في القضايا المرتبطة بالطفولة وتمكين الشباب والنساء. وفي الأخير فإن تقييم أي سيدة أولى مرتبطً تماما بطبيعة المرحلة السياسية، وحجم الصلاحيات غير المعلنة، ومدى تأثيرها الحقيقي داخل مؤسسات الدولة والمجتمع، لذلك فإن صورة مريم بنت الداه لدى الرأي العام تشكلت أساسًا من رمزيتها الاجتماعية المتمثلة في محيط أسري عُرفِ بالفضل ومكارم الأخلاق والعز والشرف، وما هدوء حضورها الطاغي إلا ثمرة تليدة لذلك تميزها أكثر من ارتباطها بالفعل السياسي المباشر. ختاما إن تعيين مريم منت الداه سفيرةً للنيات الحسنة لدى منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ليس مجرد تكريم شخصي، بل يحمل دلالات سياسية وإنسانية وثقافية متعددة، تعكس تحسن صورة موريتانيا خارجيًا، وتؤكد أهمية الدبلوماسية الناعمة والعمل الاجتماعي في تعزيز مكانة الدول والشعوب. PartagerFacebookTwitterWhatsAppEmail

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق