الثلاثاء، 17 فبراير 2026

الإنصاف من شيم الأشراف/ عثمان جدو -مقال

من الإنصاف أن يكون الإنسان عادلا مع نفسه؛ فلا يجني عليها بتجنيه على غيره، ادعاء وافتراء، فالقول الذي يفتقر إلى دليل ملموس هو مجرد تحامل مبعثه الأساسي نفعي، ومنطلقه الاستفزاز؛ تكسبا لإسكات نداء الأمعاء، ولو برواسب القذارة، لأن صاحبه ببساطة شديدة يهين نفسه دون أن يدري، ويرمي بها جهلا أو عمدا في وحل الاحتقار، وطبعا ستكون براقش هي التي جنت على نفسها. إن التعدي على اعراض الناس والقدح فيهم؛ استماحة لأعطياتهم الخفية أو استدرارا لمنح خصومهم، ولو كانت قذى قدح؛ لا يهوي إليه من علت همته أبدا. لقد حصل وأن طالعت على فضاء الفيس بوك المليء بالغوغائيين، والأفاكين، والابتزازيين النفعيين تحاملا كبيرا على معالي وزيرة التربية، وقبلها معالي وزير العدل، وغيرهم، وبفعل معرفتي وانشغالي بحقل التربية كان هذا التحامل الظالم ملفتا لي، ولم استطع غض الطرف عنه، ولا تصاون السمع عن صداه الذي يتضوع عفونة ونتانة. لقد أقدم الآخذ من عرض الوزيرة قبل أخذه من أدائها زورا وبهتانا؛ على اجترار ميوله؛ فاتهمها بعدم الكفاءة مبدئيا!، وهي التي أظهرت كفاءة عالية منذ إدارتها للمعهد التربوي الوطني، وهنا عرفناها، وبعد ذلك عرفها الحقل التربوي، وهذا هو دافع شهادتنا ومنطلقها الأساسي، لقد نجحت الوزيرة في رفع ميزانية المعهد التربوي كثيرا من خلال مضاعفة مخصصات صندوق النشر المدرسي، وأطلقت منصة كتبي كبديل أكثر جدوائية عن الأكشاك الرقمية؛ وتعد منصة كتبي الآن مكسبا تربويا هاما، يمكن الأهالي من الولوج الآمن إلى الكتب والدعامات التربوية، تصفحا وتنزيلا، أو سحبا على الورق وهم في منازلهم في أي وقت، ومع هذا كانت فترة إدارتها للمعهد التربوي قصيرة جدا؛ قرابة سبعة أشهر فقط. أما بخصوص تسييرها لقطاع التربية والذي اتهمها فيه هذا المدون المغترب زورا وبهتانا بضعف الأداء، وفوضوية التسيير، والفساد الإداري والمالي، زغير ذلك، فكل هذه العناوين تبقى مجرد ادعاء على خواء، مالم يستظهر صاحبها بدليل ناصع وحجة ملموسة. ودفعا لهذه التهم الجزافية نطرح الأسئلة والاستفسارات التالية؛ والتي نريد من هذا الشخص الذي تحامل كما عُهد على معالي الوزيرة أن يفندها بالوقائع والإثباتات المدعمة بالأرقام أو البراهين الساطعة إن استطاع إيجادها؛ 1- في أي زمن جُرِّد كبار المسؤولين على خلفية صفقة فاسدة أو لم تستوف المنصوص عليه؟ (ولكم أن تستعينوا في الجواب بصفقة الطاولات التي تعرفونها جيدا) 2- متى اختفت ظاهرة إرسال المدرسين (envoyer) التي كانت رائجة ومعلومة الأسعار والخطوات، وكانت تنتعش طيلة السنة الدراسية؟. 3- متى أصبحت تحويلات المدرسين مرهونة بالمسار القانوني المحدد وفي الزمن المخصص لها تحديدا؛ بحيث أصبحت معيارية لا تعترض عليها نقابة مُمارسة ولا مدرس معزول؟. 4- في أي عهد أصبح مديرو الثانويات والإعداديات والأساتذة عموما يتقدمون لإدارات شاغرة مُعلن عنها، ثم يتنافسون وفق المعايير الواضحة التي لا تقبل التلاعب، وتكون النتائج محل إرضاء جامع؟. 5- ألم يصبح كل المدرسين يخشون الغياب، ويلزمون أماكن عملهم؛ لمعرفتهم التامة بصرامة وحياد الإجراء؟. 6- ألم نُعايش فترات كان فيها مدرسون فوق القانون؛ إذا حضروا لا يدرسون كما هو مطلوب، وإذا غابوا لا يعاقبون كما هو مُسطر؛ بفعل قوة النفوذ، ووفرة الحماية، كل ذلك أصبح جزءا من الماضي؛ بفعل صرامة هذه الوزيرة تحديدا ودون مجاملة. 7- في أي فترة حصل المدرسون على مبالغ مالية كبيرة تعويضا لهم عن السكن والذي كان مطلبا ملحا لا يحلم أكثرهم بأن يكون أكثر من قطعة أرضية في منطقة نائية؟. 8- في أي سنة رأت البطاقة المهنية النور؛ وهي التي كانت مطلبا نقابيا مُدرجا بأهمية، وما هو التوقيع الرسمي المثبت عليها والذي يمنحها قوة الاعتبار؟. 9- متى تضاعفت العلاوات التحفيزية خاصة الطبشور؛ حتى صار الميدان مغريا لكثيرين رجعوا إليه وحملوا الطبشور، ومنهم من نعرفه باسمه وكامل وسمه في المعهد التربوي مثلا وفي غيره من المؤسسات التي كان الكل يبذل ما بوسعه كي يلتحق بها؟. 10- ألم تتقلص الطلبات النقابية حتى بات البعض لا يتذكر مما كان مُلحا منها غير تفعيل نظام الأسلاك كمطلب بارز، مع بعض المطالب الخفيفة التي يمكن تسويتها في الأفق المنظور. إن المتتبع المنصف للمنظومة التربوية حتما سيقر لمعالي الوزيرة بجودة الأداء وفعالية التسيير ويطلب لها مزيدا من الثبات على ذات المسار والتوفيق في قادم الأيام. أخيرا أتذكر من باب الإنصاف أن الفيس بوك وغيره من الوسائط التي صارت مأوى للغوغائيين والابتزازيين؛ أنها أيضا لم تعدم المدونين الإيجابيين الذين أناروا الدرب، وساعدوا الضعيف والملهوف، ومنهم من وقف بالمرصاد للكذب والتلفيق وإفساد الأجيال، وأُذكر من يُنصِّب نفسه محامٍ عن الحق أن لا يلبس ثوب الشيطان فينبذ كل من يخالفه، فالحجة تقابل بالحجة، والبرهان لا يرده إلا البرهان، ومن تسلح بذلك لن يضيق ذرعا بتعليق عابر على تلفيق دائم، أما الحظر لكل مخالف فهو دليل ضعف لا برهان قوة، ولا هو بمتلازمة سيادة.

الرسائل الرئاسية (1/2) عثمان جدو - مقال

في مستهل خطابه من عروس النهر كيهيدي؛ خلال زيارته المشهودة لولاية كوركول بعث فخامة رئيس الجمهورية برسائل رئاسية قيِّمة تتسم بالدقة والمكاشفة وبحمل صبغة المراسيم مما يعزز من أهميتها ولزوم تطبيقها وتنفيذها، وأول هذه الرسائل اعتزاز فخامة الرئيس بتاريخ كوركول العريق، وإشعاعها الخالد، وهي لعمري جرعة إنصاف تفتح شهية الذاكرة الجمعية نحو الاعتزاز بالانتماء الوطني الجامع. ولقد دعَّم فخامة الرئيس هذا الإنصاف بتحسره على عدم إتقانه لأي من لغاتنا الوطنية؛ والتي كان يرجو أن يكون خطابه هذا موجه بإحداها على الأقل، وطبعا كان سيكون لذلك وقعه الخاص، ونشوته المميزة، وهذه النتيجة بالذات هي التي دفعت بفخامته إلى اعتماد مقاربة تصحيحية داخل جسم المنظومة التربوية والإدارية؛ تجسدت في إدخال تدريس لغاتنا الوطنية على مستوى المسار الدراسي القاعدي، وكذا على مستوى مدارس التكوين وهيئات التأطير. ولقد أكد فخامته أن زيارته لولاية كوركول هي الأكثر وما ذلك بالحدث الاعتباطي، بل هو مصالحة معلنة بين القمة والقاعدة ورسالة احتضان لكل أبناء ومناطق الوطن، تعزيزا للحمة الاجتماعية، وقطيعة مع أساليب الإقصاء والتهميش التي كانت سمة ماضية. من هذه الولاية الجميلة بتنوع سكانها، وجود طبيعتها، وخصوبة أرضها أطلق فخامة رئيس الجمهورية أهم مشروع تعهد به للمواطنين ألا وهو مشروع الإصلاح الكبير المتمثل في المدرسة الجمهورية؛ تلك المدرسة الجامعة التي تؤوي كل أبناء الوطن الواحد في مشهد جامع دون تمييز، على نفس الطاولة، وبذات الزي يتلقون نفس البرنامج؛ مما يزيد الانسجام والتآلف منذ نعومة الأظافر، وطبعا ستكون النتائج؛ لحمة وطنية قوية، ومخرجات متصالحة مع الذات والوطن، ومن هذه الولاية أطلق فخامة رئيس الجمهورية نداء جول الذي يعزز اللحمة الوطنية بين الكبار والراشدين، ويحارب النزعات العنصرية والدعوات القبلية، خاصة في أثوابها غير التكافلية. في مهرجان كيهيدي؛ ومن خلال حشده المشهود، ظهرت موريتانيا بتنوعها في صورة مصغرة جامعة؛ تجسد مشهد الوطن الواحد، وهذا ما يبعث على العمل من أجل تماسك الشعب الواحد، وتوثيق عرى تضامنه، ولن يتأتى ذلك دون بناء وطن جامع يوفر العيش الكريم لكل أبنائه، ويسلك بهم مسلك النمو والازدهار، في ظل ديمقراطية شاملة، وعدالة منصفة، مفتاحها الوحيد هو المواطنة، وضامنها المعلن؛ الحرية والمساواة. إن من الرسائل المهمة التي أكد عليها فخامة رئيس الجمهورية؛ أنه لم يأت بدوافع ولدتها أزمات، أو أخرى قذفت بها استحقاقات، وإنما أتي بدافع الاتصال المباشر، والإصغاء عن قرب لآراء وتطلعات المواطنين، ومما يعزز صدقية هذا المنحى أن بلادنا تنعم ولله الحمد بالأمن والاستقرار، مما يستوجب صيانة هذه النعمة الكبيرة، والمحافظة عليها بيقظة المواطن الغيور على مصلحة بلاده المستعد دوما للذب عنها، وإقامة مصالحها بالعمل الجاد والبناء؛ في ظل وجود مؤسسات فعالة تضمن ذلك، وتعمل بأمان وانتظام. ولقد تضمنت هذه الرسائل الرئاسية اعترافا ظاهرا أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان، والحصن المنيع في وجه كل التحديات، وهي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهي العتبة الصلبة والمدرج الفعال لتحقيق التنمية والازدهار؛ فالجوامع الوطنية أقوى وأثرى وأعمق من روافد الخلاف الذي غالبا ما يكون في طبيعة الرأي لا في حقيقة الهدف، وهذا ما يجعل أنشودة الوحدة والاستقرار هي ترنيمة الجميع؛ قمة وقاعدة، ويُرفع شعار تأشيرة نوال الحقوق عن طريق المواطنة الصادقة فقط، بعيدا عن المحاصصة بالألوان أو الألقاب الطينية الضيقة. من خلال مكاشفة فخامة الرئيس للمواطنين في مدينة كيهيدي أبان عن عمل الدولة على تعزيز التضامن والعدل والإخاء، ومحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء، وإصلاح العدالة، ومحاربة الفساد، وترسيخ مفهوم المدرسة الجمهورية وتطوير الخدمات الأساسية، وكذا التنمية الإنتاجية، وترقية القطاع الخاص، وتدعيم البنية التحتية؛ مما مكن البلاد من تحقيق نمو اقتصادي مهم جدا تراوح بين 4,5 إلى 6% خلال السنوات الست الماضية. إن الدولة الموريتانية لم ولن تتنكر للدور الريادي الذي لعبته ولاية كوركول في نهضة البلاد الاقتصادية، وعلى هذا الأساس عملت على تعزيز هذا الدور من خلال بناء السدود واستصلاح الأراضي، وتحسين الصحة الحيوانية، وفك العزلة، وتوفير الماء، والكهرباء والتعليم والصحة. ولقد ذكَّر فخامة الرئيس الحاضرين ومن بعدهم الأمة أنه اعتمد نهج التشاور مع الجميع، وأجرى لقاءات مع مختلف الأطراف، وأطلق مسارا تحضيريا يوشك على الاكتمال من أجل عقد حوار شامل لبناء إجماع وطني حول القضايا الكبرى، والجوامع الوطنية؛ ونوه فخامته إلى أن الوقت أصبح أكثر ملاءمة من ذي قبل لتحمل المسؤوليات بكل شجاعة تجاه التاريخ، والتحلي بالإرادة والعزيمة من أجل بناء مستقبل مشترك، مُشرِّف ومزدهر، ولن يكون ذلك دون تجاوز العقليات البائدة وبناء المستقبل على أسس المساواة والتكافؤ على جميع الصعد، وفي هذا الصدد لم يدخر فخامة الرئيس الجهد المطلوب؛ تعزيزا لرباط المواطنة، وتقوية للحمة الوطنية، من خلال تغيير العقليات أولا، ومحاربة الأحكام المسبقة والصور النمطية ثانيا، وتقليص الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بعد ذلك، وكسر حواجز الطبقية تتويجا لكل ذلك. ومما لا شك فيه أن باب الإنجاز فُتح على مستويات عدة، تعزيزا للجهد التراكمي للأجيال، ولكون التاريخ الوطني مليء بالصفحات المشرقة، وبأخرى نقيض ذلك؛ فإنه من المحتم أن تظهر قوة الشعوب بوصفها المنقذ القادر على تجاوز اللحظات العصيبة، والفيصل الضامن للاستمرار على درب البناء والتقدم، لكن بوصلة ذلك كله في الاعتراف بالتاريخ دون خجل وفك أسر اللحظات المؤلمة؛ كي لا تبقى عقبة كأداء في وجه التقدم والنماء. ومن الرسائل المسجلة في زيارة كوركول دعوة الرئيس أبناء الوطن في المهجر إلى المساهمة في بناء البلاد وإشادته بدورهم في تمثيل الوطن، فيما اعتُبِر رسالة طمأنة وتقدير، مع التحذير من الانزلاق الذي قد يقع فيه البعض فيمتهن خطاب التفرقة والكراهية، مما يؤزم ويفرق ولا يجمع، ولم يُفوِّت الرئيس دعوة المواطنين إلى الإقبال على مراكز الحالة المدنية لتسوية وضعياتهم، والحصول على أوراقهم التي تعد جزءا ثابتا من حقوقهم. لقد بين فخامة الرئيس أن الدولة وفرت فرصا كبيرة جدا في مجال التكوين المهني لمن لم يتمكنوا من مواصلة المشوار الدراسي النظامي الطبيعي، أو آثروا حبا وكرامة الانخراط المبكر في مجال التكوين المهني، فرفعت لهم الطاقة الاستيعابية من 4 آلاف إلى 20 ألفا مع وعد رئاسي بصبغة مرسوم أنها ستصل 23 مع نهاية العام الحالي بإذن الله تعالى. ملاحظة: في هذا المقال الذي شكل الجزء الأول من هذه المعالجة تحت هذا العنوان اقتصرنا على الرسائل الواردة من مقاطعة كيهيدي (الخطاب الرسمي ولقاء الأطر فقط) ولنا عودة بإذن الله تعالى مع بقية الرسائل الواردة في لقاءات بقية المقاطعات، والتي يجب على المواطن والحكومة على حد السواء التعامل معها على أساس أنها مراسيم ملزمة التطبيق؛ فأوامر الرئيس وتوجيهاته الرسمية تكتسي تلك الصبغة القانونية، وهذا ما يجب على الجميع وعيه واستيعابه، والعمل بمقتضاه.