السبت، 10 يناير 2026
المكتسبات الاجتماعية قيمة يجب أن تصان (مقال)
لإن كان العمل الاجتماعي بشكل عام تُناط به العناية بالمحتاجين داخل المجتمع؛ سواء كان احتياجهم متولداأصلا عما يُصنفون به لاحقا أصحاب هِمم أو هو مُستجد وناتج عن احتياج عرضي مادي يمكن زواله بالمتابعة والمساعدة عن طريق برامج التكافل الاجتماعي؛ فإن بلادنا قطعت في هذا المضمار أشواطا كبيرة حريٌ بنا أن نصونها ونؤسس عليها فنبني لها معنىً يدعم الاستمرارية وتحقيق الغايات المنشودة، ويمكن القول بكل بساطة أن التلكؤ في ذلك أو إقلاب ظهر المجن له ينسف كل ما تحقق من نسمات اجتماعية إيجابية تحتاج التقوية والتدعيم والاستمرارية.
لقد تميزت المأمورية الأولى لفخامة رئيس الجمهورية السيدمحمد ولد الشيخ الغزواني وما تبعها حتى الآن من المأمورية الثانية؛ خاصة في المجال الاجتماعي بمحطات هامة جدا يمكن التوقف عندها قليلا وسريعا للاستئناس على الأقل، ومن ذلك تأمين مائة ألف أسرة متعففة تنحدر في مجملها من أوساط هشة تجعلها هذه البرامج الاجتماعية جماعة ذات أولوية، وهي سابقة وطنية؛ إذ لم يكن مؤمنا قبل ذلك إلامن حظي بالانضمام للوظيفة العمومية وخضع للاقتطاع القبلي من راتبه وكان تأمينه يُبقِي نسبة يجب عليه تعويضها، أما المائة ألف أسرة المذكورة وما أضيف لها عن طريق السجل الاجتماعي فتأمينهم تام مائة بالمائة؛ ودون دفع أوقية واحدة كإسهام متأخر عكس المؤمنين من الموظفين،وطبعا تحصيل حاصل القول بأن كل هذه الأسر المؤمنة تضم مجموعة من الأفراد المحتاجين جدا لهذه الخدمات الصحية وما يوازيها من أعطيات مالية؛ وإن لم تكن تزاحم القيمة الصحية لهذه التغطية المجانية.
ولا يقل عما تقدم أهمية ما حصل ويحصل بخصوص التكفل بمرضى التصفية؛ مع بعض المآخذ الإجرائية التي تظهر من حين لآخر سواء عند تعطل جهاز ما أو التباطؤ في خدمة معينة، لكن المتابعة من خلال المصالح الموجودة في كبريات المستشفيات الوطنية والتي تتبع مباشرة لقطاع الشؤون الاجتماعية لن تُعدم فائدتها، بل الأكيد أنها تقف سندا وعونا لهذا الصنف من المرضى المحتاجين ومن على شاكلتهم من المعوزين، دون أن ننسى إسهامات الخيرين من منظمات ونشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي؛ منهم من أصبح إسهامهم مشهود بل محل إشادة كبرى من الجميع، وبغض عن خلفياتهم السياسية وأديلوجياتهم الفكرية وغير ذلك فإنهم أفادوا المرضى سريعا دون أن يكون لهم ريع من ذلك،بل منهم من يربط المريض مباشرة بالمتبرعين عن طريق رقم المعني في صورة ترسم لوحة من النزاهة وخدمة الوطن؛ فالوطن يسع الجميع، ولهؤلاء نقدم أعز تحية ونقول لهم سيروا على ذات الدرب بارك الله جهودكم ونفعكم بها دنيا وأخرى.
ومن المواضيع الاجتماعية التي يُحبَّبُ التوقف عندها تلك الخدمات المقدمة لأطفال التوحد عن طريق مركز رائد جدا في المجال ساهم كثيرا في الحد من آثار وتبعات ومضاعفات هذه الظاهرة، ونظرا لأهمية هذه الخدمات ينبغي أن تتسع حتى تشمل فئات لا يمكن أن تصل إلى ذلك بمجهودها الذاتي المتواضع دون رعاية وتغطية وتحمل للأعباء الكلية من الدولة وهي تستطيع.
وبخصوص صندوق التأمين الصحي الذي كان وما زال يضطلع بدور اجتماعي محوري لما يوفره من ضمان صحي استفاد منه الموظفون والمشمولون في برنامج تآزر بشكل لافت؛ لكن خطبا مُستجدا أطل برأسه مع إطلالة هذا العام الجديد قد يُعقد طبيعة ما تعوده هؤلاء على نقيض قول المتنبي: لكل امرئ من دهره ما تعودا.. فتغيير طبيعة الرعاية الصحية من قبلية لا تحتاج معها دفع القسط الأكبر الذي يتحمله الصندوق إلى رعاية بعدية بتعويض متأخر عن العلاج أو اقتناء الدواء فيه إجحاف كبير بطيف بشري عريض لا يقوى سواده الأعظم على شراء علبة دواء أو سداد مستحقات الفحوص في لحظة الحاجة إليها، وهنا نُنبه إلى ذلك لأجل إعادة النظر وترك الحال على حاله فذاك الأصل المبارك إن لم يجد منغص؛ فالاستمرار على الرأفة أولى من تكبد مستجد المشقة.
وكل ما قيل بخصوص صندوق التأمين الصحي (كنام) يجر ذيله على أخيه الأصغر صندوق التضامن الصحي (كناس)؛ إنْ على مستوى الإشادة به وبتدخلاتها والمجال الذي سيسد منه ثغرات عجز المواطنين أو حتى على مستوى المآخذ من أجل تحسين الجودة والانتشار والرأفة والتخفيف على المواطنين.
وقبل أن نختم هذه السطور بملاحظة حول موضوع المحروقات المثار أخيرا نتوقف قليلا مع صندوق سكن المدرسين فهو مكسب اجتماعي هو الآخر وتجب صيانته ككل المكاسب التي قدم ذكرها؛ وهنا نُشيد إشادة عالية رفيعة بتضمين المتوفين -رحمهم الله- إلى جانب المتقاعدين للاستفادة من التعويض المرصود عن السكن، وهي قرارات في منتهى الأهمية لكن النقص لا يخلو منه عمل بشري مهما تراءى للناظر متكاملا؛ فصندوق سكن المدرسين يجب أن يشمل كل المدرسين خاصة من ينشطون تحت ظل وزارة التربية من خلال إداراتها المركزية أو أذرعها الجهوية وفروعها الإدارية، ومن الحيف وقد نسميه حيفا بريئا أن يحصل تفاوت كالحاصل بين القيمة المقدمة للميدانيين على حساب من تمت ترقيتهم لتسيير الملفات الكبرى والحساسة للمنظومة التربوية، ما معنى أن نُعيِّن شخصا مديرا مركزيا أو مستشارا نتلمس منه تقديم الأفكار ورعاية المشاريع الكبرى للتربية أو متابعة الملفات الحساسة التي يتحرك بموجبها جمع كبير من المدرسين في الميدان ثم نجعل له تخصيصا للسكن بنصف قيمة الآخرين؟. إذا كان التقدم الوظيفي بهذا المنطق منقصة فلم يسند إلى من حازوا كفاءة جيدة بعد خدمة ميدانية طويلة؛ فالترقية بطبيعتها لا يجب أن ترتبط ببعض النوادر التي تشوه التقييم؛ فالنادر لا يقضى به، والأصل أن الترقية تزكيةٌ لجهدٍ مشهود وعملٍ محمود.
علينا أن نراجع المعايير، ونتجرد في رغباتنا في الدفاع عن أنفسنا ومصالحنا الذاتية فقط، فالعموم أنفع من التخصيص، والزمن حكم شاهد، والأيام تسير بناومستجداتها تدفعنا إلى أن نتشارك الحقوق كما الواجبات مع غيرنا.
وختاما مع ملاحظة وجيزة بخصوص ما أثير عن المحروقات؛ولأن حديثنا هذا بدأناه أصلا عن عموميات ومكاسب اجتماعية وبها أيضا نختم، فيجب ألا يختفي ذلك الدعم الحكومي الذي كان له انعكاس اجتماعي إيجابي بطريقة ما وفي ظرف ما، فترك المواطن البسيط؛ أعني الموظف العمومي ومنهم دونه تحت رحمة سعة جيبه! إن ارتفعت أسعار الوقود بعد انخفاض قد يفضي به إلى سقوط لا يستطيع منه النهوض، فعلينا أن نرحمه بحسن تدبير يضمن له عدم المواجهة بعد الارتفاع؛ ويمكنه من الاستفادة من الوقود إبان الانخفاض سواء حصل ذلك في الصيف أو الشتاء أو زمن الرخاء والانتجاع.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق